تأخذك إلى أعماق الفكر

بحثًا عن هدف في حياة بلا معنى!

قد يُخيَّل للإنسان أحيانًا في لحظاتِ تأمُّله أن الغرضَ الحقيقيَّ من الحياة هو بلوغ السعادة. وهذا ليس إلا وهمًا، ولا يستقيم على وجه. فالسعادة شعور لحظي، لا يلبث إلا قليلًا ثم يتبدَّد، تاركًا الإنسانَ في حاجةٍ إلى السَّعي نحو مصدر سعادة جديد. وهذا يوافق قولَ الكاتب الأمريكي سيدني هاريس:

إن السعادة ليست مكانًا، بل هي اتِّجاه.

والسعادة ليست أمرًا مستقلًّا بذاته، وليس لها منبعٌ يستطيع الإنسان أن ينهلَ منه متى احتاج إليه. بل هي رهينةٌ دائمًا بمعاناةٍ تسبقُها. وأيُّ أمرٍ مبهجٍ، لا يلبث أن يُصبحَ مصدرًا للملل، حين يعتاد الإنسانُ عليه. المعاناة هي عِلَّةُ السعادةِ ومفتاحُها.

لذة الشبع تسبقها معاناة الجوع. لذة الجنس تسبقها معاناة الشَّبَق. لذة الارتواء تسبقها معاناة الظمأ. وقِسْ على هذه الأمثلة ما لا حصر له من الثنائيات: النجاح والترقُّب. الشفاء والمرض. اشتداد الحرارة وبرودة جهاز التكييف. البرودة والأغطية السميكة. الفوضى والنظام. الإرهاق والنوم. لا بدَّ من معاناةٍ لكي تتحقَّق السعادة.

ويجب أن نتذكر دائمًا أن السعادة مهما عظمت، لا تدوم إلا لحظات، قبل أن ينقشعَ أثرُها. المعاناة تُشبه أن تنفخ في بالون مطاطي حتى يبلغ أقصى مجالٍ للتمدُّد، والسعادة هي لحظة انفجار البالون. هل يظل البالون ينفجر للأبد؟

ولذلك علينا أن ننتبه إلى حقيقةٍ في غاية الأهمية، هي أن من يتخذ السعادة هدفًا للحياة، هو مجرَّد كائن تحرِّكه الغريزة، ولم يأتِ بشيءٍ جديدٍ. كائن تحركه ثنائية ميكانيكية قوامها (المعاناة والتخلُّص من المعاناة)… (الاحتياج والإشباع). دع هذه العملية الغريزية تتم مثلما خُطِّطَ لها، واجعل لحياتك هدفًا مختلفًا.

إعلان

لا تنشغل بالمعاناة؛ فهي وقود الاستمرار في الحياة. الهدف الأسمى الذي ينبغي لنا أن نسعى إليه هو ألَّا نجعل المعاناة أبديَّة، وأن تتمَّ الثنائية الميكانيكية الغريزية بشكلٍ أسرع وأكثر انتظامًا. يجب أن تستقيم دورة المعاناة والسعادة (الاحتياج والإشباع)، كسُنَّة الكون التي علَّمَتْنا أن الخط المستقيم والسكون مرادفان للموت.

وهنا يجب أن نتساءل…

هل تتم دورة المعاناة والسعادة في مصر بشكل سليم؟

كم رجلًا في مجتمعنا أمضى من شبابه أعوامًا طوالًا، بحثًا عن أموالٍ تهيِّئ له الحصول على مسكن مستقل (يحقِّق له التخلص من معاناة الاعتماد على الأبوين)، من أجل الزواج (الذي يحقق له التخلص من معاناة الشهوة والحرمان العاطفي وغريزة البقاء دائمة الإلحاح)؛ وبرغم بحثه، لا ينجح إلا بشقِّ الأنفس، ولا تتحقق سعادته (اللحظية) إلا بعد انتظارٍ طويلٍ يستهلك جهده واستقراره النفسي، قبل أن يدرك لاحقًا أن الزواج لم يكن هو السعادة، وإنما هو مجرَّدُ دورةٍ من دوراتِها قد أُغْلِقَت؟!

كم مريضًا أعياه البحث عن طبيب كفء ليكتشف مرضه ويعالجه، فطال بحثه وانتظاره، قبل أن يتمَّ شفاؤه؟

كم طفلًا طال انتظاره في زنزانة سنوات الدراسة الطويلة، حتى اكتشف في النهاية أن وظيفته كعامل نظافة في مول، أو كسائق تاكسي، لم تقتضِ كل هذه السنوات التي قضاها في تعلُّم ما لا ينفعه؟

والتساؤلات لا حصر لها، والإجابات لا تفضي إلا إلى استنتاج واحد… أن دورة المعاناة والسعادة لا تتم في مجتمعنا إلا بعد انتظارٍ طويل جدًّا، لا يهيِّئ لنا البحث عن مصادر جديدة للسعادة بأسرع وقت، ولذلك لا نتمكن من تحقيق أي ازدهار اقتصادي، ونزداد تعاسةً يومًا بعد يوم، وتتفشَّى الأمراض النفسية التي تنشأ دائمًا من عدم إتمام دورات (الاحتياج والإشباع)، وعدم غلق مساراتها العصبية داخل الدماغ، أو غلق هذه الدوائر على نحو خاطئ أو مصطنَع هش، أو أن يبقى الإنسان معلَّقًا ينتظر ما لا يجيء!

نحن نعيش في دوامة الانتظار.

وما يزيد الأمور سوءًا، هو السلوك المصري الضارب بجذوره في أعماق التاريخ. السخرية من مصادر المعاناة. وقد تضخَّم هذا السلوك بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حتى كاد يطيح بكل ما كتبتُه قبل هذه الفقرة!

لقد اتفقنا على أن السعادة هي لحظة انفجار بالون المعاناة؛ أليس كذلك؟ ماذا سيحدث إذًا لو ظهر لك شخص يُفرغ بالون معاناته كلما امتلأ قليلًا، بحيث لا يسمح له بأن يبلغ المدى الأقصى لامتلائه، حتى الانفجار؟ ببساطة، لن يتخلَّص أبدًا من المعاناة، ولن يصل أبدًا إلى السعادة الكاملة، التي تدفعه إلى خلق أهداف جديدة للحياة، والبدء في دوائر أخرى سعيًا نحو إتمامها. هذا هو ما يحدث في مصر. إن النكتة و(الألشة) كلمةُ سرِّ عجزِنا عن السير إلى الأمام. تفريغ لحظي، وتخدير للمعاناة. وسيلة للتعمية على المشكلة الحقيقية، ولتناسيها فيما بعد.

لكننا على كلِّ حالٍ معذورون. إن عصور الاحتلال المتتالية التي رسَّخَت فينا ثقافة القهر، وطوَّرت لدينا حيلًا دفاعيةً مثبِّطةً للهمم، هي السبب الرئيسي لعدم قدرتنا على إتمام دورة المعاناة والسعادة (الاحتياج والإشباع) بشكل سليم.

على كل حال، هذا المقال لا يقدِّم إجابات بقدر ما يطرح تساؤلات، ولا يقدِّم روشتة للعلاج، وإنما هو مجرَّد تشخيص، إن لم ينفع، فهو لن يضر. وأنا متأكد من أنه إذا نشر، فسوف يُتمُّ دورةً جديدةً من دورات سعادتي. ألا تتفق معي في هذا؟!

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.