تأخذك إلى أعماق الفكر

الله الواحد الكثير(2-2): أَمْوَاجُ الألوهة في العَالَم

تناولنا في المقال السابق فكرةَ كثرتِه تعالى في مخلوقاته، وتجلِّيه في العالم على صور عديدة، وأشكال شتَّى، وهيئات مُخْتَلِفَة. وفي هذا المقال نتناولُ بالشَّرح فكرة كثرتِه سبحانه في الأفهام والعقول. هذا هو المقال الثاني إذن، وسميتُه أمواج الألوهة في العالَم، وأعرض فيه رأي القائلين بوَحْدَة الأديانِ في ذاتها وإنِ اختلفت في ظواهرها وخوارجها، وأنَّ الشرائع وإن تخالَفَتْ فإنَّ التجارب الدينية لا يمكن أن تختلف في باطنها وجوهرها.

العين واحدة والحكم مختلف

يقول ابنُ عربي:

فالعينُ واحدةٌ، والحُكْمُ مختلف، .:. وذاكَ سِرٌّ لأهلِ العِلْمِ يَنْكَشِفُ

يرى أصحاب هذا القولِ أنَّ الأديان تتخالف في العبادات والأسماء والطقوس والميثولوجيا، التي تُعَدُّ بمثابة القشور التي من ورائها تَتَّحِدُ في الجوهر الداخلي من حيث أنَّها توجُّه نحو الذات الإلهية؛ فإذا اعتبرنا الله نهرا جاريا، فإنَّ الدين هو الإناء الذي احتوى بعضَ هذا الماء الجاري، ولا شكَّ أنَّ الماء داخل الإناء يتشكَّل حسب صورة الإناء الذي اشتملَ عليه، ويختلف باختلافه كذلك. ولعل هذا معنى قول ابن عربي بوَحدة العين مع اختلاف الحُكم؛ فهو يُطلِق على الله اسمَ العين، وهذه العين لا تنفكُّ تَتَعَيَّنُ في الموجودات في عمليَّة إعلان ذاتها. ومن صُورِ تَعيُّناتها أنها تظهر وتُعلِن عن نفسها في الأديان العالميَّة المُتَعَدِّدة التي ينبغي أنْ تتكامل، لا أنْ تتشاكَس. ولنأخذِ الآن في بيان معنى ظهوره في العالَم وعلاقة هذا بتنوُّع الأديان والمذاهب، واختلاف العقائد والمشارب المُطَوِّفَة جميعها حول الكعبة الإلهيَّة.

ظهوره في العالَم

   (أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا). (الفُرْقان: 45)

يقول الألوسي في معرِض تفسيره الآية السابقة: “قيل: ألم ترَ كيف مدَّ ظِلَّ عالَمِ الأجسام، وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً في كَتْمِ العَدَم؟! ثم جعلْنا شمسَ عالَمِ الأرواحِ على وجودِ ذلك الظِّلِّ دليلا؛ بأنْ كانتْ مُحَرِّكَةً لها إلى غايتِها المخلوقَةِ هي لأجلها؛ فعُرِفَ من ذلك أنَّه لولا الأرواح لم تُخْلَقِ الأجسادُ”. وهذا تأويلُ ابنِ عربي أيضا؛ إذ يقول: “( أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ)… اعلم أنَّ ماهياتِ الأشياء وحقائقَ الأعيانِ هي ظِلُّ الحَقِّ…؛ فَمَدُّهَا إظهارُها باسمِه النُّور. (وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا)؛ أي: ثابتا في العدم الذي هو خِزَانَةُ وُجودِه”. يقول ابن عربي: “فما يُعْلَمُ من العالم إلا قدر ما يُعْلَمُ من الظِّلال، ويُجْهَل من الحقِّ على قَدْرِ ما يُجْهَلُ من الشَّخْصِ الذي كان عنه ذلك الظِّلِّ”، يشرح القاشانيُّ هذا الكلام؛ فيقول أنَّه لا يُعلَم من حقيقة العالَم إلا قدر ما ظَهَرَ عنها في نور الوجود من آثارها وأشكالها وصُوَرِها وهيئاتِها وخصوصيَّاتها الظَّاهرة بالوجود، وما هي إلا ظلالها لا أعيانها وحقائقُها الثَّابتة في عالَم الغيب.

