الفلاحات المصريات في لوحات المستشرقة إليزابيث باومان

ظهر مصطلح الاستشراق (Orientalism) لأول مرة بالإنجليزية عام 1779 ثم بالفرنسية عام  1799 واعتمد من الأكاديمية الفرنسية للفنون في 1838. فالمستشرق حسب مجموعة من التعاريف المتداولة، هو المتخصص والدارس المتتبع لفنون الشرق وثقافته وتاريخه. والاستشراق هو روح هذه الدراسة التي أصبحت تكتسي مع تعاقب الأعوام، طابعًا تقليديًا دالاً.

والحقيقة أنَّ كلمة الاستشراق لها مدلولات كثيرة فهي تشمل مجموعة العلوم والمعرفة والفن والأدب التي تناولت الشرق. بات الاستشراق ظاهرة ملموسة في القرن التاسع عشر فقد زاد الاهتمام بالشرق وحضارته في علم التاريخ والرحلات العلمية، وبعثات التنقيب عن الآثار، وترجمة القرآن الكريم، والأدب، والموسيقى، والعمارة، والرسم، أو ما يطلق عليه “التصوير”، وظهرت العديد من الكتب العلمية حول طبيعة الشرق وتاريخه وشعوبه وحضاراته في شتى مراحلها. ويقع كلامنا على وجه الخصوص في الرسم الاستشراقي أو ما يطلق عليه (التصوير).

فقد ألهمت الخصائص البيئية والحضارية والمعمارية والإنسانية التي يتميز بها الشرق الرسامين المستشرقين، فقاموا بتسجيل دهشتهم وانبهارهم في لوحات فنية شهيرة.
بدأ الاهتمام بالفنّ الاستشراقي مع حملة نابليون على مصر في العام 1798. وجاء ازدهاره الحقيقي بعد 40 عامًا من ذلك التاريخ. والفضل يعود إلى انتشار خطوط سكك الحديد وتخفيف القيود المفروضة على السفر والتجارة.
بعض الفنانين الاستشراقيين كانوا يرسمون أعمالهم في عين المكان. لكن مع ازدياد شعبية هذا النوع من الرسم، استطاع آخرون رسم لوحات استشراقية دون أن يغادروا أوطانهم. كانوا ببساطة يستخدمون الكتب المرجعية ويستعينون بنساء من بيئاتهم المحلية يلبسونهنّ ثيابًا واكسسوارات مستوردة من بلدان الشرق.

ومن المعتقد أنَّ كتاب (ألف ليلة وليلة) وقصص شهرزاد، كانا أول الطريق إلى الاستشراق وانتشار حركة الاستشراق في الغرب، بل إن مصدر إلهام الكثير من الفنانين كان إسلاميًا مما شاهدوه في الأندلس إضافة إلى العالم الخيالي الواسع المستمد من الحكايات والأخبار المتناقلة وعقب ترجمة بعض الكتب التي تتحدث عن الشرق وتصفه من خلال رحالة ومستشرقين، أو تلك التي وضعها أوروبيون لم يغادروا بلادهم بتأثير القراءة أو السمع أو التقليد، ومن الفنانين العالميين الذين تأثروا ببلادنا العربية وتراثها وفرادتها ومناخها دولاكروا وماتيس و بول كلي ورينوار وجيروم.

لقد وجد هؤلاء في المشرق والمغرب العربيين مادة غنية لفنهم، ونبعًا تموج به الحياة وتتجدد، وتستشرف من خلاله الروح قيمًا إنسانية زاخرة متجددة، افتقدها الغرب في زحمة تطوره التكنولوجي المتسارع والمخيف بعد الثورة الصناعية، وافتقدها الفنانون الغربيون خاصة، مما دفعهم إلى البحث عن غذاء للروح، ومصدر جديد لتنشيط الحس الإبداعي

إعلان

فقد تناول الفنانون المستشرقون في لوحاتهم وأعمالهم التشكيلية بشكل عام، المساجد والحارات ومظاهر الفروسية وأسواق الرقيق والصحاري والإنسان العربي بلباسه الشعبي التقليدي وتناولوا المدن كالقدس ودمشق والقاهرة وبيروت، إضافة إلى تصوير مشاهد الطرب المستوحاة من حكايات ألف ليلة وليلة.

