تأخذك إلى أعماق الفكر

القراءة: عملٌ خلّاقٌ

متى وكيف تكون القراءة مفيدة؟

قيل لنا ونحن صغار بأنّ القراءةَ هي عادةٌ جيدةٌ، وسمعنا الأغنياتِ التي تدعو للقراءة ولمصاحبة الكتب كبديلٍ عن “قزقزة اللب”، وامتلأت الرواياتُ والجرائدُ والمسلسلاتُ والأفلامُ بما هو مدحٌ لسلوك القراءة وترغيبٌ إليه وتزيينٌ له، حتى هؤلاء الذين لم يقرأوا حرفًا في حياتهم كانوا مقتنعين في الغالب أنّ القراءة أمرٌ جيدٌ، ودعوا بقلب خالص غالبًا إلى ما لم يفعلوه هم.

واتخذ حبّ القراءة طابعًا رومانسيًّا، فصار الناس يتكلمون عن تعلقهم برائحة الكتاب، وملمس الكتاب، وعدوى شراء الكتاب، وعن مرارة فراق الكتاب عندما ينتهون منه، وفي بعض الأحيان طغى الشكل على الموضوع حتى بات بعض الناس لا يقرأون كتابًا إلا إذا كان ذو شكلٍ معين: فمثلًا لا يقرأون كتابًا إلكترونيًا، إذ كيف يستطيعون أن يقرأوا إذا ما افتقدوا ملمس ورائحة الكتاب بين أيديهم وفي أنوفهم! وفي المقابل تراجع الحديث عن كيفية اختيار ما تقرأ، وعن كيفية ممارسة القراءة ذاتها، وكأن كل قراءة هي بالضرورة عمل جيد، فيكفي فقط أن تقرأ حتى تصبح شخصًا أفضل.

القراءة والقراءة المفيدة:

إن التناول الرومانسيّ للقراءة نابع في نظري من أمرين: الأمر الأول أن تجربة القراءة هي تجربة ممتعة تبعث في النفس نشوتها الخاصة لمن اعتادها، إذ تتعرف على تجاربَ ومشاعرَ ودواخلَ أشخاصٍ آخرين بشكل مكثف ودقيق توفره القراءة أكثر من أي وسيلة أخرى، وربما يفصل بينك وبين هؤلاء الذين تقرأ لهم الحواجز الزمنية والمكانية والاجتماعية. الأمر الثاني أننا نشعر بصدق الإنسان عندما يكتب أكثر من شعورنا بذلك الصدق في أنشطته الأخرى.

إن الكتاب هو بمثابة وسيلة لنقل خلاصات التجارب والخبرات والمشاعر من الكاتب إلينا، وصحيح أن الصدق يصل إلى أعلى مستوياته عند الإنسان عندما يمسك القلم ويقرر أن يشارك الناس بشيء من دواخله. لكن علينا ألا ننسى أن الكتابة هي في النهاية عملٌ إنسانيٌ، من الطبيعي أن يعتريها كل ما يعتري عمل البشر على الأرض من نقائص إنسانية نقابلها كل لحظة في حياتنا: مثل الجهلِ، والخطأ، والتسرعِ، والإغراضِ، والانحياِ، والمبالغةِ، وغير ذلك. علينا ألا ننسى ذلك حتى لا نضع الكتاب والكتابة في موضع يمنعنا من ممارسة القراءة بشكل صحيح.

وعلى ذلك، فالقراءة في ذاتها ليست إلا وسيلة للمتعة، ولكنها ليست بالضرورة علاجًا لجهلٍ ولا حلًا لمشكلة ولا تنويرًا تلقائيًا وتفتيحًا للدماغ، وإنما هي مثل رحلة صيد شيقة تخرج إليها وأنت لا تعلم بماذا ترجع. غير أن هناك ما تقوم به لجعل رحلة صيدك غانمة، فاختيارك لأدواتك التي تصطاد بها، وللمكان، ولطريقتك التي توقِع بها الفريسة في الفخ تؤثر بلا شك على الذي ترجع به.

إعلان

ألم ترَ هؤلاء الذين لم يعرفوا من القراءة إلا قراءة الكتب التي تؤيد أهواءهم؟ أو هؤلاء الذين يقرأون الكتب التي أوصى بها قوم آخرون ويضعونها موضع تنزيه شبه مقدس ولا يتعدونها؟ أو هؤلاء الذين لا يقرأون إلا الروايات المشحونة بالعواطف الزائفة؟ أو هؤلاء الذين يصدقون كل ما يقرأون؟ فهؤلاء هم الذين يعودون من رحلة صيدهم بلا غنيمة، بل قد يعودون وقد خسروا شيئًا.

في السطور القادمة نتكلم عن بعض الأمور التي من دورها أن تجعل قراءَتك عملًا مفيدًا إذا أخذتها في اعتبارك.

الكتاب الجيد هو الكتاب الذي يتساءل لا الكتاب الذي يجيب:

على عكس ما هو شائع، فإن مهمة الكتاب ليس أن يعطي الإجابات. يُفترض بنا أن نحصل على أكثر إجاباتنا من تجاربنا الخاصة. أما الكتاب الجيد فهو الذي يكشف لك عن حاجتك لقراءة كتابين بعده لكي تهضم ما قرأت. ليس في الأمر مبالغة، ففي عالم القراءة لا يقدّم الكتاب الجيد غالبًا إجاباتٍ نموذجيةً بل يساعد في تحديد تساؤلاتك، وكلما ساعدنا الكتاب الجيد في تحديد الأسئلة كلما تطلب ذلك مزيدًا من القراءات من بعده. بذلك يتعلم الإنسان من الكتاب الجيد دائمًا كيف يتعلم. احذر الكتاب الذي يعتبر من كل موضوع يناقشه قضية منتهية، حتى لو كان في النهاية ينتهي إلى رأي يؤيد فلسفتك الخاصة.

