تأخذك إلى أعماق الفكر

اصطدام نجمين في زمان الديناصورات ينتج تريليونات الأطنان من الذهب ويثبت نظرية آينشتاين

0

مقال مشترك للكاتب أحمد محمد والكاتب محمد الغنفري

رصد الفلكيون في 17 أغسطس الماضي موجات نتجت عن اصطدام نجمين نيوترونين حدث منذ 130 مليون عام في مجرة بعيدة جدا عنا، وبذلكتم هذا الاصطدام في وقت كانت تعيش فيه الديناصورات على الأرض، ولكن لم يستطع العلماء رصد الموجات الناتجة عنه سوى هذه الأيام ، ويقول موقع كوارتز العلمي الذي نشر الخبر أن هذا الاكتشاف المذهل والكبير جهد مشترك من 1500 عالم فلكي في 3 مراصد أميريكية وأوروبية عاينوا من قبل موجات الجاذبية التي تنبأ بها آينشتاين منذ عام 1916 م وبعد هذا الحدث عاينوا الموجات للمرة الثانية، وقال عالم الفلك السويدي ستيفن بالمر الذي شارك في بناء مرصد ليجو أن كتلة مانتج من ذهب بعد الاصطدام بين النجمين تزيد عن كتلة القمر .

كيف نشأت النجوم ؟

النجوم تلك المفاعلات الضخمة التي تجعل أي مفاعل نووي بسيط لاشئ مقارنة بها، لقد كانت منذ القدم أجساما مبهمة لنا نحن البشر، اعتبرناها نقاطا مضيئة هدفها ارشادنا نحو مسارنا حول الأرض، وهناك من سحره لمعانها فتاه في رونق الرومانسية ونسج أساطير عن نجوم كانت بشرا مازالت تحكى حتى الآن، لكن مع تطور بنيات أفكارنا تغيرت نظرتنا للنجوم خاصة بعد اكتشاف التلسكوبات، وتأكدنا أن النجوم ليست شموعا في مائدة الرومانسية كما اعتدنا أن ننظر إليها .

تولد النجوم عندما يتكثف الغاز والغبار النجمي داخل غيمة تتألف أغلبها من الهيدروجين، وهذا الأخير يعتبر العنصر الوحيد الذي لم يتكون من النجوم بل تكون خلال الانفجار الكبير . يحدث لهذه الغيمة انهيار جاذبي فتصطدم جزيئات الغاز داخل الغيمة مما يرفع درجة حرارتها، وتصل درجة الحرارة للحد الذي يبدأ فيه الهيدروجين بالتحول عبر الدمج إلى الهيليوم، فتنتج 4 نوى هيدروجين لتشكل نواة هيليوم واحدة ويرافق ذلك انطلاق فوتون أشعة جاما، ويشق الفوتون طريقه تدريجيا عبر عمليات امتصاصه وطرحه بوساطة المادة المحيطة به نحو سطح النجم، وهو يفقد جزء جزءا من طاقته في كل خطوة من رحلته الملحمية حتى يصل إلى السطح ويشع في الفضاء على شكل ضوء مرئي، لقد أضئ النجم الآن وتوقف الانهيار الجاذبي للغيمة قبل النجمية، ويعتمد الآن ثقل الطبقات الخارجية للنجم على الحرارة والضغوط العلية التي تتولد في التفاعلات النووية الداخلية، وبعد ذلك ربما يحدث انفجارات للنجوم مثل انفجار السوبرنوفا فتضغط على المادة بجوارها مما يمهد لمرحلة جديدة من الانهيار الغيمي وتشكل نجما آخر، وبهذا المعنى يكون للنجوم آباء وعلى غرار مايحدث للبشر أنفسهم فإن الأب قد يموت في الوقت الذي يولد فيه الابن، والنجوم شأنها شأن الشمس تولد على دفعات في المجموعة الغيمية المضغوطة جدا كالغيم الديمي المعروف باسم الجوزاء، وتبدو هذه الغيوم عند النظر إليها من الخارج قاتمة ومظلمة، لكنها تكوم من الداخل مضاءة بشكل متألق بالنجوم المولودة حديثا .

