تأخذك إلى أعماق الفكر

الحب مُحَرِّكًا للوجود

رغم أنَّ معانيَ الحب دقَّت لجلالتها عن أن توصف، ولا تُدْرَكُ حقيقتُها إلا بالمعاناة كما يعبِّر ابن حزم، إلا أنني سأجنحُ إلى شيء من التبسيط وأقول أنني لا أعني بلفظة الحب هنا إلا مجرد الميل نحو الشيء والتعلُّق به. إنني أعني بالحب هنا تلك الرغبة الجامحة التي تدفع نحو تحقيق شيء أو الحصول عليه. ولن أتناول مفهوم الحب في هذا المقال تناولًا ينحصر في العلاقات الإنسانية فحسب -وإن كانت مندرجة في أصل قولي-، ولكني سأحاول معالجتَه هنا كمُحَرِّك للوجود كله ومُحْدِث له، وعندما أقول الوجود، فإنني أعني الوجود كله بقَضِّه وقضِيضِه، المرئِيّ منه وغير المرئي، ظاهره وباطنه! ولكن، ما الذي أعنيه بالميل أيضا؟ إنَّ الميل تُجاه شيء يعني تعلُّق الإرادة به، يعني ذلك الانفعال الذي يقارب بين الأشياء.

على سبيل المثال، ما الذي يعنيه أن تكون خائفًا؟ معنى ذلك أنك مُتعلِّق بالنجاة ومائل نحوها، معنى هذا أنك محب للحياة وتريد الاستمرار فيها وترغب في ذلك، أو أنك ترغب في السلامة ولا تريد الأذى. إنك إنْ فررتَ، فإن تصرُّفك يمكن تسميتُه حبَّ النجاة، وهكذا كل شعور أو سلوك آخر يمكن ردُّه ردًّا إلى مفهوم الحب بهذا المعنى؛ فالبُغْض مثلًا لا يعني الإحجام، ولكنه يعني حبَّ النَّأي، وهكذا، وهذا معنى قول ابن عربي: «وانْدَرَج في الخوف حبُّ النَّجاة، فلولا الحب ما صحَّتْ حركة من الخائف».

الحب كاتصال

أعرف حجمَ ادِّعائي، وأعرف أني قد أجانب الصَّواب، ولكن لماذا كانتْ تلك الفكرة تطاردني؟ أليس الوجودُ كلُّه نوعا من الاتِّصال؟ أليس الفساد ليس إلا نوعَ انفصال؟ يقول ابن حزم في معرض كلامه عن ماهية الحب أنه اتِّصال بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة. وما أذهب إليه أنه اتصال، اتصال فحسب! يقول ابنُ عربي: «اعلَم أنه لولا المحبَّة ما صحَّ طلبُ شيء أبدا؛ فالمحبة أصل في باب وجود الأعيان»، ويرى أفلاطون Plato أنَّ الحب وجود ناقص ووسط متحرك من الحرمان إلى الوجود الذي لا يفنى.

يقول وِل ديورانت Will Durant أنَّ حياة الفرد تدور بالتَّبادُل بين الجوع والحب وإذا نظرنا إلى الجوع على أنَّه نوع من الحب ما دام ليس إلا حب الشِّبَع والامتلاء، أو أنَّه نوع من حب الحياة والاستمرار فيها، فإننا يمكننا حينئذ أن نقول أنَّ حياة الفرد تدور حول الحب فقط. كذلك الحياة في مجموعها تدور على التَّغذِّي والتَّناسُل باعتبارهما المركزين الكبيرين في فلك الحياة، ولنا كلام في التناسل أو الولادة كمفهوم يعم الوجود كله يأتي في محله.

عرفنا أنَّ الحب اتصال بين عناصر، واجتماع بين أجزاء، وهو نوع من الوجود الناقص والحركة، حركة الأشياء تجاه بعضها البعض، فإما أن تتنافر فيكون فساد أو أنْ لا تُحْدِثَ شيئا أصلا، وإما أن تتجاذب وتتفاعل على نحو كيميائي فيكون كَوْنٌ ما؛ حسِّيٌّ أو معنويٌّ.

