الجريمة والعقاب: لا تبدو الفكرة حمقاء إلا حين تفشل!

الجريمة والعقاب هو اسم تقليدي جدًا لرواية عظيمة جدًا، كتبها دستويفسكي في منتصف رحلته الإبداعية في العام 1866 وهو في الرابعة والأربعين من عمره. وهي الأشهر فيما كتب دستويفسكي، وتتصدر قائمة أعمال دستويفسكي الأكثر قراءة على منصة جودريدز. حريٌّ بكل من قرأ الرواية أن يسأل نفسه ما هو العقاب المشار إليه في العنوان: هل هو عقاب السلطة؟ أم عقاب الضمير؟

راسكولنيكوف الذي لم يجرؤ

راسكولنيكوف بطل رواية الجريمة والعقاب هو شخص ذكي، أو لنكن أكثر دقة ونقل إنه شخص ذو قدرة تحليلية عالية قادر على أن يستنبط المعاني غير المعتادة من الأمور المعتادة. ولكنه كذلك شخص محبط محاط بالفشل الدراسي والمالي.

ولذلك فهو شخص مضطرب بشدة تقهره أفكاره السلبية عن الحياة وحقيقتها، وقد صاغ نظريته الأهم في الرواية كالآتي: هناك نوعان من البشر: البشر الاعتياديون، وغير الاعتياديين. القوانين تُصنع من أجل النوع الأول، ولذلك مخالفتهم للقوانين تعد جريمة. بينما النوع الثاني فهم فوق القوانين، ولنضرب مثلًا استخدمه راسكولنيكوف: نابليون بكل من قتل من رجال ودمر من بلاد هو رجل عظيم وليس مذنبًا أو مجرمًا بحال. تبدو هنا القوانين التي تجعل من القتل جريمة والسرقة جريمة مجرد إجراء تنظيمي حتى تسير الحياة على وتيرة معينة، لكنها -وفقًا لهذا الطرح- لا تفيد أي معنى أخلاقي.

باسم هذه النظرية ارتكب راسكولنيكوف جريمة قتل، قتل فيها عجوزًا مرابية فاسدة وصفها بأنها “حشرة”، ثم ارتكب جريمة أخرى بقتل أختها التي لا حول لها ولا قوة في سبيل التغطية على جريمته. جريمتان بمقاييس نابليون لا يمثلان أي شيء. المشكلة هنا هو أن كان نابليون قد جرؤ أن يقتل ويدمر دون أن يشعر بأي ذنب ودون حتى أن يصوغ نظرية كنظرية راسكولنيكوف تبرر له ما قام به، فإن راسكولنيكوف لم يجرؤ. قدرٌ لا يحتمل من الأفكار والهواجس والأوهام تحاصر راسكولنيكوف وتجعله مدفوعًا إلى أن يعترف بجريمته، متحملًا عار الجريمة بل ونظرات الناس الذين سيزدرونه لا لأنه ارتكب جريمته ولكن لأنه ضعف فاعترف.

لا تبدو الفكرة حمقاء إلا حين تفشل! هكذا كان يُنظِّر راسكولنيكوف لنفسه مؤكدًا لها أن معيار صلاح ما قام به هو ألا ينكشف أمره. فقط لا ينكشف أمره وسوف يكون في عداد الناس غير الاعتياديين والذين لا يفترض أن تؤرقهم قوانين العامة!

إعلان

سونيا ذات القلب والإيمان

من يقرأ دوستويفسكي يشعر أنه رجل شديد الإيمان، لكنه كذلك رجل كثير الشكوك يدرك معنى أن تكون الحياة عبثية وبشعة ولا غائية. وقد برزت هذه الثنائية في أكثر من عمل له في صورة الشخصيتين المتناقضتين: شخصية الشاكِّ المضطرب، في مقابل شخصية المؤمن المستقر، وما بينهما من تفاعل. في الجريمة والعقاب يمثل راسكولنيكوف شخصية الملحد المضطرب في مقابل سونيا ذات الإيمان والقلب الكبيرين.