يُناجِي أبو حيَّان التوحيدي ربه في مقابساته قائلا: “اللهم طهِّر قلوبَنا من ضروب الفساد، وحبِّب إلى أنفسنا طرائقَ الرَّشاد، وكُنْ لنا دليلا، وبنجاتِنا كفيلا، بمَنِّكَ وَجُوْدِكَ اللذين ما خَلا منهما شيء من خَلْقِكَ العلويِّ والسفلي، يا من الكُلُّ به واحد، وهو في الكُلِّ موجود”.

اعتمادا على تلك الرُّؤية الصوفية لله والعالَم؛ يقرٍِّر ابنُ عربي نسبيَّة المعرفة الإلهيَّة؛ فيقول: “فإنَّ الحقَّ معلوم لنا من وَجْه، مجهول لنا من وجْه”، ويُعَقِّب القاشاني: “أي نعلمه مُجْمَلًا من جهة الظُّهُور في المقيَّدات، لا من جهة الإطلاق واللاتناهي في التَّجَلِّيات”؛ فالله على هذا يُدرَك إدراكا مقيَّدا ما دام المُدرِكُ محصورًا بالأشكال والصُّوَر الظاهرة في المقيَّدات، ولا يقاربُ الحقَّ والحقيقةَ إلا إذا حاول إدراكَ اللهِ في ذاتِه بعيدا عن مظاهره في موجوداته؛ ذلك لأنَّ صلة الله بالعالَم لا تزيد عن كونها صلة ذاته بأسمائه؛ فوجود الأعيان كوجود معقولاتها، هو وجودُ هذه الأسماء بأعيانها في العالَم،  وفي الإنسانِ بصورة خاصة. والآن، ماذا نعني بالذَّات؛ بتلك الروح التي تسري العالَم وتظهر فيه وتُعلِن عن نفسِها من خلاله؟ فلنحاولْ مُقاربَة حقيقتِها.

حقيقة الروح

يقول سوامي فيفيكاناندا “Swami Vivekananda”:

إنَّ الكونَ الباطِنَ؛ الحقَّ، أعظم بكثير من هذا العالم المنظور.

انتهي مقالُنا السابق بقَبس من نار ابن عربي لا تضيء الطريق لنا فحسب، ولكنها تذهلُنا أمام تشعُّب الموضوع وتَشَظِّيه؛ فالأمر مُعَقَّد ومُلْغَز. يقول:”وتَنَوَّعتِ المشاربُ، واختلفتِ المذاهبُ، وتميَّزَتِ المِراتِبُ، وظهرتِ الأسماءُ الإلهيَّةُ والآثارُ الكونيَّةُ، وكثرتِ الأسماءُ والآلهةُ في العالَم”، ماذا يريد أن يقول هنا؟ أفهم أنَّه يريد أنْ يقول أنَّ الأسماءَ الإلهية عندما تتكشَّف في العالَم في صورة الآثار الكونيَّة المنظورَة، فإنَّ الآلهة تظهر في العالَم بظهور الذَّات على صور مُتَعَدِّدة. وإذا عبَّرنا عن الذَّات بالرُّوح التي تسعى نحوَ التحقُّق والتعيُّن والظُّهور؛ فلنا أن نسأل عن كُنه هذه الروح وطبيعتها ما هي؟ إنها ذاتُ طبيعة مُتحَرِّرة.

إعلان

وإنْ كانتْ طبيعةُ المادَّة هي الثِّقَل، فإنَّ طبيعة الرُّوح على العكس من ذلك. طبيعتُها أنَّها حُرَّة ليس لها مركز ترجع إليه وتستقِرُّ فيه، وكل صفاتها لا تظهر إلا في حريتها، أما المادَّة فلأنها ثقيلة فهي لا تستطيع أن توجد إلا عن طريق الميل نحو المركز، وكما أنَّ المادة تعتمد في وجودها على شيء خارجي، فإنَّ الروح لا تعتمد في وجودها إلا على ذاتها؛ فاستقلالها عينُ ذاتِها. والروح لا انقسام فيها؛ فهي لا تَتَثنَّى بين عارف ومعروف، وذات وموضوع؛ لأنها الذات والموضوع معا، والعارف والمعروف كلاهما. وليس تاريخُ العالَم إلا محاولات ظهورها فيه؛ هذا مسار الروح من أجل الوصول إلى مرحلة تَعِي فيه ذاتَها، وتتكشَّف مستحوذةً على العالَم في محاولة منها التعرُّف عليه على أنَّه مِلْك لها. والسؤال الآن: ما علاقة هذا التكشُّف والظهور بتعدُّد الأديان الإلهية والمذاهب الدينيَّة؟

ظهورُه في الأديان

يقول الربَّانيُّ: الدَّاءُ مشاركةُ اللهِ في الجَبَرُوت، والدَّواء: توحيده حقًّا.

