تأخذك إلى أعماق الفكر

ابتسموا للموت

للموت جلالٌ وقدسية وهيبة تقشعر منها الأجساد، لكن هذا الجلال ينقلب إلى رعب وهلع عند كثيرين، فيرعبهم تصور نهايتهم، ويرعبهم التفكير في آلام الموت، وتصور أنفسهم في القبر، ويعذبهم تصور موتاهم في القبور!

ولهذا الرعب أسباب كثيرة وعميقة، لا ندَّعي إحاطتها، لكننا نكشف عن جانب منها، وهو الجهل بطبيعة الموت ومآل النفس؛ فهل الموت مؤلم؟ هل نشعر بأجسادنا داخل القبر؟ هل تفنى النفس بعد الموت أم تشعر وتعي؟

نحاول هنا الكشف عن حقيقة الموت ومآل النفس ووعيها، وبهذا الكشف لن تزول رهبة الموت، لكن نسعى أن يزول الخوف. فلا أطمع في الترغيب في الموت، بل أرغب في الاطمئنان النفسي والتقبل القلبي لعملية الانتقال.

حقيقة الدنيا

1. جسديًا ..

طبيعة الجسد البشري الضعف والعجز، أقل شيء يميته، يشل عضلاته، يمرضه ويؤلمه، كلنا نسير حاملين جثثنا على أكتافنا، وأصغر فيروس قادر على هدم هذا البنيان. تلك اللحظات التي نتعرى فيها أمام المرض مسلِّمين مستسلمين خاضعين مذلولين، هي لحظات ليست عنا ببعيد، ولسنا منها بمفر. الألم أحد أركان الحياة على الأرض.

2. نفسيًا ..

إن تركت نفسك للحياة تأخذك حيث تريد، ستلطمك أمواج الملل واليأس والعجز والحزن. نحن نحاول جاهدين مرهَقين مقاومة ذلك، إما بحبيب، أو إنجاز، أو مال، أو شهوة، يحجب تيار الملل لحظات ثم نعود لطبيعة الحياة مرة أخرى. المهم أن الوضع الطبيعي هو المعاناة، وكل فرحة هي خِلسة نسرقها من الدنيا.

إعلان

يقول (ليوباردي): “السعادة ما هي الا انقطاعات خاطفة للحزن”.

ويقول (آلان دو بوتون): “الحياة هي عملية متواصلة من استبدال قلقٍ بآخر”(1).

3. أخلاقيًا ..

لا يتدخل الله في الكون، بل خلق كونًا يسير بقوانين ثابتة، وخلق بشرًا أحرارًا، ثم تركهم يفعلون ما يريدون حتى يأتي يوم الجزاء. وبالتالي فالعالم لا يسير طبقًا لخطة إلهية مرسومة ومحكمة، بل يسير بإرادات وخطط ومواقف البشر، لذلك أحداثه عبثية، وفوضوية، وفاسدة، وغير أخلاقية، والظلم هو السائد، والبقاء للأقوى، والسلطة لمن غلب. (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ). 

طبقًا لمنظمة الصحة العالمية، في عام 2019 عانى 690 مليون شخص من الجوع(2)!

وخير الناس يسقطون أمام الطغيان قتلى؛ فقد قُتل سقراط، وجيفارا، وعمر، وعثمان، وعلي، والحسين، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن جبير، وأصحاب الأخدود!

ودُفن عمرو المعصوم حيًا، وصُلب غيلان الدمشقي وقُطعت أعضاءه، وصُلب الحلاج، ورُمي ابن المقفع في زيت مغلي، وجُلد أبو حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل في السجون!

وفشلت ثورات شريفة، وسقط وسيسقط أبطال وأبرياء!

يقول الأبنودي على لسان سقراط:

دنيا لا كانت يوم

ولا حتكون فى يوم كويسه

دنيا فى هيأة خنفسة

دنيا فسه

ما أتعس الإنسان

ما أسعد الحيوان(3)

4. علميًا ..

يقول أفلاطون: تصوَّر نفسك في كهف وخلفك نيران وخلفها حيوانات تتحرك، وأمامك حائط، وأنت لا ترى الحيوانات في الخارج، بل ترى ظلها على الحائط، وتعتقد أن هذه الظلال هي الحيوانات ذاتها، لكن في الحقيقة غاية علمك ما هو إلا ظلال للواقع، صور تخيلية للمُثُل الحقيقية.

هكذا كل أفكار العقل البشري هي تخيلات وصور ذهنية تحاول أن تقترب من الواقع، لا أحد يدَّعي أنه لامس الحقيقة، أو عاين الحق، بل كلٌ يذوق من الحقيقة قدر تخيله المحصور بأدواته المعرفية المحدودة.

فلكل عقل تصور وتخيل لله، الملائكة، الشيطان، العدل، الوعي، لكن لا أحد يعلم حقيقة هذه الأشياء كما هي عليه.