إعلان

دورة حياة النجوم :

يتوقف مصير النجم ونهاية دورة حياته إلى حد كبير على كتلته الأولية . وإذا احتفظ نجم ما بعد أن يفقد جزءا من مادته في الفضاء بكتلة أكبر من الشمس بمرتين أو ثلاث مرات ، فإنه ينهي دورة حياته بأسلوب مختلف إلى حد مذهل عن الشمس ومصير الشمس ذاتها مأساوي بما فيه الكفاية ، فعندما يتفاعل الهيدروجين المركزي كله متحولا إلى الهيليوم بعد خمسة أو ستة مليارات سنة من الآن فإن منطقة تفاعل الدمج النووي الحراري سوف تهاجر ببطء إلى الخارج بشكل قشرة متمددة من التفاعلات النووية الحرارية حتى تصل إلى المكان الذي تكون فيه درجات الحرارة إقل من عشرة ملايين درجة مئوية تقريبا . وعندئذ تتوقف تفاعلات الاندماج النووي تلقائيا ، وفي الوقت ذاته فإن الجاذبية الذاتية للشمس سوف تفرض تقلصا جديدا على المركز المخصب بالهيليوم وزيادة أخرى في درجات الحرارة والضغط داخلها . وستتراص نوى الهيليوم بدرجة أكبر تجعلها أشد التصاقا بعضها ببض . وتشرع خطافات القوى النووية القصيرة المدى بعملها على الرغم من قوة التنافر الكهربي ، وعندئذ يصبح الرماد وقودا وتنطلق الشمس في دورة ثانية من تفاعلات الاندماج النووي . سوف تولد هذه العملية عنصري الكربون والأكسجين ، ويؤمن ذلك طاقة إضافية للشمس كي تستمر في الإضاءة لفترة محدودة . ثم تتعرض الشمس لتغير كبير بسبب التأثير المشترك لاندماج الهيدروجين في القشرة الرقيقة البعيدة داخل الشمس . ويتمدد خلاله قسمها الخارجي ويبرد وتصبح الشمس نجما أحمرا عملاقا يبتلع عطارد والزهرة وربما الأرض

إن أي نجمين لهما الكتلة نفسها سوف يتطوران بشكل متماثل تقريبا، ولكن النجم ذا الكتلة الأكبر سوف يستهلك وقوده النووي بسرعة أكبر . ومايلبث أن يصبح عملاقا أحمرا ويسبق الآخر في التدهور إلى مرحلة القزم الأبيض النهائية، وهكذا فلا بد أن يكون هناك الآن الكثير من حالات النجوم المزدوجة ( سنتحدث عنها لاحقا ) التي يكون عملاقا أحمرا والثاني قزما أبيضا، إن نجما كشمسنا سوف ينهي حياته كما رأينا بأن يصبح عملاقا أحمرا ثم قزما أبيضا . أما النجم البالغ ضعفي كتلة الشمس يصبح عندما ينهار مستعرا أعظم ( سوبرنوفا ) ثم يتحول لنجم نيوتروني، ولكن نجما أكبر ضخامة يبقى بعد مروره بمرحلة المستعر الأعظم مساويا على سبيل المثال لخمسة أضعاف كتلة الشمس ينتظره مصير آخر أكثر أهمية إذ تحوله جاذبيته لثقب أسود .

النجوم النيوترونية والكوازرات والثقوب السوداء :