تناولنا في المقال السابق معنى التَّوحيد عند المتصوِّفَة، وأنَّ من معانيه عندهم أنَّه ما ثم في الوجود إلا الله، وأنَّه ما من معبود في الحقيقة إلا هو، وإن تعدَّدَتِ الطقوسُ، وتخالفتْ صور العبادة وأشكال التقديس والتَّوَجُّه إليه؛ فالتَّوحيد لا لسان له، والألسنة كلُّها لسانه. ينتقد ابنُ تيميَّة هذه الرؤية التَّوحيديَّة فيقول: “إِنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ لِسَانَ الشِّرْكِ لَا يَكُونُ لَهُ لِسَانُ التَّوْحِيدِ”. يقول الرُّومي: “وانظر إلى لا إله إلا الله، فمن وقف عند لا؛ فقد أنكر، ومن وقف عند إلا؛ فقد أثبت التَّوحيد، وظفر بالبقاء والخلود، أما ذلك الذي يقول: أنا وأنتَ؛ فهو واقف على الباب مردود عن الدخول، محروم من العَطاء”.

إنَّ الذات/الروح في محاولات ظهورها في العالَم تظهر وتَتَجَلَّى في صور متعدِّدة، والسَّاعِي تُجاهها يدركها في صورة من هذه الصور الظاهرة، أو في شَكل من أشكالها  المُتَجلِّيَة. يعبِّر القاشانيُّ عن هذا المعنى بلغة صريحة فيقول: “إنَّ الحقَّ المُتَجَلِّي في صورة المُعْتَقَدات يسعُ الكُلَّ ويقبلُها جميعًا؛ فإذا تَقَيَّدْتَ بصورةٍ مخصوصَة؛ فقد كَفَرتَ بما سواه، وهو الحقُّ المُتَجَلِّي بتلك الصُّورة؛ إذ لا شيء غيره، فإذا أنكرتَه فقد جهلتَه وأسأتَ الأدب معه وأنتَ لا تدري”. ومن أجل هذا المعنى كان قلبُ الصوفي وحده هو القادر على إدراك تنوُّع الحقيقة في الصور المختلفة مع ثباتها في عينها ووحدتها الذاتية؛ فالصوفيُّ يؤمن بكل العقائد، ويرى نسبتها من الحقيقة المطلقة، وذلك لأنَّ معتقدَه فوق كل الاعتقادات ويسعها جميعا. يشرح ابنُ عربي هذا المعنى فيقول: “الحقُّ وإنْ كان واحدا، فالاعتقادات تُنَوِّعُه وتُفَرِّقُه، وتجمعه وتُصَوِّرُه وتَصْنَعُه، وهو في نفسِه لا يتبدَّل، وفي عَيْنِه لا يَتَحَوَّل”، فابن عربي لا ينكر أنَّ الحقَّ واحد لا يتعدَّد، ولكنه ينكرُ حصرَه في صورة واحدة بعينها لا يتعداها إلى غيرها، ومعنى إدراك الحقيقة الإلهية عنده أنْ تحتارَ فيها! لا أنْ تقيدَها وتحصرَها في صورة واحدة لا تتعدَّى إلى غيرها.

يُصوِّرُ ابنُ تيميَّة مذهب القائلين بوحدة الأديان ويُشَنِّع عليهم في الوقت نفسِه؛ فيقول: “حقيقة مذهبهم أنَّ الحقائق تتبع العقائد؛ فَكُلُّ مَنْ قَالَ شَيْئًا أَوْ اعْتَقَدَهُ؛ فَهُوَ حَقٌّ فِي نَفْسِ هَذَا الْقَائِلِ الْمُعْتَقِدِ؛ وَلِذَا يَجْعَلُونَ الْكَذِبَ حَقًّا وَيَقُولُونَ: الْعَارِفُ لَا يَكْذِبُ أَحَدًا؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ هُوَ أَيْضًا أَمْرٌ مَوْجُودٌ، وَهُوَ حَقٌّ فِي نَفْسِ الْكَاذِبِ؛ فَإِنِ اعْتَقَدَهُ كَانَ حَقًّا فِي اعْتِقَادِهِ وَكَلَامِهِ… وَلِهَذَا يَأْمُرُ الْمُحَقِّقُ أَنْ تُعْتَقَدَ كُلُّ مَا يَعْتَقِدُهُ الْخَلَائِقُ”. وفي هذا المعنى يقول ابنُ عربي: عَقَدَ الخلائقُ فى الإله عقائدا .:. وأنا شهِدْتُ جميعَ ما عقدوه. ولأنَّ الله لا بد أن يُعْرَف في شكل من الأشكال أو صورة من الصور كانتِ الأديان والمذاهب؛ وبلغة ابن عربي: “فلا بدَّ أن يعرفُوه إما كشْفًا، أو عقلًا، أو تقليدًا لصاحب كَشْفٍ أو عَقْل”.