قدم دوستويفسكي سونيا في “الإخوة كارامازوف” كفتاة صغيرة تعمل بالدعارة لإعالة إخوتها، وقد صورها على أنها إنسانة بسيطة مسكينة شديدة الإيمان والتدين، تعيش في حالة من الاستسلام للتناقض بين طريقة كسبها للعيش وبين تدينها الشديد، كاستمرار لما عهدته من استسلامات متتالية في حياتها. وتيمة الفتاة نقية القلب التي تعمل بالدعارة متكررة كثيرًا في الأدب، لكنها عادة ما تستفز طاقة التسامح والتقبل لدى القارئ، ولا تقدم بالعمق المقنع بلا استفزاز، والذي أزعم أن دستويفسكي كان قادرًا عليه بلا مجهود ولا تكلف.

وقد أحبت سونيا راسكولنيكوف حبًّا شديدًا وبريئًا. وليس في راسكولنيكوف الملحد العصبي الهاذي الانفعالي شيء مما قد يوافق طبع سونيا المؤمن المسالم المستسلم. ولكن سونيا أحبت راسكولنيكوف، وكانت مؤمنة طوال الوقت بأن راسكولنيكوف شخص صالح. وهذا ما لم يكن يراه أو يفهمه راسكولنيكوف.

راسكولنيكوف الآخر

لكن يبدو أن مشاعر راسكولنيكوف لم تكن لتصمد أمام نظريته. في النهاية وفي خضم الصراع النفسي الذي كان يعانيه يقرر أن يعترف بجريمته لسونيا.. لقد اختار راسكولنيكوف سونيا لأنها الشخص الوحيد الذي سيعترف أمامه دون أن يشعر بالصغار.. وتلقت سونيا الحقيقة وانهارت.. ورغم كل القبح البشري الذي بدا لها فإنها لم تلفظ راسكولنيكوف بعيدًا، ولم يطف في خيالها شبح لذلك.

في أحداث “الجريمة والعقاب” التالية، تحثُّ سونيا راسكولنيكوف على الاعتراف أمام الآخرين، تحثه على ذلك بحب، أملًا أن يتحرر من فوضى رأسه.. ويوافق راسكولنيكوف متحملًا كل الازدراء في عيون الآخرين، مقرَّا لنفسه أنه لم يجرؤ، وأن الأخلاق لها وجود في داخل نفسه قبل أن تكون موجودة في القوانين الموضوعة -إن وُجدت-.

عندما يعترف راسكولنيكوف فإنه يغامر بأن يخسر كل شيء، فيُنفى إلى سيبيريا ليقضى عقوبته، لكنه من جهة أخرى يستعيد تقبله لذاته، لا لأنه يتلقى عقوبة ما فعل، ولكن لأن اعترافه فيه معنى أنه قد كفر بنظريته. وتسافر سونيا معه إلى سيبيريا لتقدم له الدعم وهو يقضي العقوبة، دون أن تشعر أنها تهدر حياتها أو أنها تكتب على نفسها البقاء مع قاتل.. بالعكس فهي حتى لم تفكر في مثل تلك الاحتمالات. بل إنها كانت تؤمن إيمانًا قويًّا في كل لحظة أن راسكولنيكوف كان ضحية، وأنها لا تستطيع إلا أن تكون معه.
ويصوِّر دستويفسكي التحوُّل الطارئ على شخصية راسكولنيكوف كالآتي:

كان في ذلك المساء عاجزًا عن أن يفكر تفكيرًا متصلًا طويلًا وعن أن يركز فكره على نقطة بعينها وعن أن يحل مشكلة من المشكلات على هدى وبصيرة فإنما هو يشعر بإحساسات، لا شيء غير الإحساسات. لقد حلت الحياة محل الجدل، وفي أعماق نفسه أصبح ينضج شيء آخر تمامًا

لقد تلاشى عذاب الضمير أو فقدان البوصلة أو سيولة المعنى -أو سَمِّه كما شئت- وحلت الحياة الحقيقية أخيرًا كما يُفترض لها أن تكون في نفس راسكولنيكوف، وللمرة الأولى منذ زمن طويل صار بإمكانه أن ينام وهو رائق البال.

فلو لم يكن هناك سونيا فلا أدرى ما الذي كان سيحث راسكولنيكوف العنيد أن يقهر نفسه فيعترف ويتصالح مع أفكاره ويتقبل حقيقة نفسه؟ من أين كانت ستبرز فرصة الخلاص؟ في الغالب، كان راسكولنيكوف سيعاند حتى النهاية حتى ينهار، وما أبأسها من نهاية!

نرشح لك:دوستويفسكي مفكرًا

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: محمد أبو الغيط

تدقيق لغوي: ندى حمدي

تدقيق علمي: دينا سعد

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

اترك تعليقا