تأخذك إلى أعماق الفكر

الشوفينية الصِّداميَّة وجرائم الكراهية

تساؤلات متكررة

“إن الإنسانية كالجيوش في المعركة، تقدُّمُها مرتبط بسرعةِ أبطأ أفرادِها”
غابرييل غارسيا ماركيز

الإنسان مقابل الأرض؟ أم الأرض مقابل الإنسان؟ لطالما حيّرني التساؤل بشأن ما يدور بخَلَد أنصار سيادة الأرض، الذين ينادون بالترحيب، بريِّ أرضهم البُور الجافة، بِسفك الدماء حتى تمتلئ جذورها المتشعبة عميقًا ويصير لون طينها أحمرَ قانيًا؛ وكأنها تضحية مقدسة حتى ترضى عنهم آلهة وثنية قديمة لا تهدأ وترتوي عندما تجف عروق الأُضحية؟

تعساءُ بالفطرة

لطالما كانت المبالغة والمغالاة المصدر الرئيسَ للتعاسة في هذا الكوكب البائس المنغمس في كره ذاته حتى الثمالة، ومع تقدم المجتمعات هدأ المتطور منها وتخلص من أجزاء كبيرة من مغالاته في تقديس الأشياء. أمّا المجتمعات العربية فلم يؤثر الزمن والتطور على مشاعرِ المبالغة والمغالاة لديها، وتتربع الشوفينية على عرش المغالاة داخل المجتمعات العربية، لذا فهي الأكثر تعاسةً بين شعوب العالم.

نيكولا شوفان

لم يكن هناك تعريف واضح لتلك الحالة المبالغ فيها من التعصب للأشياء مع مزيج مُتَّقدٍ من العنجهية والعجرفة في سلوك الأشخاص، قبل ظهور الجندي الفرنسي نيكولاس شوفان (Nicolas Chauvin) الذي ضرب نموذجًا مثاليًّا في الدفاع المستميت عن نظام بونابرت، بل في التطاول والتشكيك في نزاهة كل من انتقد دوافع بونابرت أو عارضه، رغم أنّ فشل بونابرت وانحراف فكره العسكري كان واضحًا، لكنّ شوفان واصل التحقير والتشكيك في كلِّ من أبدى مجرد رأي عن غباء النظام تحت قيادة بونابرت.

إعلان

الأسباب النفسية

نيكولا شوفان ليس بحالة فريدة من نوعها، بل على العكس تمامًا؛ إذ لطالما حيّرت ظاهرةُ الدفاع عن نظام فاسد، وإن كان الفرد لا يستفيد منه، علماءَ النفس والاجتماع. إذ يكون المُدافع في معظم الأحيان فردًا متضررًا من النظام بشكل واضح! فسَّر ذلك عالمُ النفس الأخلاقي جوناثان هايدت (Jonathan Haidt) بأنّ حُمّى الوطنية المفرطة تنبع من حاجة الفرد أن يشعر بالأمان، فالوطن يحقق لمجموعة من الأفراد الذين يقطنون نفس المنطقة شعور الولاء والانتماء، وهذه المشاعر تنفي الشعور بالخطر بل وتعزز مشاعرَ الاحتضان والحماية.

هل يكفي الانتماء للجموع؟

لكي يستطيع الفرد التماهي مع النظام ضمن مجموعة من الأفراد تحت أي مسمًّى، عليه أن يغض النظر عن أخطاء هذه الجماعة. فيَتمُّ ببساطة بثُّ مبادئ بداخل نفوس الأفراد المنتمين لهذه المجموعة مما يوضّح مميزات الولاء من احتضان وفخر، وعواقب الخيانة من نبذ وطرد؛ مما يسبب لهم الإحساس مجددًا بالمشاعر التي يرهبونها مثل الخوف والخطر والخوف من النبذ، فيبدأ عقلهم في ممارسة الحيل كي يضمن بقاءه داخل المجموعة، فَيَغُضُّ الطرف عن أشياء كانت عكس معتقداته وعكس المنطق ويبرر ذلك بالضرورة أو المصلحة العليا أو الظروف الحالية.. إلخ.

