تأخذك إلى أعماق الفكر

النفاق والاستبداد: أيهما سبب لوجود الآخر؟

لم يستطع أحد من قبل أن يتوصل لحلِّ معضلة (البيضة والفرخة) وأيهما كان سبق الآخر في الوجود، أو أيهما سبب وجود الآخر، من منهما الأصل ومن الفرع؟ البيضة أم الفرخة؟ نفس العلاقة تقريبًا تربط بين النفاق والاستبداد ونفس الأسئلة تقع عليهما.

أيهما سبب وجود الآخر؟

هل النفاق هو من يُوجِدُ الحاكم المستبد أو المنافقون هم من يحوِّلون الحاكم الرشيد إلى طاغٍ مستبد أو أن الاستبداد هو ما يستدعي ويستوجب النفاق؟ وهل المستبد الطاغية هو من يفتش ويبحث عمن ينافقه؟ قد تبدو الإجابة صعبة والجواب عسير، ولكن بقليل من الجهد وكثير من الفهم والتّفهم، قد نصل لجواب شاٍف ومريح.

 

مرّ الخديوي توفيق بقطاره على منفلوط ذات يوم وكان في استقباله أعيان البلدة ومشاهيرها وكان من بينهم الشاعر الشيخ علي أبو النصر المنفلوطي، واستأذن الشاعر جناب أفندينا الخديوي أن يلقي بين يديه قصيدة ترحاب، فأَذِن له مولانا الخديوي، فبدأ يُلقى الشيخ أبو النصر قصيدته بيتًا بيتًا والخديوي يهز برأسه إعجابًا واستحسانًا، وظلَّ الشيخ يلقي والخديوي يهز برأسه، حتى طالت القصيدة واستطالت وأصاب الخديوي الملل والضجر بينما لازال أبو النصر يلقي أبياته، فقاطعه الخديوي: كم بيتًا تحوي تلك القصيدة يا شيخ أبو النصر؟ فردّ الشيخ: 99 يا أفندينا. فتعجب الخديوي وسأله السؤال الذي يدور في بالك الآن عزيزي القارئ: ولماذا لم تُكملها حتى المائة بيت؟ أين البيت المائة؟ فيردُّ الشيخ مسرعًا: ناقصني بيت يا أفندينا. فيفهم الخديوي مقصده ويأمر له بيت مكافأةً له على نفاقه وراحة لنفس الخديوي من سماع باقي القصيدة.

هذا نموذج من نماذج النفاق التي سنستعرضها هنا سريعًا بالشرح والتحليل. والنفاق لغة مشتق من النافقاء وهو أحد مخارج اليربوع من جحره، أيّ إذا طُلب من مخرج هرب إلى الآخر وخرج منه. والنفاق معنى ودلالة هو أن تقول غير ما تفعل، وأن تظهر غير ما تبطن. والنفاق لا يكون إلّا لسببين أو لغايتين هما: حذرًا من بطش وقوة غاشمة أو طمعًا في منفعة آنية أو لاحقة

إعلان

وللمنافق أنواع عدّة، فهناك المنافق المباشر وهو الذي يكيل المدائح ويدبج القصائد ويصعّر خده للطرف الآخر من غير استحياء أو خجل، وهذا النوع هو الأكثر انتشارًا والأعلى رواجًا والأسهل حيلة. أما المنافق الأكاديميّ، فهو الذي يخرج على الناس فى حُلّة رسمية أنيقة مع نظارة طبية لامعة ليحدثهم حديث الخبراء ويخاطبهم مخاطبة المعلم لتلاميذه ولا ينسى أن يضع على لسانه الكثير من المصطلحات الأجنبية وأسماء لعلماء أجانب ونظريات علمية لا يَفهم منها المتلقي شيئًا ولا يحصل منها المستمع على فائدة، سوى اقتناعه بأنّ محدثه رجل علم وقور، وفي الختام يقول المنافق الأكاديمي ما أتى من أجله وهو نفاق الحاكم وتوليف ما قاله من نظريات ومعلومات مع نظريات الحاكم وتنظيره. وهناك المنافق الانفعالي، وهو الذي يبدأ حديثه منفعلًا عاتبًا على الحاكم حتى تظنه يهاجم الحاكم، إذ تجده مثلًا يقول: والله حرام اللي بيعمله الريس ده … والله حرام… أنا مش موافق على كل ده وأعارض اللي بيعمله الريس ده كله. فتظن -وليس كل الظن إثم- أن الرجل عاد إلى رشده وانتقل من فسطاط المؤيدين المبخرين إلى فسطاط المعارضين، ولكنه لا يلبث حتى يخيب رجاءك ويفسد عليك ظنك؛ فتجده يكمل… والله حرام ده يا ريس… صحتك عندنا أهم من الدنيا وما فيها…. ياريس إنت بشر حرام عليك اللي بتعمله في نفسك ده. وآخرهم المنافق الدينيّ، وهذا أخطرهم وأسوأهم وأحقرهم، ذلك أنه يُسخِّر المقدس لخدمة المدنس ويسخر الأعلى لصالح الأدنى ويستغل ثقة الناس وتقديرهم لرجل الدين لخدمة أغراضه الشخصية ولخدمة حاكمه المستبد. هذه هي أنواع ونماذج المنافق الموجودة في مجتمعاتنا، ولكن لم نجب على السؤال القائل في صدر المقال من أسبق لمن، ومن السبب لوجود من؟ النفاق أم الاستبداد؟ الإجابة في بضع كلمات قليلة آتية.