جوهر الديانات

عباراتُنَا شَتَّى وحُسْنُكَ وَاحِدٌ .:. وكُلٌّ إلى ذاكَ الجمالِ يُشِيرُ

يرى القائلون بالوَحدة أنَّ كلَّ عابد ما عبد إلا الإله القائم في عقله وهواه، والعارف المُكَمَّل هو من رأى كلَّ معبود مجْلًى للحق؛ فالحقُّ هو المعبود مطلقا، جمعا وفرقا، فلا معبود في الحقيقة إلا الله الحق. ينتقدُ البقاعي هذه الرؤية؛ فيقول أنَّ الهوى هو رب الصوفيَّة الأعظم، ويحطُّ عليهم قائلا أنَّ كل معبود إله وإنِ اختلف اسمُه الخاصُّ بحجر أو شجر أو حيوان أو إنسان أو ملك أو كوكب. لعلَّ هذا يأخذنا أخذًا إلى سؤال بعينه؛ ما هو جوهر الديانات وأصلها، وهل يمكن أنْ نردَّها جميعها إلى أصل ومركز؟ يحاول الجيلي الإجابة عن هذا السؤال.

موج في مُحِيط

يقول يوسف زيدان: “يرتفع الصوفيُّ بحسٍّه المُرهَف فوق المظاهر الفانية للأشكال، وتغوص بصيرتُه في قلبِ الأشياء؛ لتشهد باطنَها المُحْتَجِبَ وراء الشكل الظاهر، ويشعر الصُّوفيُّ أنَّ العالم المُتناهِي قد امتدَّ أمام عينِ قلبِه، وَغَدَا مَرْئِيًّا على نحو لا مثيل له من الوضوح”.

يرى عبد الكريم الجيلي أنَّ الديانات المختلفة المُتَخَالِفة جوهرُها الأصليُّ يتعلَّق بالله، وأنَّ أفعالَ أصحابِها شكل من أشكال تسبيح البشر للإله، على اعتبار أن كلَّ شيء في الوجود يسبح لله، ولكنَّ عقولنا ذهلتْ عن تسبيحهم لوقوعها على ظاهر هذا التسبيح، وليس على حقيقتِه البعيدة. فالجيلي يرى أنَّ عقولنا لا تفهم توجُّه أصحاب الديانات المختلفة نحو الإله الواحد، لأننا ننظر إلى أشكال العبادة لا إلى جوهر هذه العبادة المُتَوَجِّهة إلى الله تعالى.

فإذا نظرنا مثلا إلى الديانات غير السماوية وتعدُّدها، وأمعنَّا النظر في حقيقتها وأحوال أهلها، وجدناهم يعبدون الله تعالى على الحقيقة؛ لأنَّ الله ما خلق الخلق جميعهم إلا من أجل العبادة، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، (الذارايات: 56)، يفهم الجيلي هذه الآية على أنَّه لا يوجد مخلوق إلا وهو يعبد الله؛ فكل إنس عنده وجان، بل كل ما في الوجود عابد لله بالضرورة، ولكن تعدَّدَتْ أشكالُ العبادة حتى تظهر حقائقُ الأسماء والصفات الإلهيَّة، فيكون الله متجلِّيًا على جميع خلقِه. فعبدَة الأوثان إنما عبدوا الله في الوثَن الذي له يسجدون، وإن ظنُّوا بأنَّ الوثن هو الإله، فإنَّ ظنهم هذا لا يغير من حقيقة أنَّ الله تعالى موجود في كل ذرة من ذرات الموجودات، وأنه سبحانه ظاهر في كل الأشياء، ومُتَجَلٍّ على كل الجهات.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: عبد العاطي طلبة

الصورة: نهى محمود

تعليقات
جاري التحميل...