تأخذك إلى أعماق الفكر

الأمر بالمعروف والنّهي عن المُنكَر: ابتذال المبدأ.

لا يُطلَق مُصطَلَح الأمر بالمعروف والنّهي عن المُنكَر إلّا وتبادرت إلى الذِّهن معاني انتهاك الخصوصيّة، والتّسلُّط، وإجبار النّاس على الدّين، وكبت الحُرّيّات. بصفة عامّة فإنّ هذا المصطلح قد تعرَّض للابتذال والتّلوّث، لذا نحاول هنا إعادة التّعريف بهذا المبدأ، ونُبرِز صوره المُستنيرة، وأسباب ابتذاله، وشروط تطبيقه.

لماذا الأمر بالمعروف ؟

(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً…). [سورة البقرة – الآية ٣٠].

(يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ…). [سورة ص – الآية ٢٦].

الإسلام يعتبر الإنسانَ خليفةَ الله في الأرض، خليفةً تقوم به القيم والأخلاق، فيقيمُ العدلَ ويرفع الظُّلمَ ويُعمِّر الأرضَ، هذه هي الأمانة الّتي أَبَتْ السّماءُ والأرضُ والجبالُ أن يحملنها، وحملها الإنسانُ.

لذلك كانت المَهام العُظمى للإنسان: تزكية النّفس، وعبادة الله، وتعمير الكون. وبالتّالي لا يكتمل إيمانُ المرء إن أراد أن ينعزل عن الواقع ويكتفي بالعبادة والذِّكر، بل أحد واجباته وفروضه هي عمارة الأرض، بما يتضمّنه من الانغماس في الواقع، والاهتمام بمشكلاته، ومتابعة أحداثه، ومقاومة الظُّلم، والتّعاون على البرّ.

إعلان

ولن يكتمل عُمران إلا بشرط ودعامة: الأمر بالمعروف والنّهي عن المُنكَر، ذلك هو شرط صلاح الأُمم ورهن خيريّتها.

(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ…). [سورة آل عمران – الآية ١١٠].

لذلك قد أوجب الله على كلّ مسلم فريضة الأمر بالمعروف والنّهي عن المُنكَر، فلا يفوته معروف إلا وقد أمر به، ولا يمرّ أمامه مُنكَر إلا ويحاول منعه.

(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). [سورة آل عمران – الآية ١٠٤].

(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ…). [سورة التّوبة – الآية ٧١].

يقول “ابن حزم”: «اتّفقت الأُمّة كلّها على وجوب الأمر بالمعروف والنّهي عن المُنكَر بلا خلاف من أحدٍ منهم».(1)

وقد اعتبر “المعتزلة” الأمر بالمعروف والنّهي عن المُنكَر أصلًا من الأصول الخمسة للدّين.

ويقول “الغزّاليّ”: «إنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المُنكَر هو القُطب الأعظم في الدّين، وهو المُهِمُّ الّذي ابتعث الله له النّبيّين، ولو طُوي بساطه وأُهمل عمله، لتعطّلت النّبوّة، واضمحلّت الدّيانة، وفشت الضّلالة، وخربت البلاد، وهلك العباد».(2)

ويعتبر “بيجوفيتش” أنّ هذا المبدأ كافٍ لتعريف الإسلام، فيقول: «إنّ الإسلام هو دعوة إلى أُمّة تأمر بالمعروف وتنهى عن المُنكَر، أي تؤدّي رسالة أخلاقيّة».(3)

وقد أثار هذا المفهوم “مايكل كوك” حتّى كتب عنه مُجلَّدًا ضخمًا، وعقد في بدايته مقارنة بين هذا المفهوم في الغرب والإسلام، فقال: «ليس لدينا -نحن الغربيّين- في حياتنا اليوميّة مصطلح يشرح هذا الواجب، كما ليست لدينا نظريّة حول الأوضاع الّتي تنطبق عليها، والإرغامات الّتي تسقطه. إنّ القيمة الأخلاقيّة موجودة عندنا، لكنّها ليست من القيم الّتي أولتها ثقافتُنا صياغةً متطوّرةً ومتكاملة.