خطورة الإفراط في الانتماء

الشعور بالانتماء والولاء شعور نبيل ومفيد إذا تم استخدامه بشكل طبيعي، أمّا الإفراط في الانتماء لدرجة الولاء المطلق المصحوب بتبريرات غير منطقية يمثل خطرًا. ويصل هذا  إلى درجة الذعر لمجرد التفكير خارج إطار المجموعة أو مخالفتهم في الآراء والمُعتقدات، فيَصِلُ الفرد لدرجة تقديس النظام، وهذا التقديس قد يدفعه لارتكاب أفعال تنافي المنطق والأخلاق، فتصبح السرقة والكذب والقتل أمورًا مشروعةً مقابل تقديس الانتماء للنظام، وأيّ معارض للنظام يصبح عدوًا شخصيًّا خائنًا يستحق الإبادة.

التعصب

التعصب ظاهرةٌ قديمةٌ، وهي أصل مصطلح الشوفينية. فأمثال شوفان وُجِدوا في كل زمان ومكان، والدافع كما ذُكِرَ هو دفع الشعور بالخطر جانبًا عن طريق الانتماء إلى مجموعة، والتعصب هو أساس التمييز العنصريّ والدينيّ والطائفيّ والجنسيّ والطبقيّ. ويمكن تعريف التعصب بأنه شعور داخلي يجعل الإنسان يتشدد فيرى نفسه دائمًا على حق، ويرى الآخر على باطل بلا حجة أو برهان. ويظهر هذا الشعور بصورة ممارسات ومواقفَ متزمّتةٍ ينطوي عليها احتقار الآخر وعدم الاعتراف بحقوقه وإنسانيته.

هل يُعتبَر التعصبُ اضطرابًا أم مجرد مشاعر طبيعية

تَوصَّل غالبية علماء النفس الاجتماعي بالإجماع إلى أنّ: “صاحب الشخصية التعصبية هو نفسه صاحب الشخصية المضطربة”، ويعرِّف قاموس العلوم الاجتماعية التعصبَ بأنه “غلوٌّ في التعلق بشخص أو فكرة أو مبدأ أو عقيدة بحيث لا يدع مكانًا للتسامح وقد يؤدي إلى العنف والاستماتة”. والتعصب كما تشير العلوم الاجتماعية الحديثة يمثِّل اتجاهًا ينطوي على التهيؤ الفردي أو الجماعي للتفكير أو الإدراك أو الشعور وممارسة سلوك إيجابي أو سلبي تجاه جماعة أخرى أو أي من أفرادها.

الأسباب المؤدية للتعصب

أهم الأسباب المؤدية للتعصب التي شرحها علماء النفس والاجتماع هي:

  • الشعور بالنقص الذاتي
  • الجهل ونقص المعرفة
  • تقديس البشر والغلو فيهم
  • تضخم الذات
  • الانغلاق وضيق الأفق
  • النشأة الاجتماعية
  • الفهم الخاطئ للنصوص الدينية
  • غياب الهدف
  • غياب أخلاقيات التعامل مع من يخالفه الرأي
  • تلبية المصالح الشخصية
  • غياب دور المؤسسات التربوية
  • غياب العدل والمساواة
  • سيادة مبدأ القوة
  • التعامل العنيف بين الطوائف والجماعات المختلفة

مظاهر التعصب

تعددت مظاهر التعصب تبعًا لعادات المجتمعات، لكن من المتَّفَق عليه أنّ المظاهر السائدة هي كالتالي:

  • التمييز العنصري: يطرأ هذا النوع من التعصب بسبب الجنس كتمييز الذكور ضد الإناث، أو اللون كتمييز الأبيض ضد الأسود، أو التمييز لاختلاف الأرض والوطن كالتمييز الحاصل ضد المهاجرين واللاجئين.
  • التعصب الفكري: وهو رفض فكر الآخر وعدم قبوله والاستماع إليه، وترك التجرد والإنصاف في الحكم عليه.
  • التعصب القومي: وهو الانتصار للقومية التي ينتسب إليها لمجرد القومية.
  • التعصب المذهبي أو الطائفي: وهذا النوع من التعصب يقع في جميع الديانات.
  • التعصب الرياضي: وهو أحد مظاهر التعصب التي انتشرت مع انتشار بعض الرياضات ككرة القدم مثلًا.
  • التعصب الديني: وهو أن يتم تمييز الفرد بالإيجاب أو السلب بناء على انتمائه لدين معيّن.

