المشاكل الزوجية: بين الاستشارات المدمرة والتحريض على الاضطهاد

كثيرًا ما يلفت انتباهي المنشورات التي تتكرر في المجموعات النسائية، لزوجة تكتب مشكلتها وتطلب مشورة الأعضاء، والردود المتطرفة بين: اطلبي الطلاق واتركي له الأطفال، وبين اصبري على حياتك رغم الخلافات والمشاكل، ويستمر هذا الوابل المنهمر من النصائح المستهترة دون أدنى احترام لقدسية الزواج أو التفكير العقلاني بالعواقب الناتجة عن تقديم نصيحة خاطئة إلى شخص حياته على حافة الانهيار.

الزواج علاقة معقدة، بين شخصين بخلفيات وعقليات مختلفة، بالإضافة إلى الاختلاف السيكولوجي الطبيعي الموجود أساسًا بين الجنسين، ويطلب منهم أن يتعايشوا تحت سقف واحد، في علاقة لصيقة تعتبر من أكثر العلاقات الإنسانية خصوصية. فالنتيجة هي أن يكون وقوع الخلاف واردًا بل ومتوقعًا.

أهم العوامل المسببة للخلافات بين الزوجين

  • عدم الفهم الجيّد لاحتياجات الطرف الآخر النفسية، والعاطفية، والفكرية، والجسدية.
  • عدم التكافؤ بين الطرفين ووجود فجوات تعليمية، وثقافية، ومادية.
  • الدخول إلى العلاقة الزوجية بسقف توقعات مرتفع، والرغبة  في العيش بحالة مستمرة من الرومانسية الحالمة، فسرعان  ما تصطدم بواقع الحياة، ومطالبها وتعقيداتها اليومية.
  • التعلق الزائد عن الحد من أحد الطرفين بالآخر؛ ما يجعله يضيق الخناق على الطرف الآخر، فيتحول الزواج إلى حصار، والبيت إلى زنزانة.
  • الغيرة الزائدة، والتجسس، والمتابعة، والشك المرضي، وسوء الظن بالآخر.
  • الأنانية، وتقديم كل طرف لأهدافه وأحلامه الشخصية على الآخر، دون فهم لقوانين الحياة المشتركة، والمصير المشترك.
  • الندية، والعناد، ونقص المرونة من أحد الأطراف، ورغبته في التحكم، والسيطرة على الآخر.
  • عدم القدرة على إدارة الضغوط المادية، والاجتماعية؛ التي تسبب التوتر للزوجين.
  • غياب التواصل والحميمية، وعدم القدرة على إدارة حوارات مثمرة، بالإضافة إلى الجهل بفنون إدارة الأزمات.
  • التنصل من مسؤولية الخلاف وتبعاته، والسماح للأهل بالتدخل، وتقبل النصائح حتى الساذج منها من الأصدقاء والمقربين.
  • عدم اتزان العلاقة، ورغبة أحد الطرفين باستغلال الآخر أو  استنزافه عاطفيًا أو ماديًا.
  • المقارنة المستمرة من أحد الطرفين، حيث يقارن شريكه  بآخر، وحياته بحياة الأقارب والأصدقاء أو حتى المشاهير.

خيارات التعامل مع الخلاف الزوجي

الخيار الأمثل لحل المشاكل الزوجية هو أن تحل بين الزوجين بمعزل عن تدخل الأهل وذلك لعدة أسباب:  

  • أولا: حل المشاكل الزوجية يساهم في تقوية الروابط بين الزوجين، وإزالة الحواجز النفسية، وتعميق الفهم  بين الطرفين؛ مما  يؤدي إلى تطوير العلاقة ونقلها إلى مرحلة جديدة.  
  • ثانيا: الانفراد بحل مشاكلك الزوجية، مما يعزز الثقة  في النفس، ويراكم الخبرات، ويساهم في النضوج  الفكري والعاطفي للزوجين، كما يسمح لهما بعيش  تجربتهم الخاصة، ويجنبهم استنساخ تجارب الآخرين. 
  • ثالثا: تدخل الأهل يضيف للمشكلة أبعادًا جديدة؛بسبب المؤثرات والضغوطات الخارجية، بالإضافة إلى تعكير صفاء العلاقة بين الشريك و الأهل، وبذلك قد تستمر الخلافات لفترة طويلة أو تتسبب في خلافات جديدة. 

موجهات عامة تعين الزوجين على  التعامل مع المشاكل الزوجية

 ليس من الضروري أن تحل المشكلة لحظيًا، في بعض الأحيان يكون من الأفضل تأجيل النقاش، وطرحه في الوقت المناسب، بعد أن تعود لحالة التوازن وتتخلص من المشاعر السلبية الناتجة عن الموقف الخلافي، مع  الانتباه إلى أن  استمرار التأجيل لفترة طويلة قد يراكم الخلافات وقد يؤدي  إلى انفجار عاطفي مفاجئ.

ومن الأفضل أن تبدأ النقاش بمقدمات؛ لأن البدء بالهجوم  المباشر يضع الشريك في موقف دفاعي، مما يقلل انفتاحه، و تقبله للنقاش لذلك عليك بدايةً أن تقدم تقديرك، وامتنانك للشريك على مواقفه الإيجابية السابقة؛ لتلطيف الأجواء. 

إعلان

ولا بد من الالتزام بآداب الحوار، وأن تفصل بين الفعل  والفاعل، أي أن تنتقد السلوك الذي ترفضه من غير  شخصنة أو اتهامات مباشرة.  

