تأخذك إلى أعماق الفكر

اصطدام نجمين في زمان الديناصورات ينتج تريليونات الأطنان من الذهب ويثبت نظرية آينشتاين

مقال مشترك للكاتب أحمد محمد والكاتب محمد الغنفري

رصد الفلكيون في 17 أغسطس الماضي موجات نتجت عن اصطدام نجمين نيوترونين حدث منذ 130 مليون عام في مجرة بعيدة جدا عنا، وبذلكتم هذا الاصطدام في وقت كانت تعيش فيه الديناصورات على الأرض، ولكن لم يستطع العلماء رصد الموجات الناتجة عنه سوى هذه الأيام ، ويقول موقع كوارتز العلمي الذي نشر الخبر أن هذا الاكتشاف المذهل والكبير جهد مشترك من 1500 عالم فلكي في 3 مراصد أميريكية وأوروبية عاينوا من قبل موجات الجاذبية التي تنبأ بها آينشتاين منذ عام 1916 م وبعد هذا الحدث عاينوا الموجات للمرة الثانية، وقال عالم الفلك السويدي ستيفن بالمر الذي شارك في بناء مرصد ليجو أن كتلة مانتج من ذهب بعد الاصطدام بين النجمين تزيد عن كتلة القمر .

كيف نشأت النجوم ؟

النجوم تلك المفاعلات الضخمة التي تجعل أي مفاعل نووي بسيط لاشئ مقارنة بها، لقد كانت منذ القدم أجساما مبهمة لنا نحن البشر، اعتبرناها نقاطا مضيئة هدفها ارشادنا نحو مسارنا حول الأرض، وهناك من سحره لمعانها فتاه في رونق الرومانسية ونسج أساطير عن نجوم كانت بشرا مازالت تحكى حتى الآن، لكن مع تطور بنيات أفكارنا تغيرت نظرتنا للنجوم خاصة بعد اكتشاف التلسكوبات، وتأكدنا أن النجوم ليست شموعا في مائدة الرومانسية كما اعتدنا أن ننظر إليها .

تولد النجوم عندما يتكثف الغاز والغبار النجمي داخل غيمة تتألف أغلبها من الهيدروجين، وهذا الأخير يعتبر العنصر الوحيد الذي لم يتكون من النجوم بل تكون خلال الانفجار الكبير . يحدث لهذه الغيمة انهيار جاذبي فتصطدم جزيئات الغاز داخل الغيمة مما يرفع درجة حرارتها، وتصل درجة الحرارة للحد الذي يبدأ فيه الهيدروجين بالتحول عبر الدمج إلى الهيليوم، فتنتج 4 نوى هيدروجين لتشكل نواة هيليوم واحدة ويرافق ذلك انطلاق فوتون أشعة جاما، ويشق الفوتون طريقه تدريجيا عبر عمليات امتصاصه وطرحه بوساطة المادة المحيطة به نحو سطح النجم، وهو يفقد جزء جزءا من طاقته في كل خطوة من رحلته الملحمية حتى يصل إلى السطح ويشع في الفضاء على شكل ضوء مرئي، لقد أضئ النجم الآن وتوقف الانهيار الجاذبي للغيمة قبل النجمية، ويعتمد الآن ثقل الطبقات الخارجية للنجم على الحرارة والضغوط العلية التي تتولد في التفاعلات النووية الداخلية، وبعد ذلك ربما يحدث انفجارات للنجوم مثل انفجار السوبرنوفا فتضغط على المادة بجوارها مما يمهد لمرحلة جديدة من الانهيار الغيمي وتشكل نجما آخر، وبهذا المعنى يكون للنجوم آباء وعلى غرار مايحدث للبشر أنفسهم فإن الأب قد يموت في الوقت الذي يولد فيه الابن، والنجوم شأنها شأن الشمس تولد على دفعات في المجموعة الغيمية المضغوطة جدا كالغيم الديمي المعروف باسم الجوزاء، وتبدو هذه الغيوم عند النظر إليها من الخارج قاتمة ومظلمة، لكنها تكوم من الداخل مضاءة بشكل متألق بالنجوم المولودة حديثا .