تتكون النجوم النيوترونية ( كما ذكرنا ) نتيجة للانفجارات النجمية التي تعرف باسم السوبر نوفا وتحدث هذه الانفجارات عندما تموت النجوم ذات الكثافة العالية وتعتير هذه الظاهرة بمثابة شهادة وفاة للنجم . وتكون النجوم النيوترونية صغيرة الحجم مقارنة بالأقزام البيضاء إذ لايزيد نصف قطر النجم النيوتروني عادة عن 16 كم ، أما كثافته فتبلغ مئات الملايين من الأطنان لكل بوصة مكعبة . ولتقريب الصورة فإن ملء ملعقة من الشاي من مادة هذا النجم تعادل وزن جبل من الأرض . وبذلك هي من الثقل بأن لو فرضنا أنك أمسكت بيدك قطعة صغيرة منها ( وهذا مستحيل طبعا ) وأفلتها فإنها يمكن أن تخرق الكرة الأرضية بسهولة كحجر ساقط عبر الهواء محدثة فيها ثقبا لنفسها عبر الكرة الأرضية كلها حتى تخرج من الطرف الىخر منها . فتخرج من الطرف الىخر محلقة للحظات ثم تعود إليها ثانية وتظل على هذا الحال حتى تحدث عدة ثقوب في الأرض حتى توقفها مادة الأرض عن طريق الاحتكاك وتستقر في باطن الأرض ، وستظل الكرة الأرضية مليئة بالثقوب مثل الجبنة السويسرية المثقبة حتى تندمل جروحه بوساطة سيل من الصخور والمعادن المتدفق تحت الارض ( طبعا كل هذا من خيال كارل ساجان ) .
بعد أن أتم أوبنهايمر وفولكوف دراستهما عن النجوم النيوترونية قام أوبنهايمر وتلميذ له يدعى هارتلاند سيندر بدراسة النجوم الأكبر كثافة التي تزيد كتلة النجم فيها عن 2.3 مثل كتلة الشمس . وتوصلا لنتيجة أذهلت الفلكيين في ذلك الوقت 1939 م ولم يقبلها أحد وهي أن هذه النجوم الأكبر من الشمس عندما تنهار تستمر في انهيارها للأبد ولن يقف انهيارها عند حد معين ، ثم يقترب نصف قطر النجم المنهار في النهاية لنصف القطر التجاذبي . وفي بداية الستينات اكتشف الفلكيون الكوازرات وهي من أغرب الاجرام الكونية العملاقة ، فهي تطلق موجات إشعاعية عاتية . وحار الفلكيون في أمرها وذلك بسبب كميات الطاقة الهائلة التي تنطلق منها والتي لايمكن أن تكون بسبب انفجارات نووية عادية في النجوم . وفي سنة 1963 م قال الأستاذ فريد هويل الأستاذ بجامعة كمبريدج ووليم فولر الأستاذ بجامعة كالتك . إن الكوازرات ماهي إلا نجوم عملاقة تشكل مرحلة من مراحل انهيار النجوم وتكوين الثقوب السوداء . وهي تشع كميات هائلة من الطاقة الإشعاعية في أثناء تقلصها وانهيارها .
تتكون الثقوب السوداء بانهيار النجوم على أن تكون الكتلة النهائية لكل نجم بعد الانهيار أكبر من 3.2 مرة مثل كتلة الشمس ، وتختلف الثقوب السوداء عن النجوم النيوترونية والاقزام البيضاء . فالثقب الأسود عبارة عن فضاء فارغ يحيط بنقطة مركزية تتركز فيها كل مادة أو كتلة الثقب الاسود وهي نقطة غريبة شاذة ولذا تعرف بالمفردة . والمفردة ذات كثافة غير محدودة أو لانهائية القيمة وذات أبعاد صفرية ولاتنطبق عليها معادلات النظرية النسبية العامة لآينشتاين . والثقب الأسود عبارة عن كرة سوداء يمتلك جاذبية شديدة ولذلك فهو يجذب كل شئ حوله من الفضاء المحيط به حتى الضوء . وهذه الكرة السوداء يصل قطرها عدد قليل من الاميال ويطلق على سطح الثقب الاسود أفق الحدث ونصف قطره يسمى نصف القطر التجاذبي . وإذا أردت أن تفحص الفضاء في المنطقة المحيطة بثقب أسود ، مستعينا بكشاف ضوئي مناسب فإنك سوف تلاحظ التواء الفضاء حول جسم الثقب الأسود ( وهذا ماسيتم شرحه بالتفصيل عند الحديث عن الجاذبية ) .

الثنائيات النجمية :

وهي ظاهرة في الفضاء يسهل رصدها إذا وجهت منظارا للسماء فإنك تجد نقطتين مضيئتين مقتربتين من بعضهما البعض في السماء أشد الاقتراب . وهي عبارة عن نجمان يشد بعضهما بعضا ويدور كل منهما حول الآخر ، ورابطة الجاذبية تربطهما فلا يستطيعان فكاكا . ومن أشهر الثنائيات النجمية الشعرى اليمانية ونجم آخر معها . ولايشترط تساوي حجميهما فالفرق بين الشعرى اليمانية وصاحبها هائل فالشعرى اليمانية أكبر من الشمس وصاحبها قزم من أقزام النجوم البيض يكبر الأرض ثلاث مرات أو أربعا ولكن أكبر كثافة من كثافة الشعرى . ويقول الفلكيون ربما كان أحد الزوجين في الثنائيات النجمية ثقبا أسودا ولكن هذه الثنائية تظهر لنا كنجم مفرد لأننا لانستطيع رصد الجسم الأسود ولكن هذا في حال نظرنا إليها بالمنظار الضوئي ولكن يوجد طرق أخرى لرصدها عن طريق دراسة طيف النجوم .