التزم بالموضوعية في النقاش، واحذر من التعميم أو اجترار  أي مواقف أو مشاكل تم حسمها في السابق؛ لأنها ستضيف  تعقيدًا إضافيًا للمشكلة. 

وضح مطالبك واعتراضاتك بصورة دقيقة، وحاول شرح توقعاتك للتصرف المقبول بالنسبة إليك، فيما لو تكرر الموقف مرة أخرى.  

توقف عن الانحياز لنفسك، وقدم المصلحة العليا للأسرة  وأيقن أن النقاش المثمر لابد من أن تكون فيه درجة من التنازل والمفاوضة.

عجزنا عن حل المشكلة هل يمكن أن يلجأ الزوج إلى الإخوة والأصدقاء وتنشر الزوجة مشكلتها على مجموعات  في مواقع التواصل الاجتماعي؟

بعض المتمسكين بالصورة النمطية للرجولة سوف يقتصر دورهم بالتحريض على اضطهاد الزوجة، وبسط النفوذ وفرض السيطرة عليها بالقوة، تبعًا للموروث الثقافي الذي  يربط الرجولة بصورة (سي السيد) صاحب الصوت العالي الذي يتسلط على المرأة، ويكابر رغم أخطائه، فيرفض الاعتراف بالخطأ أو الاعتذار، ويعتبر ذلك انتقاصًا من رجولته. 

هل يا ترى لم يحن الوقت لننفض هذه الموروثات البالية، والأنماط الهدامة في التفكير عن وعينا الجمعي ونعرض موروثاتنا على الدين؟ إذا كان سيد الخلق أجمعين ربط الأفضلية والخيرية بالإحسان إلى أهل بيتك (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي).

وعلى الجهة الأخرى أود أن أطلب من كل سيدة تعرض  مشاكلها الزوجية على مجموعات غير متخصصة أن تراجع مصفوفة قيمها، هل قيمة الأسرة متدنية لدرجة السماح لأي شخص أن يفتي في حياتك بغض النظر عن نواياه؟ هل الهدف هو جذب الانتباه وكسب الاهتمام والتعاطف؟ أو لتجريم الشريك، والانتقام منه، والانتصار لكرامتك؟

أما في حال كان هدفك هو طلب الرأي والمشورة، فاسمحي لي بصفتي متخصصًا أن أخبرك بأن سيدات المجموعة غير  مؤهلات لذلك، لسببين: 

  • أولا: في المجموعة تطرح المشكلة الزوجية من وجهة نظرك فقط، وسيدات المجموعة لا يملكن أية معلومات عن حياتك، وظروفك، ومشاكلك السابقة، ودورك في المشكلة ونسبة تحملك للخطأ! إذن هناك نقص في المعلومات وتوفر القدر الكافي من المعلومات هو أول أبجديات تقديم المشورة.  
  • ثانيا: لابد أن نفهم أن سمات الشخصية والتجارب الحياتية تخلق نوعًا من الفلاتر العقلية التي نستقبل بها المدخلات ونحكم من خلالها. 

فمثلا السيدة التي تطلب من صاحبة الاستشارة الصبر، والاستمرار في الزواج، قد تكون شخصية انهزامية تعيش واقعًا مزريًا أو قد تكون من الأشخاص المتلذذين بالعيش في عباءة الضحية.

 وبالمقابل السيدة التي تنصح بالطلاق قد تكون مرت بتجربة صعبة (أب قاسي، زواج فاشل، حادثة تحرش)، وهي تستغل ألمك بشكل لا واعي؛ لتنفس عن غضبها على الجنس الآخر بأكمله.

بالرجوع إلى خلافاتنا التي استعصى علينا حلها

الحل الأمثل هو أن نطلب المساعدة من شخص متخصص ولكن لو لم نستطع لأي سبب كان، يجب أن نطلب النصيحة من شخص يمتلك معاييرًا محددة ومنها:

  • أولا: أن يكون  الشخص قادرًا على الاطلاع على المعلومات بصورة جيدة، وقادرًا على أن يتبنى منظورًا شموليًا للمشكلة، ويبحث فيه من كل الزوايا.
  • ثانيا: يمتلك القدرة على الانفصال عن تجربته الحياتية، وضبط انفعالاته العقلية، فيلتزم بالموضوعية في حكمه.
  • ثالثا: أن يكون شخصا متزنًا قادرًا على تحييد مشاعره والوقوف على مسافة واحدة من الزوجين، لذلك من الأفضل أن يكون بخلاف الوالدين؛ لأن عاطفتهما تجاه الأبناء تخلق درجة من الانحياز في التفكير وتحجب الصورة الكاملة، مما يمنع الوصول إلى حكم محايد.
  • رابعا: أن يكون شخصاً محل ثقة وحافظاً للسر وصاحب حكمة وخبرة حياتية، تجعل آراءه تلقى القبول والتقدير من الطرفين.

نصيحة أخيرة

حياتك مسؤوليتك، فاحرص عليها، طور في نفسك التوجيه الذاتي، وتعلم مهارات التواصل، وآليات اتخاذ القرار؛ لأنها مهارات مكتسبة وسهلة التعلم، وسيكون لها أثرًا كبيرًا في رفع كفاءتك في مواجهة المشاكل الزوجية والحياتية عمومًا.

اقرأ أيضًا: العنف الزوجي ضد المرأة: لماذا نتقبل الإساءة؟

إعلان

اترك تعليقا