ولقد استهوت الملابس العربية البهية الأنيقة الغربيين حتى أنهم كانوا يتحلون بها أو يقلدونها في لباسهم، حتى الحروب التي تمت بين الغرب والعرب كانت مصدرًا لموضوعات بعض الفنانين نذكر منهم لوحة (المدافعون عن القاهرة) للفنان (جيروم) و(المصابين بالطاعون في يافا) للفنان (لغيرو). على أن الفنان الفرنسي (دولاكروا) وهو زعيم الرومانتيكيين كان أكثر اهتمامًا بتتبع أسرار الشرق العربي. فقد سافر إلى المغرب، إلى طنجة ومكناس، والى وهران والجزائر، وأقام في هذه المدن ما يزيد على خمسة شهور، يزود نفسه وخياله بما شاهده وعاشه، وقد بقي (دولاكروا) ينهل من كنوز ما ادخره في إقامته حتى نهاية حياته، تاركًا أروع اللوحات الشرقية العربية.

في عام 1842 تحدث (إدغار كينيه) عن نهضة شرقية حاملة للإنسانية الجديدة، وهكذا تبدلت الرؤية الاستشراقية، خاصة بعد عام 1860. بينما فقد الحلم الرومانسي سحره وجاذبيته، ومع تطور الأبحاث الخاصة بالضوء واختراع آلة التصوير، تنامى التيار الواقعي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مما أدى إلى التجديد في الرؤية والتعبير عن الشرق بالرسم والتصوير الضوئي، ووضحت الرغبة في فهم وتحديد، مشهد ما، على حقيقته دون تجميل أو تزييف، واهتم الفنانون بتقديم مشاهد حقيقية بتفصيلات وتركيبات محددة أمينة وصادقة.

الجزء المحرم من حياة الشرقي، في ذاته يفسر العلاقة الرومانسية بالمرأة التي هي بالنسبة للفنان رافد جمالي مثير للإبداع، ومما لا شك فيه أن فكرة (الحريم) كانت تعبث في خيال الفنان الأوروبي كلما تذكر الشرق، وتجعله أسير حلم يرى نفسه فيه سلطانًا محاطًا بعدد من الغيد الحسان، وكان لبعض هؤلاء الفنانين محاولاتهم للتغلغل في عمق ظاهرة الحريم، وتعرية هذا العالم المقدس، للوصول إلى الحقيقة، إلى سر الحذر، والبيوت المغلقة من الخارج، المفتوحة على إيوان تطل منه السماء من الداخل ولقد حاول (دولاكروا) الارتقاء بصورة المرأة الشرقية، والنموذج الإنساني الذي ما زال يحتفظ بلهبه التاريخي.‏

فالمرأة الشرقية، أسيرة الحريم، تجسِّد بعدًا خفيًا عسيرًا على الإدراك، لكنها تمثل جاذبية خاصة، وإذا كان عدد من الفنانين الغربيين قد حاولوا فك رموز الحريم الشرقي المحرم عليهم رؤيته ومعايشته، إلا أن (دولاكروا) كان الوحيد الذي وافته الفرصة التاريخية لرؤية (الحرملك) بالجزائر، وهذه الحالة الاستثنائية لم تتح لأحد غيره من الفنانين. وأدرك (دولاكروا) ماهية الشرق الحقيقي في أكثر عناصره غموضًا وسحرًا، وفور عودته إلى فرنسا، شرع في رسم لوحته (نساء الجزائر) معتمدًا على الذاكرة والاستكشافات) فشخصية المرأة الشرقية، تنضح شاعرية ورهافة ورخاء شرقيًا، وبالتالي فن الاستشراق الذي بات مطلوبًا ومرغوبًا، ليس من قبل الأوروبيين فحسب، بل ومن قبل الشرقيين أنفسهم بدليل حركة النسخ والتقليد.
كتجسيد لقوة وقمع المجتمع الشرقي. كان هناك مئات الرقيق اللاتي يُستخدمن للجنس ومن أجل إشباع نزوات السلاطين والأمراء. وقد تخيَّل الرسَّام الفرنسي جان ليون جيروم حياة الحريم عبر دخان الأراجيل. ونساؤه، العاريات غالبًا، يظهرن على أطراف برك الماء وهنّ يتبادلن في ما بينهن الأحاديث والنظرات المغرية.

والتفاصيل الزخرفية للشرق، مثل الأرابيسك والزجاج المعشّق والخطوط المذهّبة، هي التي أغرت الرسّامين البريطانيين في القرن التاسع عشر الذين رست سفنهم على شواطئ الشرق وجدوا في البلدان المشرقية عالما خاصًا يصعب اختراقه أو فهمه دون معايشته والاقتراب الفعلي منه.
إلَّا أنَّ بعض الفنانين تم إسقاطهم من السير الفنية عن عمد لأسباب سياسية أو عرقية. على أي حال نستطيع أن نقول أن الفنانات النساء كُنّ أقل حظًا بكثير من الرجال في الذكر والتخليد، فنحن لا نكاد نسمع إلا بعض الأسماء القليلة من بينها اليزابيث فيجيه بحكم نشاطها في البلاط الفرنسي؛ لكن في المقابل هناك العديد من الفنانات لم يحتفِ بهنّ النقاد بقدر ما احتفَوا بالرجال، بل على العكس تظل سيرتهن الفنية منقوصة ومحلًّا للجدل الدائم، وذلك بسبب أن المعاصرين لهن أيضًا كانوا غير مهتمين بتسجيل حياتهن وفنهن وربما كان ذلك مقصودًا.