النفاق بذرة يرويها الاستبداد. أيّ أنه بدون المستبد لن يفلح المنافق ولن يجد من يستمع إليه، وهذا يقودنا لسؤال آخر: ما بالنا نجد النفاق والمنافقين في أوطاننا البائسة فقط؟ ألا يوجد النفاق والمنافقون في فرنسا وألمانيا والسويد مثلًا؟

بالطبع يتواجد المنافقون في كل بقعة على الأرض ولكن لا يوجد من يستقبلهم وينفخ فيهم روح النفاق وأسباب البقاء والاستمرار، يوجد منافقون ولكن لا يوجد مستبدون، وعليه تبور بضاعة المنافقين وتكسد سلعتهم فيتوقفون عن نفاقهم ويذهبون يلتمسون رزقهم من أبواب أخرى غير باب النفاق.

والطرف الآخر في عملية النفاق -الحاكم المستبد- لا يستطيع الحكم من غير (جوقة المنافقين) من حوله، تبرر له خطاياه وتحسن قبحه وتزين جهله وتحمد عبقريته وذكاءه وتتندر على فراسته وألمعيته، ولديها القدرة والكفاءة للقيام بهكذا دور وهكذا أعمال، فيبحث عنها ويمهد لها السبيل ويرفعها فوق الآخرين لتكون بوقه ومذياعه وتكون لسانه وصورته. وعليه فإنه من البديهي والأساسي أن نعلم بأن الاستبداد شرط لوجود النفاق، فلا نفاق بدون استبداد وكل مستبدٍّ يعوزه المنافق ولا يستغني عنه.

يقول فولتير:

إن الاستبداد يؤسس لأنساق من السلوك السلبيّ (النفاق) الذي يؤسس بدوره لمرحلة أخلاقية هابطة مهما كان الشعب (عربي أو غربي أو لاتيني) حيث يساهم في صياغة شعوب مشوّهة وفاقدة لصفتها الإنسانية.

من صفات المنافق الأصيلة، الضعف وعدم الثقة بالنفس، فهو ضعيف لذلك ينافق القويّ القادر ليستمد من قوته قوة ومن قدرته حظ ونصيب، وهو عديم الثقة بالنفس لذلك ينافق من يظن أنه بنفاقه سيعلو ويرتفع قدره بين الناس، لذلك حاول أن تختار مجموعة من المنافقين المعروفين وستجد تلك الشروط والصفات والأنواع لا تخرج عنهم ولا تفارقهم.

المنافق دائمًا يوجّه نفاقه لمن لا يقدر عليه ولا يقدر على الوصول إلى ما وصل إليه، فهو ينافق الحاكم ليكون من زمرته وينافق رئيسه في العمل ليرتقي فى منصبه وينافق ذوو الوجاهة والغنى ليستفيد من وجاهتهم وغناهم وينافق ذوو السلطة والقوة ليحتمي خلف سطوتهم ويتدثر بقوتهم.

كنت أود أن أعرض عليكم نماذج عديدة من النفاق عبر التاريخ وعبر الشعوب ولكن لضيق المساحة وضيق صدوركم من القراءة الطويلة فضّلت أن أختصر قدر الإمكان علّه يكون اختصار من غير إخلال. يقول محمد بن هانئ الأندلسي في مدحه للمعز لدين الله الفاطمي:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار… فاحكم فأنت الواحد القهار. وكأنما أنت النبي محمد… وكأنما أنصارك الأنصار. أنت الذي كانت تبشرنا به… في كتبها الأحبار والأخبار.

وكان الإخوان يتملقون وينافقون الملك فاروق فذهبوا واحتشدوا بميدان عابدين فى عيد جلوس الملك عام 1938 وظلّوا يهتفون (نمنحك ولاءنا على كتاب الله وسنّة رسوله) وكانت صورة فاروق على غلاف صحيفة الإخوان المسلمين عام 1942 وفي يده مسبحته وفي وجهه لحيته وكتبوا تحتها “القدوة الصالحة”.