صحيح أنّ الحقوقيّين والفلاسفة يتناقشون حول الشّروط الّتي تُحتِّم علينا واجب الإغاثة، لكن ذلك النّقاش يتم ضمن نطاق ضَيّق بين أهل الاختصاص، ولا يمكن اعتباره ملكًا لثقافتنا في كلّيّتها. لم أسمع أنا شخصيًّا بذلك إلى أن انتبهت إليه في بحوثي عن الإسلام».(4)

    التّطبيقات   

أوّلًا: في السّياسة.

لا معروف أعظم من إقامة العدل والحُرّيّة والمساواة، ولا مُنكَر أبشع من الظُّلم والاستبداد، وما يَنتُج عن الاستبداد من تحريف الدّين، وهدم الأخلاق، وسجن العلماء، وتعذيب الأبرياء، وسرقة المال العام، واغتصاب الحُكم، لذلك فأولى غايات الأمر بالمعروف هي إقامة الحُكم الرّشيد العادل وإزالة الاستبداد الظّالم.

لذلك نَصَّ النّبيّ على أمر الحُكّام تحديدًا بالمعروف، ونهيهم عن المُنكَر، وقول الحقّ في وجوههم دون خوف أو جُبن، فقال:

«سَيّد الشُّهداء “حمزة”، ورجلٌ قام إلى إمامٍ جائرٍ فأمره ونهاه، فقتله»(5).

«إنّ من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر».(6)

وقال “عبادة بن الصّامت”: «بايعنا رسول الله على السمع والطّاعة.. وأن نقول بالحقّ حيثما كُنّا، لا نخاف في الله لومة لائم».(7)

وقد كان المسلمون في الصّدر الأوّل لا تنقطع رقابَتهم على حُكّامهم، ولا يتوقّف نُصحهم ونقدهم، بل مقاومتهم وصَدّهم إن انحرفوا.

فهذا “أبو بكر” يقول في خُطبة البَيعَة: «أيّها النّاس فإنّي قد وُلّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني، أطيعوني ما أطعت اللهَ ورسولَه، فإذا عصيت اللهَ ورسولَه فلا طاعة لي عليكم».(8)

وقال “عمر”: «أرأيتم لو ترّخصت في بعض الأمر، ما كنتم فاعلين؟» فقال “مُحمَّد بن مسلمة”: «لو مِلْت عدلناك، كما يُعدَل السَّهم في الثّقاف»، فقال “عمر”: «الحمد لله الّذي جعلني في قومٍ إذا مِلْت عدلوني».(9)

ويُروى أنّ “إبراهيم الصّائغ” أتى _أبا مسلم الخراسانيّ” فوعظه، فقال له “أبو مسلم”: «انصرف إلى منزلك، فقد عرفنا رأيك». فرجع “إبراهيم” ثمّ تحنَّط وتكفَّن، وأتاه وهو في مَجمَع من النّاس، فوعظه وكلّمه بكلامٍ شديد، فأمر “أبو مسلم” بقتله، فقُتل وطُرح في بئر.(10)

وحين خطب “المغيرة بن شُعبة” وشرع في شتم “عليّ بن أبي طالب” وأصحابَه كما تعوَّد الأمويّون، وثب “حُجْر بن عُديّ” وقال له: «أنا أشهد أنّ من تذمّون وتُعيِّرون لأحقّ بالفضل، وأن من تُزكّون أولى بالذّمّ. مُرْ لنا بأرزاقنا وأعطياتنا، فإنّك قد حبستها عنّا، وليس ذلك لك، وقد أصبحت مولعًا بذمّ أمير المؤمنين»، فتعاطف النّاس معه حتى قام أكثر النّاس يقولون: «صدق والله حُجْر»، واستمرّت ثورة “حُجْر” وأصحابه حتّى قتلهم “معاوية”.(11)

