تأخذك إلى أعماق الفكر

البغاء المقدَّس

الجنس مِن الحياة وإليها، فهو الآلية الأصيلة للبقاء والترقي؛ فالجنسُ ذروة الغرائز ومفتاح الحياة كما رمّزه القدماء المصريون، فإذا كانت ضرورة البقاء تبدأ بإشباع الحاجات الأولية من توفير مصادر الغذاء لإنتاج طاقة الحركة والعيش فإنها تُلزم بإعادة إنتاج الحياة وسيرورتها عبر الاتصال الغريزي الفطري؛ فالجنس هو إرادة الحياة، والنسل هو الغرض النهائي لكلّ كائن عضوي، وهو أقوى الغرائز، وهو الوسيلة الوحيدة التي تمكن الإرادة من قهر الموت [١]، وبعيدًا عن الجوانب البيولوجية لدور الجنس الأساسي في ديمومة سير الحيوات لجميع الكائنات الحية، فإن موضوع الجنس بالنسبة إلى نوعنا البشري غير المنقرض؛ الإنسان العاقل ” Homo Sapiens “، متجاوز حدود التصور الغرائزي الجاف؛ فالإنسان امتلك جانبًا من الوعي يعبر عنه بإدراكه لما حوله من خلال حالات التعقل والتخيل وإطلاق الوجدان وخلق الاجتماع والتاريخ في السيطرة على الطبيعة وإحكام إذعان باقي الكائنات في الرضوخ لهيمنته. وخلال مسيرة الإنسان أخذ موضع الجنس من الحياة أشكالاً مختلفة ارتبطت بالتغيرات التي واكبت رحلة البشرية من العشائر البدائية إلى الأمم الحضارية.

وههنا سوف نلقي نظرة مُقتَضبة حول تطورات المنظور إلى الجنس مع سير ركاب المجتمعات الانسانية.

المشاعة الجنسية والزواج الجماعي

عاش إنسان ما قبل الحضارات في مجتمعات تسودها روابط القبيلة كمنظم للحياة المشتركة؛ فكانت تتسم تلك الحقب بالتعاون المشترك حول سدّ احتياجات القبيلة من مصادر الغذاء ووسائل التنظيم الداخلي والحماية من المخاطر الخارجية، وعلى غرار المشاعة الأولية لعصور الباليوليت “العصر الحجري”؛ كان الفعل الجنسي مسايرًا للنمط المشاعي، فلم تعرف عصور البدائية نظامًا مقيدًا للزواج، أي: كان يوجد وضع بدائي كانت فيه العلاقات الجنسية غير المحدودة تسود داخل القبيلة بحيث أن كل امرأة كانت تخص كل رجل وبحيث أن كل رجل كان يخص كل امرأة [٢].

بالطبع، يكون من الخطأ إذا نظرنا لشكل العلاقات البدائية من خلال النظام المألوف لدى عصورنا وقيمها وثقافتها، فالقيود التي نشأت من العرف والعادة والدين حول العلاقات لم تكن قد وجدت وقتئذٍ، لذا من الواجب عبور القراءة بشكل وصفي لاستنباط الرمز والمعنى المكنون.

لقد تعددت أطوار العلاقات غير المنظمة مع الزواج الجماعي والذي اقتضى انتساب الأطفال إلى خط الأم والذي عُرف “بحق الأم”، فكان الجميع إخوة وأبناءً للقبيلة، وقد عاش الإنسان لآلاف السنين في ظل العصر الأمومي وما يطلق عليه عصر الهيتيرية “Heterisme”. 

إعلان

وأغلب الظن أن تلك العصور كانت تخلو من طابع الحب الفردي، والذي لم يظهر إلا بعد طور الزواج الأحادي، والذي لم يتكون بدوره بين ليلة وضحاها، فلقد تنوعت أشكال العلاقات مع تطور مراحل التحريم؛ فكلما زادت القيود تعقدت عملية التنظيم والضبط للعلاقات الجنسية وقلت مساحة حريتها، ففي البداية حُرمت العلاقات بين القربى -الأباء والأبناء- ومن ثم الإخوة والأخوات وكلما اتسعت الموانع، ضاقت مناطق الإباحة وذلك كان لما تقتضيه طبيعة تطور القبيلة، كانت الزواجات بين أفراد العشائر التي لا تجمع بينهما قرابة الدم تؤدي إلى نشوء سلالة أقوى سواء جسديًا أو عقليًا [٣]