إليزابيث جيرشو باومان

إنَّ الفن يرفع صاحبه لمرتبة الخلود وخصوصًا إذا كان فنًا راقيًا وهادفًا وفيه تطوير وإضافة، وهذا بالفعل ما قامت به أحدى رائدات الفن التشكيلي في القرن التاسع عشر (إليزابيث جيرشو باومان). لم تأخذ جيرشو باومان حجمها الحقيقي في قوائم الاستشراق، مما جعل لوحاتها لفترة طويلة لا ترقى لمستوى الأسعار الفلكية التي تصل إليها لوحات الاستشراق على الرغم من أن لوحاتها تتفرد بمنهج خاص وتيمة خاصة لم يصل إليها غيرها.

الحقيقة أنَّ أحد أهم أسباب قلة ذكر إليزابيث باومان بجانب قامات الفن الكبيرة هي أنها مارست معظم نشاطها الفني في عاصمة من العواصم التي ظلت تعامل كثيرًا من أنواع الفن التشكيلي بتحفظ شديد وهي الدنمارك لأن المجتمع الدنماركي معروف بتحفظه لدرجة كبيرة، ومن ثم كان يتعامل بحساسية مع العديد من مواضيع الفن التشكيلي، وعلى رأسها الموضوعات التي بها عري أو فكرة إيروتيكية، وهكذا ظلت معظم لوحات إليزابيث جيرشو حبيسة مخازن المتاحف في كوبنهاجن لفترة طويلة، وحتى الحرب العالمية الثانية حينما قام هتلر بعمليته الشهيرة في السطو على معظم الأعمال الفنية الكبيرة من كل متاحف المدن الأوروبية ولم يكن يجهل إليزابيث جيرشو بل كان مفتونًا بها حتى أنه أطلق عليها (أم البورتريه النسائي)، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية كان على المتاحف أن تتعامل مع أعمال جيرشو على أنها من القطع النادرة بل وبعض النقاد أخذ على عاتقه تحليل أعمال جيرشو الغزيرة والمتنوعة بجدية وحيادية.

ولدت إليزابيث باومان في نوفمبر 1819 في زول بورتس في وارسو ببولندا واسمها الحقيقي هو أنا ماريا إليزابيث باومان وأحبت فن الرسم من والدها الذي تخصص في رسم الخرائط وفي عام 1838. وقد أرسلها والدها لتكمل دراستها في أكاديمية دوسلدورف وهناك تفوقت في دراسة الفن، وحيث كانت دوسلدورف عاصمة الأكاديمية في الرسم في هذه الفترة، وتعرفت على زوجها الدنماركي جين أولف جرشو والذي تزوجته ورحلت معه لكوبنهاجن حيث كان يقوم بالتدريس في الأكاديمية الملكية، وأنجزت أعمالًا كثيرة هناك؛ منها لوحة هانز كريستيان أندرسون يحكي حكايات للأطفال. ذهبت في رحلة للشرق.. زارت اليونان ومصر وأقاليم تركية كثيرة. وأنجبت خمسة أبناء كان معظمهم فنانين مشاهير لكنهم ماتوا في سن صغيرة. وماتت إليزابيث باومان في كوبنهاجن عام 1881.
وسنعرض هنا أهم لوحتين لها، واختلافهما عن باقي أعمالها يتجسد في (مصريتهما) واختلافهما عن عالم الحريم والرقيق المعتاد في الرسم الاستشراقي.

اللوحة الأولى “بائعة جرار مصرية بالجيزة” (1876-1878)


لم تسجِّل إليزابيث باومان الحريم بكثرة في أعمالها كما يتوقَّع القارئ لأنها افتتنت أكثر بمشاهد النساء في الطبيعة، مثل الفتيات اليونانيات، لكنها كانت شديدة التعلق بالفلاحات المصريات.. ولنا هنا وقفة كبيرة لأنَّ إليزابيث جيرشو ابتدعت طقسًا في الاستشراق سُجّل باسمها فيما بعد وهو طقس البورتريه للفلاحة المصرية. ومع أن الوجه لم يكن مصريًا خالصًا إلَّا أنها قطعت شوطًا بعيدًا في انطباق البورتريه على الواقع من حيث الوضع والتكوين والإيماءة الدرامية. وفـ استخدمت الأدوات بشكل رمزي للتعبير عن الجو الشعبي وأهم هذه الأدوات الجرة المصرية الشهيرة (الزلعة) والتي أعجبت بها جيرشو.