ولا ننسى طبعًا حقبة ما بعد يوليو ولا أغاني عبدالحليم لجمال عبد الناصر والتي قال فى إحداها… وزعيمك خلاكي زعيمة. في نفاق فجّ سيطر على الحقبة كلها حتى يومنا هذا، وناصر نفسه أخذته العزة واحتله الغرور حتى أنه هتف فى الجماهير المحتشدة فى المنشية بالإسكندرية بعد محاولة اغتياله… ارفعوا رؤوسكم لو مات جمال عبد الناصر فكلكم جمال عبد الناصر، ويكمل قائلًا… أنا جمال عبد الناصر الذي علمكم العزة والحرية والكرامة.

ولا تمر علينا حقبة السادات دون أن تشتمّ أنوفنا رائحة النفاق وتعمي أعيننا أضواء المنافقين. فهذا عبد الحليم مرة أخرى يغني للسادات… عاش اللي قال للرجال عدوًا القنال.

وهذا الشيخ الشعراوي تحت قبة البرلمان وقت أن كان وزيرًا للأوقاف يقف ويعلنها صراحة أنه رفع الأمر إلى من لا يسأل عما يفعل.

وثلاثون عامًا حكم فيها مبارك كانت مليئة بمنافقين سيئي الصنعة رديئي الصناعة من عينة سمير رجب ومفيد فوزي وكرم جبر وممتاز القط وأشباه ذلك كثير. وحتى في سنة الإخوان الكبيسة وجدنا رجل أعمال شهير كان معروفًا من قبل أنه يدفع 3 مليون جنيه سنويًّا لينقل فعاليات المؤتمر السنوي للحزب الوطني أيام مبارك ولما ذهب مبارك وأتى الإخوان غير الرجل جلده كالثعابين وأعلن أن اسمه الحقيقي حسن البنا راتب وقد سماه أبوه على اسم المرشد الشهيد حسن البنا، وقام بتعيين الإرهابي صفوت عبد الغني مستشارًا قانونيًا لجامعة سيناء التي يملكها، ولما طار الإخوان وطارت دولتهم أسرع الرجل ليرتدي جلده القديم وينشر الإعلانات المدفوعة بالصحف والمجلّات يتبرأ فيها من الإخوان ويعلن تأييده لدولة يونيو الجديدة ويقوم بالمرة بطرد صفوت عبد الغني من جامعته.

والعهد الحالي لا يخلو من المنافقين الذين وجدوا ضالتهم في نفاقهم وتزلفهم لدولة يونيو، فمنهم مقدم البرامج ومنهم عضو البرلمان ومنهم الفنان والسياسي والمفكر والمذيع ومنهم رجل الدين من هنا ومن هنا بل ومنهم السلفيين الملتحين أصحاب الوجوه العابسة والجلابيب القصيرة الضيقة.

أحد هؤلاء المنافقين والذي يعمل طبيبًا ومدرسًا بجامعة الأزهر ويدّعي أنه شاعر، كتب ما يَظن أنها قصيدة بعنوان كوب شاي مع الرئيس. سأعرض عليكم بعضًا منها لتشهدوا بأنفسكم مدى ما وصلت إليه حرفة النفاق من تردٍّ وإسفاف، يقول فيها: يا أيها الرجل المرادف للوطن يا من تشرب وجهه القمحى لون النيل يسري في العروق ويرتوي من البدن. يا من تفتحت السنابل فوق جبهته العريضة حينذاك أضاءت الروح المطلة من أسارير الجبين ملامح الوجه النبيل المطمئن يا أيها الرجل الذي جاءنا من حي سيدنا الحسين. لكي يلم صفوفنا خلف الأذان وحولنا أجراس الكنائس فى بيتنا ترن. يا أيها الرمز الذي قدمت لنا (أكواد شفرته) مع أصلاب أجداد عظام مثل أحمس وتحتمس. القصيدة المزعومة طويلة جدًا اكتفيت بما قدمت منها لتحكموا بأنفسكم على الشاعر العظيم وعلى القصيدة العصماء.

يقول شارلي شابلن:

لا تبالغ في المجاملة حتى لا تسقط في بئر النفاق، ولا تبالغ في الصراحة حتى لا تسقط في وحل الوقاحة.

واختم كلامي الذي طال بنموذج شعبيّ للنفاق ولكنه خفيف الظل، حيث يقول: يا مجدع يا عترة يا فتوة الحتة، عليك شخطة ترعب الأسد وتلبش الجتة، ساعًة تقول آه تجري قدامك كل الحتة، أصيل وابن أصول ونظرك ستة على ستة.

فريق الإعداد

إعداد: محمد محمود

تدقيق لغوي: أميرة قطيش

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...