لذا ظهر شكل العائلة الثنائية -التي بقيت تنهج حق الانتساب لخط الأم- كحلقة ممهدة للزواج الفردي، ومع انفجار الثورة النيوليتية (العصر الحجري الجديد) التي تأسست مع التدجين وثورة اكتشاف الزراعة وظهور العبودية، وتعاظم مصادر الثروة وكثرة أنماط الإنتاج وبدء عهد نشأة الدولة والسلطة والحضارة، وفي نفس الوقت، إسقاط حق الأم وانتهاء شكل الزواج الجماعي والثنائي لصالح الزواج الأحادي -وذلك لما اقتضته حاجة التغيرات في أنماط الإنتاج وتحول الملكية المشاعية إلى الملكية الخاصة-، وبعد أن كان الإرث بناءً على النسب النسائي؛ فلقد أصبح تبعًا لنسل الرجل، وتبوأت سلطة الأب في العائلة القمة لشكل بناء هرمي؛ ولذلك فقد حرصوا على معرفة الأنساب للحفاظ على الثروة في خط إرث الرجل، وذلك من العوامل التي دفعت إلى انحصار حرية الجنس وتبلور مفاهيم العفة؛ إن شكل العائلة هذا يعني الانتقال من الزواج الثنائي إلى أحادية الزواج، فلأجل ضمان أمانة المرأة، وبالتالي لأجل ضمان أبوة الأولاد، توضع الزوجة تحت سلطة زوجها المطلقة. [٤] وهنا بدأ عصر العائلة الأبوية -البطريركية- وبدء نظام المجتمع الهرمي -الهراركي- فهَزم جلجامش عشتار وانتصر أورست على الإرينيات.

آثار الزواج الجماعي والحرية الجنسية بين الأسطورة والطقس 

  • طقس البغاء المقدس

مذ باكورة حياة البشر، كان الجنس عند الإنسان القديم رمزًا متجاوزًا لحدود المتعة الفردية؛ عابرًا به لنطاق المُقدس، وهذا ما نشهد انعكاسه الواضح في مفهوم الجنس داخل التصورات الميثولوجية القديمة وأثر ارتباط ذاك المفهوم البدائي على الدافع الجنسي الغرائزي بالممارسات الشعائرية.

 وكما أن مكانة الجنس عند الإنسان القديم -قبل عصر الأبوية- طقس مُقدس؛ لا يقف عند حدود إرضاء الشهوة الغريزية بل لكونه ترميزًا لقوى الخصوبة الكونية والتي تنبع منها الحياة، ونشهد ذلك المعنى الكبير في تصورات الشعوب القديمة عن الجنس وعلاقته بمظاهر خير الطبيعة؛ تقدّم لنا الدراسات الشائعة لدى الشعوب البدائية اليوم صورة عن معتقد الإنسان القديم في قدرة الفعل الجنسي على شحن الطاقة الإخصابية الكونية. ففي بعض مناطق جزيرة جاوا يمضي الرجل وزوجته إلى حقل الأرز عند ابتداء نضج الشتلات فيمارسان الجنس هناك في العراء للإسراع في نمو النبات وزيادة المحصول [٥؜].

وكانت الممارسة الجنسية وقتذاك على درجة عالية من التبجيل والتقديس، فإذ بها جزء من طقوس العبادة الإلهية، ففي الأعياد العشتارية كان يمارَس الجنس الجماعي كطقس جنسي يعبر عن وسيلة اتصال بالآلهة، ويمارسون الجنس الجماعي الذي من شأنه حث الطبيعة على إطلاق خيراتها الكامنة فيهطل المطر وتنبت الأرض وتتكاثر الماشية وتخصب أرحام النساء ويجرى الطقس في جوّ ديني رصين لا يوحي برغبة المشاركين في إرضاء نوازعهم الجنسية الفردية. [٦]