وحين ورَّث “معاويةُ” الخلافةَ لابنه “يزيد” ، ثار “الحُسين” ورفض البَيعَة ليزيد، وقال: «قد نزل بنا ما ترون، إنّ الدّنيا قد تغيّرت وتنكَّرت، وأدبر معروفها، واستمرّت حتّى لم يبق منها إلّا صبابةٌ كصبابة الإناء، وإلّا خسيسُ عيشٍ كالمرعى الوبيل، ألا ترون الحقَّ لا يُعمل به، والباطلَ لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله، وإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة، والحياة مع الظالمين إلّا ندمًا»، وفضَّل “الحُسين” القتل على مبايعة “يزيد”، وبالفعل قتلوه وطافوا برأسه في المدائن. ورأس “الحُسين” أصبحت تحمل درسًا جليلًا: الكرامة خيرٌ من الحياة.(12)

وحين رأى وفدٌ من أهل المدينة فُجر “يزيد” وطغيانه، نقضوا بَيعـته وثار ضِدّه أهلُ المدينة، وقال “عبد الله بن حنظلة”: «والله ما خرجنا على “يزيد” حتّى خِفنا أن نُرمى بالحجارة من السّماء، إنّ رجلاً ينكح الأمّهات والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويَدَعُ الصّلاة، والله لو لم يكن معي أحدٌ من النّاس لأبليت الله فيه بلاءً حسنًا»، ودخل “يزيد” المدينة واغتصب نساءها، وقتل أطفالها، وسرق أموالها.(13)

وثار “عبد الله بن الزُّبير” ضِدّ “عبد الملك بن مروان” حتى قُطعت رأسه وصُلبت جُثَّته.

وظُلْمُ “الحَجّاج” وسفكُه للدّماء لم يمرّ دون مقاومة، بل ثار ضِدّه “ابن الأشعث”، وخطب في النّاس: «أيّها النّاس، ألا ترون هذا الجبّار – يعنى “الحَجّاج”- وما يصنع بالنّاس؟!

ألا تغضبون لله؟! ألا ترون أنّ السُنَّة قد أُمِيتت، والأحكام قد عُطِّلَت، والمُنكَر قد أُعلِن، والقتل قد فشا؟ اغضبوا لله، واخرجوا معي، فما يَحلُّ لكم السّكوت».(14)

فلم يزل يُحرِّض النّاس حتّى ثاروا معه، وكان أغلبهم من العلماء والقُرّاء حتى سُمّيت (ثورة القُرّاء).  

وثار “زيد بن عليّ” ضِدّ “هشام بن عبد الملك” حتى قُتل، ونهشوا قبره، وصلبوا جُثّته.

وثار “يزيد بن الوليد” ضِدّ “الوليد بن يزيد”، وانتصر عليه.

وثار “النّفس الزّكيّة” ضِدّ “أبي جعفر المنصور” حتّى قُتل.

كل هذا الإرث من المُعارَضات والاحتجاجات والثّورات في تاريخ أُمَّتنا كان تطبيقًا عمليًّا وتجسيدًا واقعيًّا لمبدأ الأمر بالمعروف.

يقول “علي شريعتي”: «كان أقلّ انحراف من الحكومة باعثًا كافيًا لتقاطُر النّاس على المسجد، وإثارة (صداع) عند الهيئة الحاكمة».(15)

ويقول “راشد الغنوشي”: «واجب الأُمّة رقابة الحُكّام، وأدلّة هذا الوجوب من الكتاب والسُّنّة والإجماع وسير الخلفاء كثيرة، وتدور كلّها حول المبدأ الإسلاميّ العظيم: مبدأ الأمر بالمعروف والنّهي عن المُنكَر، الّذي يُمثِّل بحقّ السُّلطة الرّابعة في الدّولة، السُّلطة القوَّامة على بقيّة السُّلطات، سلطة الأُمّة المباشرة، أي سلطة الرّأي العام عبر جهود الأفراد ومؤسَّسات المُجتمَع، من صُحُف ومساجد وجامعات ومراكز، إلخّ».(16)

ثانيًا: إغاثة المضطهدين.