دورة حياة النجوم :

يتوقف مصير النجم ونهاية دورة حياته إلى حد كبير على كتلته الأولية . وإذا احتفظ نجم ما بعد أن يفقد جزءا من مادته في الفضاء بكتلة أكبر من الشمس بمرتين أو ثلاث مرات ، فإنه ينهي دورة حياته بأسلوب مختلف إلى حد مذهل عن الشمس ومصير الشمس ذاتها مأساوي بما فيه الكفاية ، فعندما يتفاعل الهيدروجين المركزي كله متحولا إلى الهيليوم بعد خمسة أو ستة مليارات سنة من الآن فإن منطقة تفاعل الدمج النووي الحراري سوف تهاجر ببطء إلى الخارج بشكل قشرة متمددة من التفاعلات النووية الحرارية حتى تصل إلى المكان الذي تكون فيه درجات الحرارة إقل من عشرة ملايين درجة مئوية تقريبا . وعندئذ تتوقف تفاعلات الاندماج النووي تلقائيا ، وفي الوقت ذاته فإن الجاذبية الذاتية للشمس سوف تفرض تقلصا جديدا على المركز المخصب بالهيليوم وزيادة أخرى في درجات الحرارة والضغط داخلها . وستتراص نوى الهيليوم بدرجة أكبر تجعلها أشد التصاقا بعضها ببض . وتشرع خطافات القوى النووية القصيرة المدى بعملها على الرغم من قوة التنافر الكهربي ، وعندئذ يصبح الرماد وقودا وتنطلق الشمس في دورة ثانية من تفاعلات الاندماج النووي . سوف تولد هذه العملية عنصري الكربون والأكسجين ، ويؤمن ذلك طاقة إضافية للشمس كي تستمر في الإضاءة لفترة محدودة . ثم تتعرض الشمس لتغير كبير بسبب التأثير المشترك لاندماج الهيدروجين في القشرة الرقيقة البعيدة داخل الشمس . ويتمدد خلاله قسمها الخارجي ويبرد وتصبح الشمس نجما أحمرا عملاقا يبتلع عطارد والزهرة وربما الأرض

إعلان

إن أي نجمين لهما الكتلة نفسها سوف يتطوران بشكل متماثل تقريبا، ولكن النجم ذا الكتلة الأكبر سوف يستهلك وقوده النووي بسرعة أكبر . ومايلبث أن يصبح عملاقا أحمرا ويسبق الآخر في التدهور إلى مرحلة القزم الأبيض النهائية، وهكذا فلا بد أن يكون هناك الآن الكثير من حالات النجوم المزدوجة ( سنتحدث عنها لاحقا ) التي يكون عملاقا أحمرا والثاني قزما أبيضا، إن نجما كشمسنا سوف ينهي حياته كما رأينا بأن يصبح عملاقا أحمرا ثم قزما أبيضا . أما النجم البالغ ضعفي كتلة الشمس يصبح عندما ينهار مستعرا أعظم ( سوبرنوفا ) ثم يتحول لنجم نيوتروني، ولكن نجما أكبر ضخامة يبقى بعد مروره بمرحلة المستعر الأعظم مساويا على سبيل المثال لخمسة أضعاف كتلة الشمس ينتظره مصير آخر أكثر أهمية إذ تحوله جاذبيته لثقب أسود .

النجوم النيوترونية والكوازرات والثقوب السوداء :