ومع العصر البطريريكي الذي ظهر نتاجًا وتباعًا لتطور وضع الملكية وفائض الإنتاج والثروة ونشوء طبقة العبيد، فكان طابع العلاقة الحقوقية قائمًا على التسلط والاستغلال المباشر بخلاف الشكل العشائري القديم القائم على علاقات المساواة؛ نشأ طور الزواج الأحادي داخل تلك الهيئة، فلم يكن اتحادًا بين شريكين بل وضعًا ملزمًا من شكل تطور المجتمع، ومع شكل العائلة الأبوية فلقد كُبح جماح الحرية الجنسية داخل إطار مُشرعن غير مسموح فيه بالتعدد من قبل المرأة، وإن حدث تقع الخيانة الزوجية وحكم العلاقة غير الشرعية، بخلاف الرجل الذي يقع اللوم عليه بشكل هامشي مقارنةً بالمرأة وواجب حق العفة، ومع ذلك فلم يقضِ النظام الأبوي على الحرية الجنسية في مُستَهل الحضارة؛ بل كانت المرأة تُكفر عن وصايا الآلهة القديمة -التي كانت ترعى العلاقات الجماعية- لكي تشتري به حق العفاف.

واستمرت معالم طقوس الجنس الجماعي في العصر الهليني وفي العصور المسيحية والتي كانت بها محاكم التفتيش الكنسية تلاحق كل من يقيم تلك الممارسات والذين سُموا وقتئذٍ بعبدة الشيطان وكانوا يحرقون كاهنات تلك الديانات بتهمة ممارسة السحر. وفي العالم الإسلامي أيضًا؛ فلقد مارست جماعة الحشاشين-“النزارية” فرقة شيعية إسماعيلية- أشكال الجنس الجماعي داخل إطار حركتها السرية، فأباحت هذه الجماعة كل أنواع المحرمات الجنسية، وكانت تقيم طقوس الجنس الجماعي. [٧]

وأما التكفير عن وصايا الآلهة في ظل مهد الحضارة وعصر الأبوية؛ فتتلخص تلك الفدية في حق مضاجعة الغير في إطار محدود، وكانت تتمثل في طابع طقسي شعائري: إن الكفارة المقدمة سنويًا تحل محلها الكفارة الواحدة الوحيدة؛ وهيتيرية السيدات المتزوجات تحل محلها هيتيرية الفتيات؛ ومحل ممارستها أثناء الزواج تحل ممارستها قبل الزواج [٨]

لذا كان لابدّ من التسوية والتغيير ولكن داخل إطار التقليد الزمني، فالتقيد بالزواج هو مخالفة لتعاليم آلهة الجنس الحر “عشتار”، فكان لابدّ من التسوية بين النظامين واسترضاء الإله بإعطاء الحرية الجنسية للفتيات قبل الزواج وفرض الإخلاص الزوجي عليهنّ بعده، وقد تم تقليص هذه الحرية تدريجيًا حتى تحولت فعلًا إلى نوع من الكفارة الدينية التي تقدمها لقاء اختصاصها برجل واحد (…) وبعد ذلك أعفيت عامة النساء من تقديم هذه الكفارة وصار البغاء المقدس وقفًا على البغايا المقدسات اللواتي كن يمارسن الجنس نيابة عن كل النساء [٩]

ولقد حظت البغايا المقدسات بالتقدير والاحترام، فإذ بأحد الملوك، يفخر بأنه ابن بغيّ مقدسة [١٠]، والذي يُكمل ارتباط مكانة الجنس في المنظور القديم نجده فاعلًا في التصورات الأسطورية للحضارات الأولى للبشرية، فلم تكن قد انتهت تلك النظرة القدسية بعد.

  • ميثولوجيا التكوين والجنس

تتجلى مظاهر أهمية الاتصال الجنسي وقدسيته داخل حقل الميثولوجيا، فنجد في أساطير التكوين دور الفعل الجنسي كمعبر أساسي عن نشأة الحياة، فلقد قدّس الإنسان الدافع الجنسي واعتبره قبسًا إلهيًا يربطه بالمستوى النوراني، (……) لم يكن الفعل الجنسي متعة فردية ونشاطًا شخصياً معزولًا بل طقسًا يربط الإنسان المتناهي بالملكوت اللامتناهي، ففي البدء تحرك السالب والموجب في رحم الأوروبورس الأعظم وتناكحا فأنجبا. [١١]

وتتعدد أوجه استعمال الترميز في الألوهة الدالة على الخصوبة والخير والخضرة، ففي بلاد الرافدين؛ كان المطر يُرى على أنه منيّه الذي يلقح الأرض (كي) ويسبب نمو النباتات، وهنالك موروث آخر يرى أن أنوم Anum هو السماء في مظهرها الذكوري وقد تزوج آنتوم Antum وهي السماء في مظهرها الأنوثي، قد أُعطى لها شكلًا بقريًا وتُرى بقرةً والغيوم التي تحدث المطر هي ضروعها. [١٢]