خطاب الكراهية

يُعرَف خطاب الكراهيّة (Hate speech) بأنّه عباراتٌ تؤيد التحريض على الضرر ضد مجموعة من الأقليات والضعفاء، ويكون الخطاب مفعمًا بالكراهية ويتعارض مع قيم التسامح والعيش المشترك التي تحتاجها الجماعات البشرية. إنّ العلاقة بين خطاب الكراهية والشوفينية الصدامية علاقةٌ وثيقةٌ، إذ تحرّض الشوفينية ضد كل من خالف رأي الجماعة، ويصل العداء لدرجة المطالبة برأس المخالف؛ والتعصب هو الأب الشرعي لكليهما، فحيث وُجِد التعصب وجد مع مزيج من الشوفينية بمعناها الأصلي، ووجد أيضاً خطاب كراهيّةٍ تحريضيٍّ شديد اللهجة.

جرائم الكراهية

جريمة الكراهية هي جريمة ذات دوافع مسبقة، تحدث عندما يَستهدِف مرتكب الجريمة ضحية بسبب عضويته أو عضويته المفترضة في مجموعة اجتماعية معينة أو عِرق معين أو الإعاقة أو اللغة أو الجنسية أو المظهر الجسدي أو الدين أو الهوية الجنسية أو التوجه الجنسي. وتشمل هذه الجرائم المضايقة أو الإساءة اللفظية أو الإهانات، أو الكتابة على الجدران (رسائل الكراهية)، أو البلطجة أو الإضرار بالممتلكات، وصولًا  إلى الاعتداء الجسدي الذي يصل  إلى القتل. رغم حداثة استخدام مصطلح “جرائم الكراهية” الذي ظهر في ثمانينات القرن العشرين، إلا أنّه يعبر عن كل ما حدث من جرائم مماثلة عبر التاريخ بأثر رجعيّ.

العلاقة بين الشوفينية الصِداميّة وجرائم الكراهية

الرابط بين الشوفينية والاندفاع بالقول أو بالفعل بهدف المساس بأمن أحد الأفراد واضحٌ دون شك في جرائم الكراهية.  ففي أحيانٍ كثيرة، يؤدي تعصب الأفراد  إلى استباحة الأذى في حق الأفراد المخالفين لهم. فالشوفينية الدينية أدت إلى جرائم كراهية لا تُعد ولا تُحصى عبر التاريخ، فاضطهاد أي فرد مخالف للعقيدة الدينية السائدة في مجتمعه أمرٌ لا مفر منه، حتى الأنبياء والرسل لم يسلموا منها.

جرائم الكراهية في المجتمعات

تظل جرائم الكراهية وصمةَ عارٍ بحقِّ الشعوب مهما بلغ تقدمها، فلا فرق بذلك بين شعوب العالم الأول أو الثالث. فالهمجية ومشاعر الكراهية تكون المحرِّكَ الرئيسَ للفرد القائم بذلك العمل المشين، ولا فرق بين الطالب المدرسي الذي يمارس التنمر على زملائه بالقول أو بالفعل ومن يقوم بقتل شخص أو أشخاص لاختلاف دينهم أو لونهم أو أصولهم أو حتى ميولهم الجنسية، فعندما ننبش بداخل الفرد، سنكتشف أنّ خَوفَه من فَقْدِ الكيان الذي يعتز بانتمائه له دفَعَه للقيام بتلك الجرائم.

المصادر :
كتاب جرائم التمييز والحض علي الكراهية العنف دراسة مقارنة
كتاب العقل الصائب لجوناثان هايدت
Holo.net

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: هند عزت

تدقيق لغوي: راما ياسين المقوسي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.