إعلان

عُنِيَ الفلاسفة الأيونيون Ionians  بالبحث عن أصل الأشياء وردِّها إلى مادَّة واحدة، فرأى طاليس Thales أنَّ الماء هو المبدأ الكائن خلف كثرة الموجودات، وأطلق أناكزيماندر Anaximander على هذا المبدأ اسمَ الأبيرون كمبدأ لا نهائي وغير محدد، ثم جاء أناكزيمينيز Anaximenes فاستقرَّ على أنَّه الهواء ومن بعدهم جاء إمبدوكليز Empedocles ولكنه لم يحاول ردَّ الأشياء إلى مادة أولى كما فعل الأيونيون Ionians ، ولم يوازن بين العناصر الأربعة ليختار أحدها ويفضله على العناصر الأخرى، بل رأى أنَّ الأشياء وكيفيَّاتها تحدث بانضمام العناصر الأربعة (الماء والنار والهواء والتراب) وانفصالها بمقادير مختلفة، وأنَّ العناصر تجتمع وتفترق بفعل قوتين كبيرتين يسميهما المحبة والكراهية. يوافق إمبدوكليز Empedocles على فكرة دوام ما هو موجود، وعلى استمرار تفاعل ما، وأنَّ الكون والفساد في حقيقتهما ليسا إلا جذبا وتنافرًا بين هذه العناصر الأربعة.

ومبدأ الجذب (المحبة) يعني إمكانية اتحاد العناصر وائتلافها، والأتَمُّ شوقًا أتمُّ انجذابًا كما يقول السُّهروردي. أما مبدأ التنافر (الكراهية) فيرمز إلى إمكانية تفرق العناصر وفساد الأشياء. وهكذا يسير الوجود منذ الأزل في علاقة من الجدل بين العناصر المُكَوِّنَة للعالم، وليستِ الكراهية عند إمبدوكليز Empedocles إلا حب الافتراق؛ فالحب أصل الوجود وسببه ومبدأ العالَم ومُمِدُّه كما يقول ابن عربي.

الحب كتَعَشُّق

إذا ما سلَّمنا أن كلَّ شيء في هذا العالم يصير نحو غاية، فإن هذا يعني أنَّ كل موجود يتعشَّق شيئًا ويرغب فيه وينحو تُجاهه. وقد تناول أرسطوطاليس Aristotle العِلَّة الغائيَّة كواحدة من العللِ الأربع التي تحكم العالَم، والعلة الغائيَّة هي ما يسعى الشيء لتحقيقه، كالصحة التي هي علَّة المشي الغائيَّة؛ فهي ما من أجله نمشي؛ فنحن نقول لكي نكون أصحاء يجب أن نمشي، إذن فغاية المشي هي الرغبة في وجود الصحة، أو هي محبة أن يكون الإنسانُ صحيحَ الجسم.

ميَّز أرسطوطاليس Aristotle بين مادَّة الشيء من حيث هي مكوِّن له وصورته التي يصير الشيء إليها في نظرية يمكن تسميتُها بنظرية المادَّة والصورة، والمقصود بالمادة هو المادة الخام الذي يستمدُّ الشيء صورتَه منها كالخشب بالنسبة إلى الباب أو الكرسي مثلًا، والصورة هي الشكل الذي يصير عليه الشيء. هذه المادة الخام هي الوجود بالقوة، والوجود بالقوة معناه أنَّ المادة تملك القوة أو الدافع الذي تتمكن من خلاله أن تملك الصورة التي تظهر عليها بعد ذلك، فالوجود بالقوة إذن وجود أدنى من الوجود بالفعل؛ لأن الوجود بالفعل يعني الصورة التي صار الشيء عليها. هذا التعشُّق للصورة، وحُبُّ أن يكونَ الوجودُ بالقوة صورةً هو ما يدفع إلى الوجود الفعلي أو الوجود الأكمل والأكثر وضوحًا في الخارج.