 وفي نصوص التكوين لدى الأساطير المصرية، تحكي أنه عندما أحس أتوم، إله الشمس، بالتعب من حالته غير المجسمة وقرر خلق الحياة والعالم؛ فنهض بإرادته وقوته الخاصة من الهوة، وتجلّى تحت اسم رع، ثم أنجب بعد ذلك شو وتيفنوت، اللذين ولَدا بدورهما جيت الارض ونوت السماء وهذان أنجبا أيضًا إيزيس وأوزيريس وسيت ونيفتيس. [١٣]، وكانت ايزيس عند المصريين القدماء هي سيدة الدافع الجنسي؛ آلهة الحب والجمال.

ومع الإله رع؛ تقص علينا إحدى الأساطير كيف أنّ إله الشمس أتى إلى ريديت زوجة الكاهن الأعظم متنكرًا في هيئة زوجها، فنام معها ونجم عن اتحادهما الملوك الأوائل. [١٤]

الإلهة ايزيس

وعند ديانات الكنعانيين نجد قصة الحمَل بإلهين هما الفجر “شَهَر” والغسق “شاليم” 

  يد إيل امتدت بطول البحر
يد إيل استطالت بطول المحيط 

تُفهم كلمة “يد” باعتبارها تورية للقضيب، (بعد ذلك يصطاد إيل طيرًا ويشويه، ثم يقوم بإغواء المرأتين): 

أضحت المرأتان زوجتين لإيل،
زوجتين له إلى الأبد
انحنى عليهما ولثم شفتيهما
شفتان حلوتان كالرمان
عندما تبادلا القبل حملت المرأتان
عندما عانقتاه أصبحتا حبلاوين
جاءهما المخاض وولدتا الغسق والفجر  [١٥]

وفي الميثولوجي البابلي مع عشتار وتموز واستخدام رمز الأرز للإله والإلهة؛ الأرز كان يمثل الألوهيتين المذكرة والمؤنثة؛ فالأرز إذ يسقط ثم ينهض إنما يمثل موت تموز وقيامه، وخضرته ورائحته الزكية وأغصانه الباذخة إنما تمثل الإلهة تسعى إلى زوجها… في سفر هوشع (٨:١٤) حيث تقول إفرايم <أنا كسروة خضراء> فيجيبها يَهْوهَ: <من قِبَلي يوجد ثمركِ> [١٦].

وكانت عشتار هي آلهه الحب والجنس والتناسل، فهي رمز الألوهة المؤنثة القديمة؛ ترتبط بمعابدها تلك الصبايا المقدسات اللائي يعرفن باسم البغايا المقدسات،(…..) كان لعشتار معابد في كثير من المدن، لكن مركز عبادتها الرئيسي كان مدينة إيريك حيث كانت هيئة المعبد مؤلفة من البغايا المقدسات وفيهن ذكور . هنا كانت تعبد بوصفها الإلهة الأم، وإلهة الحب والتناسل [١٧]

وفي تأسيس البانثيون اليوناني وآلهة الأولمبوس، يقول هزيود: في البدء كان الكيوس (العماء)، شاملًا ومظلمًا. ثم ظهرت غيا، الأرض ذات الأثداء الراسخة، وأخير إيروس -الحب الذي يُرقّق القلب- الذي سيُهيمن تأثيره المُخصب منذ ذلك الحين على تشكُل الكائنات والأشياء [١٨]، وفي مجيء آلهة الأوليمب؛ اتحد بونتوس، البحر، مع غيا الأرض ليُنجبا نريوس الصادق وثاوماس الهائل وفوركيس الجسور وسيتو الجميلة الوجنتين، ويوريبيا ذات القلب الفولاذي [١٩].

وإلهة الحب عند الاغريق هي أفرودايت؛ أفرودايت أورانيا، كانت إلهة الحب النقي والمثالي وأفروديت جينيتريكس كانت ترعى الزواج وتحميه. وأفروديت بانديموس كانت إلهة الشبق والحب الجسدي، حامية العاهرات (…..) أفرودايت بانديموس كانت تعبد في طيبة، وفي أثينا كان هناك معبد لأفروديت هيتيرا، حيث كانت عاهرات المدينة هن كاهناتها الحقيقيات [٢٠]

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: عصام أسامة

تدقيق لغوي: ضحى حمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.