 

ثقب أسود يبتلع نجم

كيف تقوم النجوم بصنع المعادن مثل الذهب :

تعتبر النجوم أفران ضخمة ويمكن اعتبارها منشأ مادتنا الحقيقي . فالنجوم هي نوع من المطابخ الكونية التي تطبخ فيها الذرات لتشكل ذرات أثقل . نحن نعرف المحاولات القديمة لتحويل المعادن الرخيصة مثل الحديد والنحاس والألمنيوم إلة معادن نفيسة مثل الذهب وكان يطلق على هذه المحاولات الخيمياء . وباءت المحاولات بالفشل حتى توصلنا لمعرفة التفاعلات النووية الإندماجية التي تستطيع القيام بذلك وهو ما تفعله النجوم . ولفهم ذلك يجب أن نعرف أنه يوجد 92 نوعا مميزا كيميائيا من الذرات الموجودة في الطبيعة . تختلف عن بعضها البعض في عدد النيوترونات فقط . ولذلك يجب فهم تركيب الذرة حسب مفهوم رذرفورد وبور

تتكون ذرة أي عنصر من نواة صغيرة جدا بداخلها عدد من النيوترونات متعادلة الشحنة والبروتونات موجبة الشحنة وخارج النواة جسيمات صغيرة جدا جدا وهي الإلكترونات سالبة الشحنة . مايحدد نوع المادة هو عدد البروتونات الموجبة داخل النواة فمثلا لو أن النواة د\اخلها بروتون واحد تصبح هيدروجين ولو داخلها 11 بروتون تصبح صوديوم ولو كان داخلها 79 بروتون تصبح ذهبا . أما فائدة النيوترونات فهي تقليل قوة التنافر الكهربي بين البروتونات التي تحمل نفس الشحنة بواسطة القوى النووية . إذن مما سبق إذا أردنا تكوين عناصر أعلى في عدد البروتونات مثل الذهب يجب أن ندمج نواتين أو أكثر من عنصرين أو عناصر أقل في عدد البروتونات . ولكن ذلك يتطلب كسر القوى النووية لنواتي ذرتين لإعادة دمجهما مرة أخرى في نواة واحدة كبيرة . ويسمى هذا بتفاعل الاندماج النووي ولكن هذا يتطلب درجات حرارة وضغط عاليين حتى تتحرك الجزيئات بسرعة جد عالية حتى أن القوة النووية لن تجد الوقت الكافي لتعمل وتتفكك النواة . وتكون هذه الحرارة في حدود\ عشرات الملايين من الدرجات المئوية وفي الطبيعة لايوجد مكان تتوفر فيه هذه الكمية الهائلة من الحرارة إلا في النجوم . وللعلم فأنه لصنع تفاعل نووي اندماجي يجب أولا تفجير قنبلة انشطارية مثل قنبلة هيروشيما وناجازاكي لنحصل على ضغط وحرارة كافيين لاتمام التفاعل .
يتكون كوننا من هيدروجين وهيليوم بنسبة 99 في المائة . وكل العناصر في الجدول الدوري تكونت منهما . وكما ذكرنا سابقا فإن كل 4 أنوية هيدروجين ( يوجد بروتون واحد في كل نواة ) يتحدوا معا في النجم لتكون نواة هيليوم ( بها بروتونين في النواة ) وتنطلق اشعة جاما وعرفنا أن النجوم في مرحلة الغنهيار تؤدي لاتحاد أنوية الهيدروجين والهيليوم لتكون الاكسجين ( 8 بروتونات في النواة ) وكربون ( 6 بروتونات في النواة ) . وفي الاصطدام الذي حدث بين الثنائي النجمي الذي نحن بصدده الىن ارتبطت أنوية لعناصر صغيرة معا نتيجة لتفاعلات اندماج نووي بسبب الحرارة العالية جدا لتكون العناصر الثقيلة مثل الذهب ( 79 بروتون في النواة ) والبلاتينيوم ( 78 بروتون في النواة ) واليورانيوم ( 92 بروتون في النواة ) .
والجدير بالذكر أن جسدنا يحتوي على ثلاث أرباعه من المياه وهو يتكون من الاكسجين والهيدروجين ، ونحن نعرف الىن أن الهيدروجين تكون من 13 مليار عام في الإنفجار العظيم بينما الاكسجين كان عليه أن ينتظر ليطهى داخل نجوم كشمسنا . والشئ نفسه صحيح بالنسبة لعنصر آخر في جسمنا هو الكربون . العنصر الذي ترتكز عليه كل أشكال الحياة لكن جسدنا يحتوى أيضا على عناصر أخرى بكميات قليلة مثل الحديد الذي تكون خلال موت النجوم العملاقة عندما وصلوا لنهاية حياتهم . وهناك أيضا عنصر نادر كالزنك والذهب موجود في جسدنا . وعنصر الزنك يتكون في انفجار سوبرنوفا . لقد تم طهي العناصر جميعا في المراجل الكونية ويمكننا جميعا أن نقول أننا مصنوعون من غبار النجوم ، لكن الحقيقة أيضا أننا جميعا مجرد نفايات نووية .