لا يكتمل تكوينك كقارئ إلا عندما تجعل للكتب التي تخالف أفكارك نصيبًا من قائمة قراءاتك:

ليس في الأمر تحدٍ، كما أن الأمر ليس مجرد رياضة ذهنية. إن صحة أي فكرة تعتمد في جزء منها على مدى صمودها أمام النقد وأمام الأفكار البديلة. لذلك فإن بدعة الكتب المحظور قراءتها لأسباب دينية أو فكرية تُخرج لنا عقولًا لامعة من فرط خلوها من أي شيء أصيل وعميق، ولذلك هي بدعة مذمومة وجب هجرها لأجل عقل وعر صنَعت فيه معارك الأفكار علاماتها.

عندما تقرأ كتابًا، كن متسائلًا لا متلقيًا:

تعوَّد أن تطلق العنان لتساؤلاتك النقدية حول أفكار الكاتب ومدى اتساقها مع بعضها ومدى اتساقها مع المنطق والحس السليمين ومع الحقائق الأخرى، وانتظر أن يجيبك الكاتب عن بعضها. وعندما يذكر الكاتب حقيقة أو واقعة أو رأي شخصية أخرى يُدعِّم بها رأيه يمكنك أن تستخدم الكتب الأخرى أو المصادر المفتوحة على الإنترنت لتفهم مقصده وتقرر ما إذا كان الكاتب استخدم ذلك في سياق مقبول. كذلك أبدي اهتمامًا بالربط بين ما يقوله الكاتب وبين ثقافته ومعتقداته ومواقفه السياسية والاجتماعية، ففي النهاية الكاتب هو إنسان له انحيازاته المسبقة التي يعمل على التنظير لها، ومعرفة كل ذلك يساعدك على بناء موقف أكثر دقة وأكثر إنسانية عن الذي تقرؤه. يقول مارك هادون، الروائي الإنجليزي المعاصر:

 القراءة هي نوع من المحادثة. كل الكتب قادرة على التحدث، غير أن الكتب الجيدة فقط هي التي بالإضافة إلى حديثها تستطيع أن تستمع.

والنقطة السابقة تنطبق كذلك على الأعمال الأدبية ولكن بشكل مختلف:

القراءة الأدبية ليست قراءة سلبية متلقية بل يُفترض بالقراءة الأدبية الجيدة أن تكون قراءة إبداعية. يقول علي عزت بيجوفتش في كتابه (هروبي إلى الحرية) متحدثًا عن كيف نقرأ الأدب وعن الفرق بين الرواية والفيلم:

“القراءة تعتمد بكثير أو قليل على القارئ، فهي عمل إبداعي، لأن القارئ يقدم تحليله على المقروء. إن عشرة قرّاء لشخصية مثل (فيودور كارامازوف) لديهم عشرة قراءات مختلفة، وينتهون إلى أحكام غير متوقعة، وخواطر ذاتية تمامًا تختلف من قارئ لقارئ. هنا يكمن الفارق بين قراءة قصة ومشاهدة فيلم؛ ففي القراءة نحن نعيد بناء الشخصية (أو المشهد)، أما مع الفيلم، فالبناء معطى، ويتلقاه المشاهد بشكل سلبي. عند القراءة تكون الصورة في ذهن القارئ، بينما مع الفيلم فالصورة على الشاشة. ولذلك نقرأ، لأن الفيلم لا يكون بديلًا عن القراءة”.

فالقراءة التي نتكلم عنها هنا ليست طقوساً مجرّدةً، بل هي عملٌ نقديٌ خلّاقٌ، إذ تدخل فكرة الكاتب إلى رأسك فتقلِّبها يمينًا ويسارًا فتشذُ بها وتعدِّل منها حتى إذا استقامت لك وضعتها موضعها الصحيح من بناء أفكارك تعضد منه ولا تطغى عليه ولا هو يطغى عليها وبينها وبينه ميزان العقل الإنساني بشقيه العقلاني والوجداني، والمنطق الكوني الذي نسعى أن نفهمه.

يقول فرانسيس بيكون في كتابه (المقالات) مُبيِّنًا مذهبه في القراءة:

 لا تقرأ من أجل المعارضة والتفنيد، ولا من أجل الإيمان والتسليم، ولا لأجل جلب الحديث، ولكن اقرأ لكي تزن الأمور وتتمعن فيها. إن بعض الكتب ينبغي أن يُذاق، وبعضها يجب أن يُزدرد، والبعض القليل خليق أن يُمضغ ويُهضم.. ذلك أن بعض الكتب ينبغي أن يُقرأ منها شيء، والبعض ينبغي أن تُقرأ ولكن ليس بالحرص التام، وقليلة هي تلك الكتب التي يجب أن تُقرأ كاملة، وبكامل الاجتهاد والانتباه.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: محمد أبو الغيط

تدقيق لغوي: فاطمة الملاح

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.