وقد استخدمت ألوانها الجريئة غير الشاذة عن الفن الأوروبي في تلك الحقبة، لوحة غنية بالتباين. شكل البساط رغم بساطته يصطاد الأعين والجرار المتراصة بعناية والجسد العاري وانحناءاته تحت الحرير الشفاف والحلي العربية ونعومة ولمعان جلود الشرقيات التي فتنت بها باومان، كل ذلك يغرس القطعة بجودة حسية لا تزال تثير الإعجاب.
على عكس العديد من الرسامين الذكور في يومها، ربما كانت باومان تصور بائعة الجرار بطريقة تسمح لها بالاعتراف بإعجابها بهذا المشهد. هي مسترخية وآمنة في نظرنا لكن انتباهها ونظرات عينيها الناعسة مرتكزين على الناظر إليها.

اللوحة الثانية “فلاحة مصرية وطفلها” (1872)


هي لوحة الفلاحة التي تهش الذباب عن طفلها النائم والتي اعتبرها النقاد إحدى أهم لوحات الاستشراق لأنها تعبر بصدق عن واقع اجتماعي واقتصادي للفلاحة في القرن التاسع عشر بالرغم من الحالة الرومانسية التي تغمر اللوحة. وفي محاولة النقاد الإنجليز لاعتبار هذه الفلاحة قبرصية لما هو ظاهر خلفها من علامات معمارية وكأنها شواهد قبور، نستطيع ببساطة أن نثبت أنها مصرية أصيلة أولًا: من الحليّ، وخاصة القرط المصري الشهير. وثانيًا: العباءة المصرية الشهيرة في الوجه البحري (الملس)، أيضًا الخلخال وغطاء الرأس المسحوب للخلف والكثير من التفاصيل التي تبين أنّ الموديل مصريًا بحتًا. كما أن الخلفية البنائية في اللوحة التي أحتج بها النقاد موجودة بكثرة في كل أنحاء مصر وليست طقسًا معماريًا مقصورًا على قبرص فقط.
ونستطيع أن نرى المزاج العام مع الإضاءة الناعمة والأقمشة الداكنة الحريرية، واحمرار أشعة الشمس في غروبها،  الطفل الحالم وتأمُّل الفلاحة له وإبريق الماء اللامع.. وهو تكوين هادئ بديع ينضح بالحياة.

خاتمة

بسبب براعة نقل مشاهد الحياة اليومية في بلدان الشرق ومنها هاتان اللوحتان، فإنَّ لوحات الفنانين المستشرقين تعتبر وثائق تاريخية مرئية لمعلم الهندسة المعمارية العربية وأشكال المدن والقرى والأسواق والازياء، وبعض العادات والتقاليد الاجتماعية في الوقت الذي أنجز فيه الفنانون لوحاتهم.
وعلى الرغم من أن هذا النوع من اللوحات كان يثير الغضب في الشرق الأوسط ذي الطبيعة المحافظة، وكان الكثيرون يعتبرونه فنًا مسيئًا وفاضحًا، إلا أن اللوحات الاستشراقية ستظل بمثابة السجل البصري الوحيد عن ثقافة القرن التاسع عشر في بلدان الشرق الساحر.

 

المراجع:
(١) بشرى بن فاطمة ،الاستشراق والفن التشكيلي ،مقال منشور في صحيفة فنون الخليج .
(٢) باسم توفيق، أم البورتريه النسائي وعبقرية الاستشراق، موقع جريدة الوطن.
(٣) د . سالم حميش،الاستشراق في أفق انسداده ، سلسلة الدراسات ٣ منشورات المجلس القومي للثقافة العربية ،١٩٩١ .
(٤) الحياة الثقافية - عدد ٤٧.
(٥) ترجمة من موقع تاريخ الفن
(٦) ترجمة من موقع المتحف القومي الدنماركي
National Gallery of Denmark - Statens Museum for Kunst، Copenhagen، Denmark
(٧) ترجمة عن موقع dailyart
(٨) د.سمير محمد زين ، الاستشراق في الفن التشكيلي -سحر الشرق وغذاء الروح .
(٩) ترجمة عن موقع جوجل للفنون والثقافة

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: نها العمراني

تدقيق لغوي: ضحى حمد

اترك تعليقا