آمن أرسطوطاليس Aristotle بهذا الإله الثَّابت، وأسماه المُحَرِّك الأول، وأقام البراهين على وجوده، وتصوَّرَ الكون منقسمًا إلى عالَمينِ اثنين؛ عالم ما فوق فلك القمر، وعالَم ما تحت فلك القمر. ولأنَّ السماوات تشتهي أن تحيا حياة شبيهة بالإله ما أمكن ذلك، ولكنها لا تستطيع، فإنها تحاكي المُحَرِّكَ الأوَّل عن طريق حركة مُتَّصلة دائما هي الحركة الدائرية؛ فالدائرة أكمل الأشكال. إنَّ العالم كله عند المعلم الأول ينحو منحى تعشقيًّا في محاوَلة منه التَّشبُّه بالإله الكامل، فيترجم شوقَه بالحركة والتوجه نحو الكمال، نحو هذا الإله الذي يُحرِّكُ دون أن يَتَحَرَّك، وهذا شأن المعشوق والمعقول؛ فالكون عاشق ورب الكون معشوق!

الحب كولادة

يقول ابن عربي: «والليل والنهار موجودان في الزَّمان، جعلهما أَبًا وأُمًّا لِمَا يُحْدِثُ اللهُ فيهما كما قال: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ)، كمثل قوله في آدم: (فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ) فإذا غَشِيَ الليلُ النهارَ، كانَ الليلُ أبًا وكان النهارُ أُمًّا؛ وصار كلُّ ما يُحْدِثُ اللهُ في النَّهار بمنزلة الأولاد التي تَلِدُ المرأةُ. وإذا غَشِيَ النَّهارُ الليلَ، كان النَّهارُ أبًا وكان الليلُ أُمًّا؛ وكانَ كلُّ ما يُحْدِثُ اللهُ من الشُّؤونِ في الليلِ بمنزلةِ الأولادِ التي تَلِدُ الأمُّ».

وحتى نقارب هذا النصَّ علينا أن نفهم أنَّ ابن عربي رغم غرابته إلا أنَّه يستقي فلسفتَه من النصِّ القرآني، الأمر الذي يمكن أن نقول معه أنَّ فلسفتَه فلسفةٌ قرآنيَّةٌ إلى حد كبير. في هذا النص مثلا يفهم ابن عربي غَشْيَ الليلِ النهارَ في ضوء غشي آدمَ زوجَه، فكما أنَّ آدم الرجل جامع زوجه فحملت منه، كذلك الليلُ يغشى النهارَ فيحمل منه ويلد، والنهارُ يغشى الليلَ فيحمل منه ويلد، وكذلك الوجود كله يغشى بعضُه بعضًا، ومن هنا تكون ولادة الأشياء بسبب هذا الغشي الوجودي. يفترض ابنُ عربي هنا أنَّ الكون كله ذكر وأنثى، وأنَّ الذكر يغشى الأنثى كما يغشى الرجلُ زوجَه بدافع من الحب؛ حب الشهوة أو حب الاتصال التامّ. هكذا يستمرُّ الوجود بتناسُل الموجودات، وهكذا ويبقى النَّسلُ الكوني قائما ما دام الوجودُ يلد بعضُه بعضًا عن طريق ذكوره وإناثه.

الحب كجَدَل

ليس الحبُّ نوعًا من الهدوء أو ضربًا من الاستقرار، ولكنه نوع من الجدل، الجدل العنيف أحيانًا، وهذا ما جعل الرازي الطبيب يرى أنَّ العُشَّاق لا ينالون من مَلاذِّهم شيئا إلا بعد أن يمسَّهم الهمُّ والجهد، ويأخذ منهم ويبلغ إليهم، ورغم أنَّ الرازي ذكر هذا الكلام في معرض كلامه عن العشق -وهو ضرب من الحب أو مقام أعلى منه- كمرض نفسي على أصحاب النفوس العالية التخلُّص منه، وأنَّ العشاق يجاوزون الحد المعقول في عشقهم تجاوزًا لا تصير إليه البهيمة، إلا أنَّ كلامه صحيح من جهة أنَّ الحب بمعناه العام والواسع كحب العلم وحب المال وحب الجاه وتعلق الموجودات بالبقاء لا يخلو من هذا الجدل الذي نتحدث عنه، وقد يصير بالمحب إلى الهيئات التي حطَّ الرازي من شأنها كالتذلل للشيء المرغوب فيه.

