تأخذك إلى أعماق الفكر

الموت: عبءٌ يُلقى أم عبءٌ يُزاح؟

فلنواجه الأمر على حقيقته؛ لن يغير مَوتُكَ شيئًا ملموسًا في المحيط الذي شغلته قبل موتك. لن يختلَّ توازن الكون، ولن تثور براكين العالم حزنًا على فراقك، ولن تجف مياه الكوكب إثر بكائه على فقدانك. ستغيبُ كَريشةٍ ذهبت أدراج الرياح أو كذرةِ رملٍ غاصت في أعماق الأرض ولم يعد لها أثر فوقه.

للموت ازدواجية تنهش العقول التي لا يغادرها السُهاد؛ فهل يُعتَبَرُ الموت خلاصًا من سوداوية الأفكار التي ترفض مغادرة عقلك المُرهَق؟ أيُعدُ الموتُ مخرج طوارئ يذهب بك إلى حياة أكثر سكينةً وطمأنينة؟ هل سيغدو أقاربك وأصدقائك أكثر سعادةً بعد موتك كونهم قد تخلصوا من كيانٍ يتوجب عليهم رعايته رغم إرادتهم؟ هل ستتحرر ممتلكاتك من طغاينك وينتهي بها المطاف مُلقاةً في مخزن ما أو على قارعة طريق تنتظر مالكها القادم بعد طول انتظار؟ هل ستتخلص الكتب التي اشتريتَها منذ زمن غابر من عذاب الانتظار؛ عذاب انتظارها الطويل لتختار إحداها لقراءته؟

وفي كفَّة الميزان الأخرى تجد أن الموت يُلقِي بعبء ٍ ثقيلٍ كثِقلِ الجبال على الأرواح التي اكترثت لوجودك في حياتها. فهل ستتمكن أمك من مواصلة حياتها وهي تشعر بأنها فقدت قطعةً من روحها؟ هل سيتستمر والدك بكونه ذاك الجبل الذي لا تهزه الريح العاصفة؟ أم سيغدو كنخلةٍ تميل حزينةً مع كل نسمة هواء تداعِبُ أوراقها؟ هل سيتمسك ذاك الذي أردى بمشاعرك برأيه العنيد ويواصل تجنب مواجهة نفسه والاعتراف بخطئه؟ هل سيشعر من ظَلمَك بثقل ظُلمِهِ لك ويندم على ذلك؟ هل سيواصل ذاك الذي أغلق الأبوابَ في وجهك العيشَ في حياةٍ ينهش فيها الندمُ قلبَهُ؟ هل ستتحطم الروابط التي جمعت من حولك مع بعضهم البعض خوفًا من تذكر الميت الذي جمعهم؟ هل ستنتحب آمالك وتطلعاتك لفقدان مبتكِرِها؟

تساؤلاتٌ كثيرةٌ تنتشر كانتشار النار في الهشيم وتجعل من الموت مفهومًا معقدًا لا يقوى على فكِّ رموزه إلا من مات وأخذ يراقب حياة الناس من بعده. ستتحول من “فلان الذي درس التخصص الفلاني وعمل في المنصب الفلاني” إلى “المرحومِ الذي يتلاشى وجوده رويدًا رويدًا من أحاديث العائلة والأصدقاء”؛ ستغدو الصديق الميت لصديقك والابن المرحوم لوالديك.
هذه الازدواجية التي تلتصق بالموت هي ما يجعل منه هدفًا صعب المنال لليائس الخائف وفي ذات الوقت تجعل منه مخرجَ الطوارئ للمكتئب الذي فقد أمله في الحياة. فأنتَ عند موتك -سواء أحصل ذلك بإرادتك أم رغمًا عن إرادتك- تُبرهِن أنانيةً مُطلقةً وإيثارًا لا مثيل له؛ وذلك لأن موتك سُيُزيح عبئًا ثقيلًا عن عاتق البعض، وسيُلقى في ذات الوقت عبئًا أثقل على البعض الآخر.

ولا تنسى أن الموت لا يقتصر على توقف النبض فحسب، بل قد يستمر القلب بضخ الدم رغم كون صاحبه ميتًا يخدع من حوله بأنه لا يزال على قيد الحياة.

إعلان

أما السؤال النهائي والأكثر أهمية فهو كالتالي:

هل أنت أنانيٌّ لأن الرغبة بالموت تنهش عقلك وتجعل منك ميتًا يهيم تائهًا في حياةٍ ينتظر فيها اعتراف من حوله بموته ليدفنوا بقاياه التي اشتهت الأرضُ التهامها منذ الأزل؟

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: راما ياسين المقوسي

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.