تأخذك إلى أعماق الفكر

عندما تصبح التنمية أداةً لقتل كوكب الأرض!

لا شك أن التغير المناخي هو أكثر القضايا أهميةً فى عصرنا الحديث؛ لما لها من تداعيات خطيرة على جميع مناحي الحياة على كوكب الأرض. ومن أسباب التغير المناخي، التعدي الجائر على الطبيعة من قبل الإنسان عن طريق إقامة مشروعات مُضرّة بالتوازن البيئي، مما يزيد من تراكم الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي (توجد الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي، و تتميز بقدرتها على امتصاص الأشعة التي تفقدها الأرض فتقلل فقد الحرارة من الأرض إلى الفضاء، وهو ما يساعد على تسخين الهواء وارتفاع درجة الحرارة). وفي السنوات الماضية شهدت مصر نقصًا حادًا في الطاقة، خاصةً بعد ثورة 25 يناير 2011، فقد زاد إنتاج مصر للطاقة الكهربائية من 25 ميجا وات في عام 2010 إلى 52 ميجاوات بنهاية شهر أكتوبر 2018. ويُعزَى ذلك الارتفاع الكبير في الاستهلاك بشكل رئيسي إلى زيادة القطاع السكنيّ ونمو القطاع الصناعي، وأيضًا إلى زيادة استخدام الأجهزة الإلكترونيّة والمعدّات الكهربائيّة بشكل لافت في السنوات الماضية.

وفي ظلّ طموحات وخطط الحكومة المصرية في زيادة معدلات التنمية الشاملة، ترى الحكومة أن زيادة معدلات الطلب على الطاقة الكهربائية  يتطلّب المزيد من إقامة محطات توليد الطاقة الكهربائية فى كل ربوع مصر. لكن تُرى أي نوع من المحطات الكهربائية ستزيد من معدلات التنمية؟

في أواخر يونيو 2018 أعلنت الحكومة المصرية عن فوز تحالف صيني مكوّن من شركتي شنغهاي إليكتريك ودونج فانج إلكتريك بإنشاء محطة كهرباء تعمل بالفحم في منطقة الحمراوين، والتي تبعد 20 كم شمال مدينة القصير الساحلية، والتي تعتبر من أجمل مدن البحر الأحمر في طبيعتها الساحرة، وإن كان الإعلام لا يركَّز عليها سياحيًّا بكثرة مثل مدينة الغردقة ومرسى علم التي تلقى اهتمامًا كبيرًا. وتبلغ قيمة إنشاء المحطة الكهربائية  4.4 مليار دولار. وستُنتِج محطة الحمراوين 6 آلاف ميجا وات، ويستغرق بناؤها حوالي 6 سنوات. ومن المعروف أن الصين هي أكبر مصدر للانبعاثات الكربونية فى العالم بسبب اعتمادها على حرق الوقود الأحفوري، خاصة الفحم، لتوليد 64% من إجمالي الطاقة الكهربائية لديها.

وعلى الرغم من أنّ العالم المتحضر يتجه إلى التخلّص من المحطات الكهربائية التي تعمل بالفحم بجميع أنواعه؛ بسبب تأثيراته السلبية على تغير المناخ، إلا أننا وجدنا الحكومة المصرية تُنشئ هذا المشروع الملوِّث للبيئة، وتؤكد على أن المحطة الكهربائية ستعمل بالفحم النظيف ومتوافقة مع كل الاشتراطات البيئية فى مصر، على الرغم من توقيعها على اتفاقية باريس للمناخ “كوب 21” في عام 2015 والتى تتضمن إجراءات لتقليل الآثار السلبية من التغيير المناخي.

إعلان

وفي إطار إقامة مشروع محطة الحمرواين لتوليد الطاقة الكهربائية من الفحم، خصصت الحكومة المصرية 385 مليون جنيه مصري من أجل تحديث ميناء الحمراوين القديم حتى يلائم السفن التي ستنقل الفحم الذي ستستورده مصر، واللّازم لتشغيل المحطة الكهربائية. وللأسف الشديد، فقد أهملت الحكومة المصرية كل الدراسات والبحوث البيئية التي تؤكد على خطورة وتأثيرات استخدام الفحم، المصدر الأساسي لتلوث الهواء والأكثر استهلاكًا للمياه خلال عملية حرقه، والذي يحتوي أيضًا على 76 ملوِّثًا مختلفًا بخلاف المادة الصلبة نفسها، والمتسبب في الاحتباس الحراري الناتج بدوره عن الغازات الضارة التي تحيط بالمجال الجوي، وهو ما يمنع الانعكاس الحراري الصادر من الأرض من انتقاله إلى خارج كوكب الأرض، مما يسبب ارتفاعًا ملحوظًا في درجات حرارة الأرض، ويزيد من التصحر والجفاف.