بل حتى الملموسات الواقعة بين أيدينا، حين ننظر إليها بالميكروسكوب يهولنا ما نراه، وندرك أننا لم نكن نعرف حقيقتها من قبل، وما يدرينا أن توجد مستويات أعمق وأغرب لحقيقة الأشياء؟!

يقول الغزالي: “لا يبعد أيها العاكف في عالم العقل أن يكون وراء العقل طور آخر يظهر فيه ما لا يظهر في العقل، كما لا يبعد كون العقل طورًا وراء التمييز والإحساس تنكشف فيه غرائب وعجائب يقصر عنها الإحساس والتمييز”(4).

ولما كانت هذه هي حقيقة الدنيا، تكاثرت آيات القرآن المحقرة من الدنيا، فقال تعالى:

(وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).

وتذوق تعبير: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ)، فتسمية (الحياة) في الدنيا هو مجرد مجاز وتشبيه، كأننا أمام رجل لا يأكل إلا رملًا، فنعطيه طعام البشر، ونقول: هذا هو الطعام، وما قبل ذلك لم يكن طعامًا أصلًا!

(يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ).

(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا).

أما الآخرة فهي على العكس تمامًا؛ فحياة أبدية بلا انقطاع ولا مرض ولا ألم.

وبعد الموت تتكشف الحقائق كما هي ونشاهد عين اليقين، (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ).

وبعد الموت يتجلى العدل التام الكامل وميزان القسط، (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ).

وبذلك يتبين أن الموت هو البوابة التي تخلصنا من سجن الجهل، والألم، والنقص، والحزن، والظلم، لننتقل إلى عالم رحب من العلم التام، والسعادة الأبدية، والعدل الكامل.

يقول ابن سينا: “يجب على العاقل أن يتوحش من النقصان ويأنس بالتمام، ويطلب كل ما يتممه ويكمِّله ويشرِّفه ويعلي منزلته، ويثق بأن الجوهر الشريف الإلهي إذ تخلص من الجوهر الكثيف الجسماني فقد صعد العالَم الأعلى، وسعد وعاد إلى ملكوته، وقرب من بارئه، وفاز بجوار رب العالمين، وخالطته الأرواح الطيبة من أشكاله وأشباهه”(5).

حقيقة الموت

يدرك الإنسان تمايزًا ومفارقةً بين الجسد والروح/ النفس، فمهما تغيَّر شكل الجسد وأعضاءه وماتت خلاياه، يظل الإنسان يدرك وجود ذات ثابتة، واعية، عاقلة، مدرِكة، ذات إرادة مستقلة. هذه النفس هي جوهر مستقل عن الجسد، لا تموت بموته، ولا تفنى بفناءه.

صحيح الوعي بالنفس مُركَّب في المخ، لكن طبيعة الوعي التي تدرك الذات، والمشاعر، والعلوم، والفنون، والأخلاق، مغايرة عن طبيعة المادة.

ويقدِّم ابن سينا تجربةً ذهنية لتصور مفارقة النفس عن الجسد، فيقول: افترض أنك معلَّقٌ في فضاء لا يخضع للجاذبية، ولا لملامسة المادة، ولا يوجد ضوء أو برودة أو حرارة أو ضغط أو حركة هواء، ولا توجد جهات، عندئذ هل لا يزال شعورك بالأنا موجود؟

رغم أنك لا تسمع ولا ترى ولا تحس بشيء، أي أن الخلايا الحسية للجسد جميعها معطلة، لكن يبقى هناك جوهر وكيان يقول: أنا أشعر بذاتي، بوجودي، بنفسي. هذه هي النفس أو الذات أو الأنا المنفصلة عن الجسد.

وحقيقة الموت أن الجسد يموت إن فقدت أعضاءه الحيوية قدرتها على العمل، أما النفس فهي لا تعتمد أصلًا على هذه الأعضاء، وهي منفصلة عن الجسد، فهي تنتقل من عالم الدنيا إلى عالم آخر، مجرد انتقال.

وهو ما اتفقت عليه الديانات السماوية: الإسلام والمسيحية وبعض فرق اليهودية، والديانات الوضعية: الهندوسية، والزرادشتية، والفلاسفة: سقراط، وأفلاطون، وأرسطو.

يقول ابن سينا: “الذي يخاف الموت هو الجاهل به وبذاته. وحقيقة الموت هي مفارقة النفس البدن، وليس في هذه المفارقة فساد للنفس”(6).

ويقول الغزالي: “الموت هو انتقال من عالم إلى عالم .. أي ليس في الموت إلا تبديل منزل”(7).

ويقول ابن القيم: “موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها”(8).

هل الموت مؤلم؟

يعتقد كثيرون أن للموت آلام وسكرات عظيمة، سيذوقها كل إنسان حتمًا، بدليل قوله تعالى: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ)، حتى أن النبي ذاقها وتألم قبل الوفاة وقال: “إن للموت سكرات”(9).