الجهاد في الإسلام له دافعين:

الدِّفاع عن النَّفْس.

الدِّفاع عن الغير: لم يكتفِ القرآن بدفاع المسلمين عن أنفسهم، بل أمرهم أن يجاهدوا، ويُضحّوا بأموالهم وحيواتهم، ويتركوا أولادهم، وزرعهم، وتجارتهم، ويجاهدوا للدفاع عن المستضعفين، المضطهدين، مهما كان لونهم، ودينهم، ولغتهم، وقضيّتهم.

(وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ…). [سورة النّساء – الآية ٧٥].

فلو أنّ مُعتَدٍ اضطهد يهوديًّا ليُغيِّر دينَه، وجب على المسلمين -متى تمكَّنوا- أن يحاربوا المُعتدي ليرفعوا الظّلم عن اليهوديّ، ويتمكّن من التّعبُّد بدينه الّذي ارتضاه لنفسه، حتّى لا تكون فتنة، وحتّى لا يكون إكراهًا في الدّين!

يقول “القرضاويّ”: «المسلمون مدعوّون لإغاثة الملهوفين، وإنقاذ المستضعفين في الأرض من خلق الله، وإن لم يكونوا مسلمين، لأنّ رفع الظّلم والأذى عن جميع النّاس مطلوب من المسلم إذا كان قادرًا».(17)

(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ). [سورة الأنفال – الآية ٣٩].

يقول “محمّد رشيد رضا”: «إنّ المعنى بتعبير هذا العصر: ويكون الدّين حُرًّا، أي يكون النّاس أحرارًا في الدّين، لا يُكرَه أحدٌ على تركه إكراهًا، ولا يؤذى ويُعذَّب لأجله تعذيبًا، ويدلّ على العموم قوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) [سورة البقرة – الآية ٢٥٦].».(18)

(…وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا…). [سورة الحجّ – الآية ٤٠].

على المسلمين أن يدفعوا أهل الباطل والظُّلم والاحتلال والاضطهاد، فتتحرّر المساجد والبِيَع والصّوامع، ويتعبّد كلّ امرئ بما يدين له بلا إكراه، وتلك سُنّة الله في الكون، لولا دَفْع الصّالحين للفاسدين لهُدِمَت دُور العبادة بكلّ أنواعها.

ولا تقتصر إغاثة المضطهدين في صورة الحماية العسكريّة للجيوش، بل على المستوى الفرديّ، ما كان لمسلم غيور صاحب مروءة وخُلُق أن يقف موقفًا يرى أمامه مظلومًا دون أن ينصره ويحميه، سواء في صورة إنقاذ فتاة من التّحرُّش، أو الشّهادة لصالح متّهم بريء، أو مساعدة محتاج، أو رعاية ذوي احتياجات خاصّة، إلخّ.

ثالثًا: في العلم.

تدخَّل مفهوم الأمر بالمعروف في العلم، إذ ألزم العلماء بالدّعوة إلى كلّ معروف، بلا كتمان، والنّهي عن كلّ مُنكَر وانحراف في الفكر، بلا محاباة.

إن المتتبّع لتاريخ العلوم الإسلاميّة لا يكاد يجد مسألة إلا واختلف فيها العلماء، ويوجد أكثر من رأي، وأحيانًا أكثر من رأيين، وبهذه الخلافات يزداد العلم ثراءً واتّساعًا، حتى قيل: من لم يقرأ اختلاف العلماء لم يذق رائحة العلم.

هذا الاختلاف ينُمّ عن بيئة علميّة نقديّة لم تُهادِن وتحفظ وتكرّر، بل خاضوا معارك فكريّة، ولم يخشوا النّقد والرّدّ والجدال. ومن هنا راجت المناظرات، وتكوّنت الفِرَق، وتعدّدت المذاهب، واختلف أتباع المذهب الواحد.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: خالد باظة

تدقيق لغوي: عمر أسامة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.