تأخذك إلى أعماق الفكر

الجاذبيّة والصراع الهزليّ بين العلم والدين

تكاثرت الأقاويل مؤخرًا حول مصدر الجاذبية الأرضية، ومن المثير حقًا أنه بعدما كنا نذكر في بداية هذه الألفية أنّ بحلول عام 2018 سيكون الإنسان قادرًا على التواصل مع الكائنات الفضائية، وربما نكون قد صنعنا مستعمرات خارج الأرض، ها هم العرب قد حطموا كل هذه الآمال بالطبع، وأصبحت أول نقاشات عام 2018 هي:

“الدين يقول قبل 1400 سنة أنّ الجاذبية آتية من خارج الأرض، والعلم يؤيد هذا الآن… لا تخرج قبل أن تقول سبحان الله!”

ولعلّ تأثير لفظ “الدين” على البعض كان كوقع الصاعقة. فحتى إن تنافى فكرُ ذاكرِ العبارة السابقة معك، إلا أنّ معارضته تُرهبك بعض الشيء. لكن دعنا ننصاع لهذا الأمر ونوضّح من البداية ما هي الجاذبية.

ما هي الجاذبية؟

يُعدّ اكتشاف الجاذبية الذي توصل إليه العالم إسحاق نيوتن بمثابة نقلة في مجرى تاريخ الميكانيكا الكلاسيكية. فقد كانت فكرته بمثابة النقطة الفارقة بين العلوم الحديثة والكلاسيكية. وكانت هذه النقطة الفارقة التي سُميت بقانون الجذب العام تنصّ على: “أي قوة ناشئة بين كتلتين في الكون، تتناسب طرديًا مع حاصل ضرب كتلتيهما، وعكسيًا مع مربع المسافة بينهما”، مما يُثبت نظرياً الفرق الجوهري بين الكتلة والوزن، فلكلّ الأجسام كتلة ثابتة وهي مقدار ما تحويه تلك الأجسام من مادة، أما وزنها فيختلف من مكان لآخر. حيث يعتمد الوزن على عاملين؛ الأوّل ثابت وهو كتلة الجسم، والثاني يختلف من مكان لآخر وهو عجلة الجاذبية.

حسنٌ، هذه هي الجاذبية الكلاسيكية التي اعتُمِد عليها في وصف الجاذبية فيما قبل القرن العشرين. ماذا بعد القرن العشرين إذًا؟ هنا نصل لآينشتاين وتفسيراته التي بُني عليها كل ما هو حديث. فقد استخدم في وصفه التعبير عن الجاذبية باستخدام الزمان والمكان كمنحنى أو نسيج يُحدث فيه اضطراب يسبب هذه الجاذبية.

ما الفرق إذًا بين جاذبية نيوتن وجاذبية آينشتاين؟

ظلّت نظرية نيوتن في الجاذبية قائمة حتى ظهور آينشتاين، فقد طرح سؤالًا يختلف الجواب عليه في كلتا النظريتين.

إعلان

ماذا يحدث إذا اختفت الشمس فجأة؟

تبعًا لقوانين نيوتن، فالشمس والأرض كتلتان ضخمتان، الشمس كتلة أكبر بالطبع، يستشعر كل منهما قوة جذب الكتلة الأخرى له، فينجذبان، وطبقًا لقانون نيوتن الثاني للحركة فقيمة التسارع الحادث لجسم ما نتيجة القوة المؤثرة عليه يساوي خارج قسمة القوة وكتلة الجسم، وبالتالي فحتى إن كانت القوى المؤثرة على الأرض والشمس متساوية في المقدار، فالتسارع سيكون أقل على الشمس من الأرض.. وبالتالي تظلّ الشمس هي محور الدوران والأرض تتسارع بمعدل أكبر. وبناءً على ذلك، فإن اختفت الشمس فجأة فستطير الأرض “فورًا” بعيدًا عن محورها وسيبعثر كل شيء في لحظة يمكن ملاحظتها بمجرد اختفاء الشمس.

أما بالنسبية لآينشتاين، فالأمر مختلف. فلا شيء تبعًا لنسبيته الخاصة يستطيع تعدي سرعة الضوء، فحتى عند اختفاء الشمس ستأخذ الجاذبية مهلتها حتى تختفي وصولًا إلى الأرض، وبالتالي لن يكون التأثير فوريًا.

دعنا نتعمق قليلًا في جاذبية آينشتاين…

دائمًا ما تمثل نظرية آينشتاين بمثال كرة البولينج الموضوع على الترامبولين المشدود على قطعتي حديد. ستلاحظ هنا انحناء الترامبولين -أو أيًّا كان النسيج- فإذا وضعت كرة أخرى أخفّ من كرة البولينج على نفس النسيج بعدها.. ستلاحظ تحرّك انجذاب- هذه الكرة ناحية كرة البولينج نتيجة الإنحناء وليس بسبب أي قوي تصدر عن الكتل. وهذا ما يوضحه أينشتاين كمثال بأن الجاذبية تأثير هندسي في منحني الزمكان وليس قوي مجهولة المصدر. *هذا المثال ليس دقيقًا، فكُرة البولينج تصنع انحناءً نتيجة جاذبية الأرض. فالأمر يختلف في الأبعاد الحقيقية ولكنّ المثال لتوضيح الشكل الهندسي فقط.*

(91) Gravity Visualized – YouTube
فالأمر بإختصار كما يقع في حدود مجموعتنا الشمسية، أنه عندما تحني الشمس بكتلتها الكبيرة بالنسبة لباقي الكواكب الزمكان، تكوّن تقوس في الزمكان “مخروطي” الشكل، ولكن علي الشكل الهندسي فالكوكاب تندرج ناحية هذا المخروط في خظوط جيوديسية -تعميم للخط المستقيم في الهندسة التفاضلية- وليس في شكل دائري كما يظهر لنا.