الجاذبية وانحناء الزمكان :

تعتبر الجاذبية أحد القوى الأربعة في الكون وبالرغم من أنها أضعف القوى الأربعة إلا أنها أكثر القوى التي نلاحظها فهي التي تحفظنا وكل ماحولنا من أجسام مرتبطين بسطح الأرض وهي التي تحفظ الهواء الذي نتنفسه من الهروب للفضاء الخارجي كما تحتفظ بالقمر في مداره حول الأرض وتحافظ على الارض في مدارها حول الشمس . وقبل نيوتن لم يكن مفهوما أن سقوط تفاحة من الشجرة على الأرض يشهد بان نفس المبدأ الفيزيائي هو الذي يجعل الكواكب تدور حول الشمس . وكانت نظرة نيوتن للجاذبية أن كل شئ على الغطلاق يمارس قوة جاذبية على كل شئ آخر على الغطلاق . واستنتج نيوتن معتمدا على الدراسة العميقة لتحليل حركة الكواكب لكبلر أن شدة الجاذبية بين جسمين تعتمد على أمرين : كتلة الجسم والمسافة بين الجسمين . وتوصل لمعادلت تنص على أن قوة الجاذبية بين جسمين تتناسب طرديا مع حاصل ضرب كتلتيهما وعكسيا مع مربع المسافة بينهما . ويمكن استخدام قانون الجاذبية هذا للتنبؤ بحركة الكواكب والمذنبات حول الشمس وحركة القمر حول الارض وحركة الصواريخ وكرة البيسبوب . وكان التوافق بين التنبؤات والمشاهدات الفعلية لحركة مثل هذه الاجسام مدهش . وقد اعطى هذا النجاح دعما لاباس به لنظرية نيوتن حتى اوائل القرن العشرين . وماميز هذه النظرة للجاذبية أن تأثيرها لحظي . أي أن الشمس لو اختفت الآن لتحررت الأرض من جاذبيتها في نفس اللحظة . وجاءت النسبية الخاصة لآينشتاين لتهدم التزامن . فالسمة الرئيسية للنسبية الخاصة هي أن الحد المطلق للسرعة ، فأي جسم أو إشارة أو حتى تأثير لايستطيع أن ينتقل بسرعة أكبر من الضوء . وبما أن ضوء الشمس يصلنا بعد 8 دقائق فهذا يعني أنه في حالة اختفاء الشمس فإن جاذبيتها ستظل تحكمنا لمدة 8 دقائق لحين وصول هذا التأثير إلينا . وبرغم هذه المعضلة التي خلقتها النسبية الخاصة لجاذبية نيوتن إلا أنها لم تفسر لنا كيف تعمل الجاذبية . والأمر الثاني الذي تفتقر له جاذبية نيوتن أنها لاتقدم شيئا عن معنى الجاذبية . بمعنى كيف أن جسمين منفصلين فيزيائيا يؤثران الواحد في حركة الآخر ؟ وماهي الوسائل التي تنجز بها الجاذبية رسالتها ؟ . هذه مشكلة كان نيوتن نفسه على دراية بها . وجاءت النسبية العامة لآينشتاين حين سيطر عليه موضوع الجاذبية التي هدم نظريتها السابقة لنيوتن حتى درس العلاقة بين الجاذبية والحركة المتسارعة . وتأثير التسارع على أبعاد الأجسام وبذلك استنتج أن التسارع يؤدي لاعوجاج المكان وكذلك يؤدي لاعوجاج الزمان . وفي لغة أبسط ينسج المكان والزمان معا البنية المتجانسة للزمكان . ومانعنيه باعوجاج الزمن هو إذا تغيرت سرعة مروره من موقع لآخر . وبالتالي فإن جاذبية آينشتاين تنتج عن اعوجاج نسيج الزمكان .