تتكون النجوم النيوترونية ( كما ذكرنا ) نتيجة للانفجارات النجمية التي تعرف باسم السوبر نوفا وتحدث هذه الانفجارات عندما تموت النجوم ذات الكثافة العالية وتعتير هذه الظاهرة بمثابة شهادة وفاة للنجم . وتكون النجوم النيوترونية صغيرة الحجم مقارنة بالأقزام البيضاء إذ لايزيد نصف قطر النجم النيوتروني عادة عن 16 كم ، أما كثافته فتبلغ مئات الملايين من الأطنان لكل بوصة مكعبة . ولتقريب الصورة فإن ملء ملعقة من الشاي من مادة هذا النجم تعادل وزن جبل من الأرض . وبذلك هي من الثقل بأن لو فرضنا أنك أمسكت بيدك قطعة صغيرة منها ( وهذا مستحيل طبعا ) وأفلتها فإنها يمكن أن تخرق الكرة الأرضية بسهولة كحجر ساقط عبر الهواء محدثة فيها ثقبا لنفسها عبر الكرة الأرضية كلها حتى تخرج من الطرف الىخر منها . فتخرج من الطرف الىخر محلقة للحظات ثم تعود إليها ثانية وتظل على هذا الحال حتى تحدث عدة ثقوب في الأرض حتى توقفها مادة الأرض عن طريق الاحتكاك وتستقر في باطن الأرض ، وستظل الكرة الأرضية مليئة بالثقوب مثل الجبنة السويسرية المثقبة حتى تندمل جروحه بوساطة سيل من الصخور والمعادن المتدفق تحت الارض ( طبعا كل هذا من خيال كارل ساجان ) .
بعد أن أتم أوبنهايمر وفولكوف دراستهما عن النجوم النيوترونية قام أوبنهايمر وتلميذ له يدعى هارتلاند سيندر بدراسة النجوم الأكبر كثافة التي تزيد كتلة النجم فيها عن 2.3 مثل كتلة الشمس . وتوصلا لنتيجة أذهلت الفلكيين في ذلك الوقت 1939 م ولم يقبلها أحد وهي أن هذه النجوم الأكبر من الشمس عندما تنهار تستمر في انهيارها للأبد ولن يقف انهيارها عند حد معين ، ثم يقترب نصف قطر النجم المنهار في النهاية لنصف القطر التجاذبي . وفي بداية الستينات اكتشف الفلكيون الكوازرات وهي من أغرب الاجرام الكونية العملاقة ، فهي تطلق موجات إشعاعية عاتية . وحار الفلكيون في أمرها وذلك بسبب كميات الطاقة الهائلة التي تنطلق منها والتي لايمكن أن تكون بسبب انفجارات نووية عادية في النجوم . وفي سنة 1963 م قال الأستاذ فريد هويل الأستاذ بجامعة كمبريدج ووليم فولر الأستاذ بجامعة كالتك . إن الكوازرات ماهي إلا نجوم عملاقة تشكل مرحلة من مراحل انهيار النجوم وتكوين الثقوب السوداء . وهي تشع كميات هائلة من الطاقة الإشعاعية في أثناء تقلصها وانهيارها .
تتكون الثقوب السوداء بانهيار النجوم على أن تكون الكتلة النهائية لكل نجم بعد الانهيار أكبر من 3.2 مرة مثل كتلة الشمس ، وتختلف الثقوب السوداء عن النجوم النيوترونية والاقزام البيضاء . فالثقب الأسود عبارة عن فضاء فارغ يحيط بنقطة مركزية تتركز فيها كل مادة أو كتلة الثقب الاسود وهي نقطة غريبة شاذة ولذا تعرف بالمفردة . والمفردة ذات كثافة غير محدودة أو لانهائية القيمة وذات أبعاد صفرية ولاتنطبق عليها معادلات النظرية النسبية العامة لآينشتاين . والثقب الأسود عبارة عن كرة سوداء يمتلك جاذبية شديدة ولذلك فهو يجذب كل شئ حوله من الفضاء المحيط به حتى الضوء . وهذه الكرة السوداء يصل قطرها عدد قليل من الاميال ويطلق على سطح الثقب الاسود أفق الحدث ونصف قطره يسمى نصف القطر التجاذبي . وإذا أردت أن تفحص الفضاء في المنطقة المحيطة بثقب أسود ، مستعينا بكشاف ضوئي مناسب فإنك سوف تلاحظ التواء الفضاء حول جسم الثقب الأسود ( وهذا ماسيتم شرحه بالتفصيل عند الحديث عن الجاذبية ) .

الثنائيات النجمية :

وهي ظاهرة في الفضاء يسهل رصدها إذا وجهت منظارا للسماء فإنك تجد نقطتين مضيئتين مقتربتين من بعضهما البعض في السماء أشد الاقتراب . وهي عبارة عن نجمان يشد بعضهما بعضا ويدور كل منهما حول الآخر ، ورابطة الجاذبية تربطهما فلا يستطيعان فكاكا . ومن أشهر الثنائيات النجمية الشعرى اليمانية ونجم آخر معها . ولايشترط تساوي حجميهما فالفرق بين الشعرى اليمانية وصاحبها هائل فالشعرى اليمانية أكبر من الشمس وصاحبها قزم من أقزام النجوم البيض يكبر الأرض ثلاث مرات أو أربعا ولكن أكبر كثافة من كثافة الشعرى . ويقول الفلكيون ربما كان أحد الزوجين في الثنائيات النجمية ثقبا أسودا ولكن هذه الثنائية تظهر لنا كنجم مفرد لأننا لانستطيع رصد الجسم الأسود ولكن هذا في حال نظرنا إليها بالمنظار الضوئي ولكن يوجد طرق أخرى لرصدها عن طريق دراسة طيف النجوم .

 

ثقب أسود يبتلع نجم

كيف تقوم النجوم بصنع المعادن مثل الذهب :

تعتبر النجوم أفران ضخمة ويمكن اعتبارها منشأ مادتنا الحقيقي . فالنجوم هي نوع من المطابخ الكونية التي تطبخ فيها الذرات لتشكل ذرات أثقل . نحن نعرف المحاولات القديمة لتحويل المعادن الرخيصة مثل الحديد والنحاس والألمنيوم إلة معادن نفيسة مثل الذهب وكان يطلق على هذه المحاولات الخيمياء . وباءت المحاولات بالفشل حتى توصلنا لمعرفة التفاعلات النووية الإندماجية التي تستطيع القيام بذلك وهو ما تفعله النجوم . ولفهم ذلك يجب أن نعرف أنه يوجد 92 نوعا مميزا كيميائيا من الذرات الموجودة في الطبيعة . تختلف عن بعضها البعض في عدد النيوترونات فقط . ولذلك يجب فهم تركيب الذرة حسب مفهوم رذرفورد وبور

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.