رسم توضيحي لانحناء الزمكان في حالة الأرض والشمس.
الشكل المخروطي الناتج عن انحناء الزمكان.

ما علاقة موجات الجاذبية ودراستها بالأمر؟

موجات الجاذبية أو الموجات الثقالية هي عبارة عن ذبذبات تنبأ بها أينشتاين، فعندما يحدث هذا الخلل أو الانحناء كما ذكرنا سلفًا في نسيج الزمكان يُحدث هذا ذبذبات ضعيفة القوى تسمى بموجات الجاذبية. ولكن دعني أوضح لك بعض النقاط التي يحدث فيها لبس عند البعض في فهم الموجات الثقالية:

  • طبقاً لنظرة أينشتاين أن لا يمكن لشيء تخطي سرعة الضوء، فإنحناء الزمكان كذلك لا يمكن أن يكون بسرعة الضوء، فيأخذ وقتاً في التمدد مما يولد هذه الذبذبات التي تدعي الموجات الثقالية.
  • في حين تحتاج الموجات الكهرومغناطيسية إلى تسارع شحنات لتنشأ، فكذلك الموجات الثقالية تحتاج إلى تسارع كتل مثل الشمس والأرض.
  • لا تتولّد موجات الجاذبية عن جسم مفرد لا يدور، فهذا يخلّ بالزخم، وللحفاظ على التوازن يجب أن ينتج الإشعاع عن كتلتين كلاهما في حالة دوران.
  • نظرًا لصغر قيمتها؛ حيث أنها أقلّ القوى الأربعة قوةً، فيصعب رصدها، وبالتالي صعب على أينشتاين في حياته إثبات وجود هذه الموجات عمليًا.
    فكمثال، حركة الأرض حول الشمس تتولّد عنها موجات ثقالية تعادل 200,000 واط تقريبًا، وهي كميّة طاقة لا تُذكر تقريبًا بالمقارنة بطاقة الأرض ذاتها. وبالتالي يستحيل دراستها أو التأكد مما ذكره أينشتاين فيها حتى. كيف تخطّى العلماء ذلك إذًا؟

الكشف عن الموجات الثقالية

في عام 2016 نشر مرصد (LEGO) وهو مرصد بمواصفات خاصة تعتمد على أشعّة لن نتطرق لشرحها في هذا المقال، استطاع العلماء عن طريقه رصد موجات الجاذبية، وذلك عن طريق رصد تلك الموجات التي تتولد عند تصادم ثقابين أسودين عملاقين، فكما ذكرنا، كلما زادت الكتلة زاد انحناء الزمكان وزادت الذبذبات، وبالتالي عند اصطدامٍ كهذا ستكون الموجات الثقالية الناتجة عنه قدر هذا الانحناء الهائل، مما يوفقنا في دراستها وإعلان النصر لجبهة آينشتاين.

ما علاقة هذا الاكتشاف بالأرض؟

لا شيء سيدي، لا من قريب ولا من بعيد. فكلّ دقيقة تمرّ ونحن نتحدث في أمورٍ كهذي ترصد المراصد العديد من الموجات المختلفة من كلّ بقاع الكون، ليس لهذه الموجات أي علاقة بوجودنا على الأرض وليس على المشتري حتى. إنها فقط تُرصد لتساعدنا على فهم ما يدرو حولنا، والتعرف على عالم خارجي لا متناهي.

أخيرًا، هل العلم وسيلة لإثبات صحّة الدين؟

بعيدًا عن كون عدم قدرة البعض على فهم جمل بسيطة التركيب في الكتب السماوية، أو حتى اقتناصهم الفرصة لوجود جمل يستعصي على القارئ العاديّ فهمها فيفتون كما يُحبّب لهم. الدّين معنى واصطلاحًا هو القانون أو المبدأ الذي تؤمن به دون الحاجة إلى دليل ماديّ عليه، تؤمن فقط لأنّك تؤمن. وبالتالي فكل حامل كتاب سماوي يتوجب عليه التصديق بكل ما يحمله هذا الكتاب دون الحاجة إلى إثبات عمليّ لأيّ منها.

كما أنّ الدّين غير مطالب نهائيًا بتفسير أيّ من الظواهر الكونية، ولا بشرح معضلات فزيائية. فالكتاب السماويّ عندما يلقي بناظرك على آية من آيات الله في خلقه فإنّه يريد منك بذكرها التأمّل والتدبّر والتفهّم لأنّ العلم ركن مهمّ وعمد لقيام البشريّة. أمّا في حالة أنّك استندت على كتاب سماويّ كمرجع علميّ، فيتوجب عليك سيّدي أن تأتي بأفكارك أولًا، ثمّ تثبتها عمليًا ونظريًّا، وليس الانتظار حتى يأتي الآخرون بأفكارهم، فتبحث عمّا قد يشابهها في الكتاب. فحتمًا لم يُرِد الله لكتبه السماويّة أن تكون بهذا الشأن.

 

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.