ولفهم ذلك نفترض غشاءا مستويا ذا بعدين وعندما نضع عليه جسما ثقيل سيحدث انحناءا وهذا مايحدث لنسيج الفضاء عندما نضع جسما مثل الشمس . وتبعا لذلك نجد أن الفضاء ليس مجرد مساحة خاملة تمدنا بمسرح لأحداث العالم ، بل إن شكل الفضاء يستجيب للأجسام الموجودة في الوسط المحيط . يؤثر هذا الاعوجاج في الاجسام الأخرى التي تتحرك بالقرب من الشمس حيث أن عليها الآن أن تعبر النسيج الفضائي المشوه . وبالتالي فإن مجال الجاذبية الذي يمسك بالأرض في مدارها ليس فعلا لحظيا غامضا للشمس ، بل هو اعوجاج النسيج الفضائي الذي تسبب به وجود الشمس . وهذا التأثير يصل إلينا بالتأكيد بعد 8 دقائق وهو زمن وصول الضوء من الشمس إلينا حيث أنه لاشئ يسبق الضوء . وبالتالي لو اختفت الشمس الآن فإن نسيج الفضاء سيعود كما كان بداية من الشمس ولكن هذا التأثير لن يصل إلينا سوى بعد 8 دقائق وحينها نشعر أن الشمس اختفت .

وفي وصف آينشتاين للجاذبية ، كلما زادت كتلة الجسم كلما زاد التشوه الذي يحدثه في الفضاء المحيط به . وبالتالي فإن الجاذبية تنتقل عبر الفضاء في صورة تشوه للزمكان في صورة موجات لها سرعة محددة وهذه الموجات يحملها جسيم أولى يدعى الجرافيتون .

كيفية الكشف عن موجات الجاذبية :

حاول العلماء ايجاد سبل للكشف عن هذه الموجات ، ولكن يأس الكثير من العلماء من ملاحظة جرافيتون واحد وهذا يرجع إلى حقيقة أن قوة الجاذبية ضعيفة جدا لدرجة أنه يعتقد أن تفاعلات بين الجرافيتونات والمادة تفوق قدرة الإنسان على ملاحظتها ولو  في المستقبل المنظور . وقال فريمان دايسون من معهد الدراسات المتقدمة في برينستون بنيوجيرسي في مؤتمر عقد من شهر في سنغافورة للاحتفال بذكرى ميلاده التسعون ” أنه من المستحيل فيزيائيا بناء كاشف للجرافيتونات ” ويقول دايسون بأن الطريقة القياسية للبحث عن موجات الجاذبية من خلال ارتداد الضوء بين مجموعة من المرايا ومن ثم قياس التغيرات الدقيقة في انفصالهم ستكون أمرا ميئوسا منه للكشف عن الجرافيتونات . فلكي نكون دقيقين بما فيه الكفاية للكشف عن هذه التغيرات الدقيقة في المسافة الضئيلة بسبب الجرافيتون الواحد فلا بد للمرايا أن تكون ثقيلة جدا لدرجة أنها ستنهار لتكون ثقبا أسودا .

وأخيرا خرج لورانس كراوس بحل يعتمد على اثبات أن توليد الموجات الجذبوية خلال التضخم يتناسب مع مربع ثابت بلانك ، مما يعنى أن الموجات الجاذبية كمية بالفعل . ويقول لورانس كراوس أن ما نأمله أخيرا هو كشف عن إشارة من جرافيتون وحيد تضاعف بفعل تمدد الكون لشئ يمكن ملاحظته . وهذا ماحدث عندما اصطدم النجمين النيترونين اللذان نحن بصدد الحديث عنهما الآن .