جدل المدينتين:

تصوَّر أوغسطينوس Augustine  العالَم كلَّه منقسما إلى مدينتين لا غير، وقصة هاتين المدينتين أنَّ البشرية كانتْ واحدة يجمعها حب الله وحب الخير، قبل أن يقتل قابيلُ أخاه هابيل. أدَّتْ هذه الحادثة إلى انقسام البشريَّة إلى مجموعتين؛ كوَّنَتِ المجموعةُ الأولى مدينةَ الله، وكوَّنتِ الثانيةُ مدينةَ الشيطان أو الأرض. إنَّ الخطيئة أسقطت آدم على الأرض، وأسقطتِ البشريَّةَ في هذا الانقسام عن طريق ولديه قابيل وهابيل. لا يعني أوغسطينوس Augustine بالمدينتين أنهما مدينتان حسِّيَّتان، بل معنويَّتان، فلا يجمع كلَّ واحدة منهما سورٌ أو جامعٌ، ولا يحدهما حدٌّ؛ فهما مختلطتان متداخلتان متضادَّتان، يحرِّكهما الحبُّ؛ حب الخير وحب الإله يحرك المدينة الأولى، وحب الشيطان وحب الشر يحرك المدينة الثانية. لذا فالمدينتان في حالة من الجدل المستمر والشد والجذب، ولكن، لا شك أن مدينة الله تنتصر في نهاية الأمر. إنَّ الحب المعنيَّ هنا رغبة الإنسان في تحقيق شيء وسلوكه إليه كل السُّبل المتاحة، واستعماله كل الوسائل المُعِينة على تحصيل مراده، يستوي في ذلك مريدو الخير من أهل مدينة الله، ومريدو الشر من أهل مدينة الأرض أو مدينة الشيطان.

يقول أوغسطينوس Augustine : «حُبَّان بنيا مدينتين: حبُّ الذَّات حتى احتقار الله بنى المدينة الأرضية، وحبُّ الله حتى احتقار الذات بنى مدينة الله. إحداهما تُفاخِر بذاتها، والثانية بالله تُفاخِر. إحداهما تستجدي المجد من الناس، والأخرى تضع أعزَّ ما تفاخر به في الله، الشاهد على ضميرها. حبٌّ في كبرياء، مجدُه يسير مرفوع الرأس، وحبٌّ يقول لإلهه: مجدي أنت ورافع رأسي».

جدل السيد والعبد:

إنّ العبد إما أن يحبَّ السلامة ويؤثرها فيبقى في عبوديَّته، وإما أن يحب الحريَّة فيحاول استردادها، والحرية لا تُسْتَرَدُّ إلا بحرب ضروس. والسيِّدُ كذلك يحب السيادة ويطلب العبيد لنفسه من أجل قضاء مصالحه. إنَّ تقابُل الأعلى والأدنى مُشاهَد في الطبيعة بأكملها، ولعل هذا ما جعل أرسطوطاليس Aristotle يَعْتَبِر الرِّقَّ نظاما طبيعيًّا. والعبد عنده كالآلة المنزليَّة التي تعاون على تدبير الحياة داخل المنزل. ولكن، من يُعَيِّنُ العبد؟! إنَّ الطبيعة هي التي تعيِّنه؛ جملة العوامل الوراثية والبيئية والاجتماعية، فالطبيعة هي التي تُوجِد هذا التمايُزَ بين البشر بأن تجعل بعضهم قليلي الذكاء أقوياء البنية، وبعضهم أكفاء للحياة السياسيَّة، وعلى ذلك فمن الناس من هم أحرار طبعا، ومن هم عبيد طبعا.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: عبد العاطي طلبة

تدقيق لغوي: مايكل ماهر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.