السؤال عن الألم لحظة الوفاة هو سؤال ينقسم إلى جزئين:

  1. هل يتألم الجسد لحظة الوفاة؟

بالنسبة للجسد فلحظة الموت هي لحظة وقوف المخ عن العمل، وبالتالي فقدان الجسد للوعي والإحساس، لذلك لا معنى لأي آلام جسدية لحظة الوفاة.

وقد يموت إنسان وهو نائم أو في غيبوبة أو تحت تأثير البنج، لذلك لا يشعر الجسد بأي شيء.

والتجارب المتكررة تثبت أن كثير من الموتى لحظة الوفاة لم تظهر عليهم أي أعراض جسدية تثبت تألمهم إطلاقًا، في لحظة واحدة نجد إنسانًا مال بجنبه، أو أغلق عينيه فقط، بكل سكون وهدوء، كأنه نام أو دخل في غيبوبة.

  1. هل تتألم النفس لحظة الوفاة؟

هنا العلم لا يمدنا بمعلومات، ولا التجارب الحياتية، فلا يبقى سوى النص الإلهي الكاشف عن النفس بعد الموت.

قال تعالى: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ)، والآية تقر أن الموت حق وواقع لا محالة. أما تعبير (سكرة الموت) يفيد أنه قد جاءت لحظة الموت المسكِرة للعقل، المغيِّبة للوعي، لكن لا يثبت أو ينفي وجود ألم نفسي لحظة الوفاة.

وإن جمعنا تعبيرات القرآن عن لحظة الموت سنجده يقول: (سَكْرَةُ الْمَوْتِ)، (إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ)، (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)، فتعبيرات: غفلة، حضور، تذوق، هي تعبيرات لا تشير إلى آلام وعذاب إطلاقًا.

وقال تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)، فهو يسمي النوم: وفاة، والنوم يتم في عملية سلسة وهادئة بلا أي ألم.

والآلام التي شعر بها النبي قبل الوفاة هي آلام المرض؛ لأنه كان لا يزال حيًا ويشعر جسده بآلام المرض، فلا علاقة لها بلحظة الوفاة.

وبالتالي فالوحي الإلهي لا يثبت أو ينفي وجود آلام نفسية لحظة الوفاة، وإثباتها هو ما يحتاج إلى دليل.

يقول ابن سينا: “وأما من يظن أن للموت ألمًا عظيمًا غير ألم الأمراض التي ربما تقدمته وأدت إليه، فقد ظن ظنًا كاذبًا؛ لأن الألم إنما يكون بالإدراك، والإدراك إنما يكون للحي، والحي هو القابل أثر النفس، وأما الجسم الذي ليس فيه أثر النفس فإنه لا يألم ولا يحس، فإذًا الموت الذي هو مفارقة النفس للبدن لا ألم له؛ لأن البدن إنما كان يألم ويحس بالنفس وحصول أثرها فيه، فإذا صار جسمًا لا أثر فيه للنفس، فلا حس له ولا ألم له”(10).

مصير الجسد: قميص مخلوع

إن إحساس الجسد بالآلام وما يحيط به يتوقف على وجود خلايا عصبية تنقل إشارات كهربية إلى المخ ليحس. وبعد الوفاة فإن الخلايا الحسية وخلايا المخ تموت، بل تتحلل، ولذلك لا يحس الجسد بأي آلام، ولا يحس بالقبر الذي يحويه، ولا بظلمته. وقد لا يوجد الجسد في قبر أصلًا في حالة تعرض الجسد لحادث يمنع إعادة تجمعه.

وبالتالي فقد باتت علاقتنا بالجسد كعلاقة أحدنا بقميص خلعه وتركه ونساه.

وليس للجسد إلا رمزية التقدير والتقديس، فتغسيله ودفنه ليس لقيمة الجسد ذاته، بل تقديرًا للنفس التي رحلت عنه.

وقد مرَّ ابن عمر بجمجمة بادية من قبر فأمر رجلًا فواراها، ثم قال: “إن هذه الأبدان ليس يضرها هذا الثرى شيئًا، وإنما الأرواح التي تُعاقَب وتُثاب إلى يوم القيامة”(11).

واختلف العلماء حول: هل تفنى الأجساد تمامًا، ثم تُخلق من جديد عند البعث، أم يبقى منها شيء يُبعث؟

والأدلة النقلية لا تفيد اليقين هنا، ولا ترجح احتمالًا منهما.

مصير النفس: حياة ووعي

يعتقد البعض أن النفس بعد الموت تغيب في العدم، وتفقد الحياة والوعي والإدراك، لكن يثبت القرآن أن النفس بعد الموت تظل حية وواعية ومدركة.

قال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)، صحيح هذا النعيم خاص بالشهداء، لكن محل الاستشهاد هنا أن نفسًا بشرية من الأنفس تحيا وتفرح وتستبشر، مما يعني أن الأنفس لا تُعدم.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.