تم إنشاء مرصد ليجو للكشف عن الأمواج الثقالية وهي اختصار ( مرصد الموجات الثقالية بالتداخل الليزري ) ويتكون من مرصدين أحدهما في هانفورد والآخر في ليفنستون . وأنشئ عام 1994 م تحت إشراف العالمين كيب ثورن ورونالدو دريفر من كالتيك ورانير وايز من معهد ماساتشوستس للتقنية .وبذلك يتبع ليجو مرصدين تبلغ المسافة بينهما 3000 كيلومتر . ونظرا لأن موجات الجاذبية تنتشر بسرعة الضوء كما ذكرنا فيمكن تحديد موقع مصدر موجه ثقالية ( سوف يسجلها المرصدان ) عن طريق حساب الفرق في وصول الموجة الثقالية إلى المرصدين . كما يمكن بذلك فصل الضوضاء الأرضية التي تنتشر بسرعة الصوت مثل هزات أرضية أو زلازل أو اهتزازات عن قياسات حقيقية لموجات الجاذبية .

يتكون كل مرصد من أنبوبين طويلين متعامدين على بعضهما البعض أفقيا ويبلغ طول الانبوب الواحد 4 كيلومترات ومفرغ من الهواء . ويوجد في تقاطعه الانبوبان مقياسان تداخل ليزري . كما يوجد في مرصد هانفورد جهاز تداخل ثاني يعمل على نفس النظام المفرغ من الهواء ولكن بطول أنبوب 2 كيلومتر .

يقول كيب ثورن عن ليجو ” فتح ليجو نافذة جديدة على الكون . أنتجت النوافذ السابقة . تلك المعتمدة على التلسكوبات البصرية والراديوية مفاجآت كثيرة . لكن جميعها استخدمت الامواج الكهرومغناطيسية . الامواج الثقالية مختلفة بشكل جذري عن الأمواج الكهرومغناطيسية ، وليجو هو البداية فقط لعلم فلك الأمواج الثقالية ”

وصف ثورن أرصادنا السابقة لنسيج الزمكان بأنها محيط هادئ ولطالما تنبأت معادلات آينشتاين بان تصادم الثقوب السوداء سيؤدي إلى ظهور عاصفة عنيفة في نسيج الزمكان . الىن يمكنك سماع العاصفة العنيفة القادمة ويسجل ليجو الامواج الثقالية كصوت . إذ تبدو الامواج الثقالية الناجمة عن تصادم الثقوب السوداء مثل زقزقة صغيرة داخل ضجيج الخلفية الكونية .

المراجع :

1 – الكون تأليف كارل ساجان

2 – بداية الكون من الافلاك للبشر تالف جون فايفر

3 – الكون والثقوب السوداء تأليف رؤوف وصفي

4 – الكون في قشرة جوز تأليف ستيفن هوكينج

5 – الكون الانيق تأليف برايات غرين

6 – عناصر الكون تأليف اسحق أسيموف

7 – من الكواركات للثقوب السوداء مساءلة الكون تأليف ريتشارد هاموند

8 – القوى الأربع الأساسية في الكون تأليف هاشم أحمد محمد

9 – تاريخ موجز للزمان تأليف ستيفن هوكينج

10 – الكون الأحدب قصة نظرية النسبية تأليف عبد الرحيم بدر

11 – نظرية النسبية تأليف آينشتاين

12 – فيزياء الجسيمات تأليف فرانك كلوس

13 – من الذرة للكوارك تأليف سام تريمان

14 – مبادئ علم الفلك الحديث تأليف عبد العزيز بكري أحمد

15 – السفر في الزمان الكزني تأليف باري باركر

في حالة أعجبك المقال، ربما ستعجبك مقالات أخرى، نرشح لك

كاسيني … البشرية تشكرك و تودعك فلترقدي بسلام

مترجم: سبع مرات غير فيها كسوف الشمس من تاريخ البشر

مراجعة كتاب مستقبل العقل لميشيل كاكو الجزء الأول

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...