وللأسف فقد ساقت الحكومة المصريّة مبرراتٍ واهية وغير مقنعة بأنّ محطة الحمراوين الكهربائية ستعمل بالفحم النظيف قليل الرماد، وأنّ تلك المحطة ستحوي تكنولوجيا متقدمة لتقليل الأضرار الناجمة للبيئة. بينما لا يُنكِر أحدٌ أن السبب الرئيسي هو أن الحكومة المصرية قد تعرضت فى السنوات الماضية لحملة حنق وغضب شديدة من قبل المواطنين المصريين بسبب زيادة أسعار الكهرباء، بينما كان الاعتماد على أسعار مدعمة ومنخفضة للطاقة قبل عام 2011. وهو ما دعا الحكومة إلى استخدام الفحم، لأنه أقل تكلفة مقارنة بالمصادر الأخرى التي يتم استيرادها حاليًّا مثل السولار، حيث يبلغ سعر توليد الكيلوواط/ساعة من الفحم حوالي 2.4 سنت، وهو ما يعادل حوالي 40 قرش، بينما سعر توليد الكيلوواط/ساعة من الغاز الطبيعي والسولار يتراوح ما بين 6-8 سنت حاليًا. وتجاهلت الحكومة المصرية عن عمد تحذيرات خبراء البيئة العالميين حول التكلفة الباهظة لمعالجة الآثار الضارة والجانبية جرّاء استخدام الفحم فى توليد الكهرباء على كل من البيئة والإنسان.

وفي حديث لي مع إحدى السيدات القاطنات بمدينة القصير، والقريبة جدًا من موقع إنشاء محطة الحمراوين، دار هذا الحديث:

ما رأيك في إنشاء محطة الحمراوين الكهربائية؟

فأجابت أنها لا تعلم شيئًا عن هذا المشروع، وتعتقد أن معظم سكان مدينة القصير ليس لديهم أدنى فكرة عن تلك المحطة الكهربائية المزمع إنشائها فى السنوات القادمة. هذا الحديث العابر والمختصر مع تلك السيدة الحاصلة على شهادة جامعية يدعونا للحديث عن تجاهل الحكومة لأهمية مشاركة السكان المحليين في صنع القرارات السياسية التي ستمس حياتهم البيئية.

أضف إلى ذلك أن غياب الوعي العام لمعظم السكان المحليين في محافظة البحر الأحمر يشكِّل حاجزًا عقليًّا واجتماعيًّا أمام فهم السكان المحيطين والقريبين من محطة كهرباء الحمراوين حول خطورة تلك المحطّات على حياتهم وبيئتهم، ومن ثم لا نجد اعتراضًا جديًّا نحو إنشاء المحطة المضرة بيئيًّا.

الغريب في الأمر أن مصر لديها مقومات كبيرة لإنتاج الطاقة الكهربائية من مصادر متجددة وبديلة عن الفحم مثل طاقة الشمس والرياح، خاصة فى ظل التطور الرهيب في تكنولوجيات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والتي تتوائم مع طبيعة ساحل البحر الأحمر والصحاري الشاسعة التي يقطنها أعداد قليلة من السكان. لكن بنظرة سريعة على نسب الطاقة الكهربائية الحالية والناتجة من استخدام الطاقة الشمسية والرياح والمصادر البديلة الأخرى، نجد أنها تمثل حوالي 8% فقط من إجمالي الطاقة الكهربائية، وهي نسبة قليلة جدًا، ويقال أن الحكومة المصرية لديها خطة لزيادة تلك النسبة الضئيلة لكي تصل إلى 20% بحلول عام 2022 .

وفي ذات الوقت نجد الحكومة المصرية تهرول بسرعة كبيرة نحو إنشاء محطة كهربائية تعمل بالفحم ستولد 6000 ميجاوات، أي ما يقرب من 13% من الطاقة الحالية، وتتباطأ في الدخول إلى عصر الطاقة المتجددة والنظيفة، وهو ما يذكرني بالمسرحية الشهيرة لوليام شكسبير ”أسمع جعجعةً ولا أرى طحنًا“.

ولا أدري ما السبب في هذا التباطؤ حتى الآن، بالرغم من توافر جميع مقومات إنتاج الطاقة من المصادر البديلة كالشمس والرياح في ساحل البحر الأحمر. وتتخذ الحكومة قرارًا شاذًا نحو الاستثمار في إنتاج الطاقة القذرة بسبب رخص ثمنها فقط! غير عابئةٍ بالتصحر والجفاف وسلامة كوكب الأرض وصحة المواطن المصري، الذي سيتعرض بالتأكيد لمشاكل صحية خطيرة على المدى الطويل.

وللأسف الشديد نقف كمواطنين مكتوفي الأيدي عن إثناء الحكومة المصرية للتراجع عن قرارها ببناء تلك المحطة الملوثة للبيئة رغم خطورتها. هذه الحقيقة المؤلمة يجب أن تحفزنا جميعًا على تظافر الجهود والعمل بجد من أجل تصميم حملات توعويّة لإيقاظ الوعي العام للسكان المحليين نحو قضية استخدام الفحم في توليد الكهرباء وآثاره الضارة على البيئة والصحة العامة فى محافظة البحر الأحمر، لأنني على يقين تام أن رفع الوعي العام للمواطنين هو جوهر الحفاظ على كوكب الأرض من الآثار السلبية للتغيير المناخي.

فريق الإعداد

إعداد: عاطف أحمد

تدقيق لغوي: تسنيم محمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...