تأخذك إلى أعماق الفكر

the square “المربع”: هجائية للفن المعاصر في زمن السيولة

“المربع هو ملاذ آمن حيث تسود الثقة والمسئولية، وداخل حدوده نتقاسم جميعًا حقوقًا وواجبات متساوية”

كانت تلك هي الكلمات التي قرأها المخرج السويدي “روبن أوستلوند” في أثناء زيارته لمشروع فني في متحف “فاندالوريوم” في فارنامو بالسويد، بصحبة المنتج السينمائي “كالي بومان”، المشروع الذي اُطلق عليه اسم the squareالمربع” كان يهدف إلى عمل دراسة دراسة للتحقق من موضوع الثقة أو انعدامها، عن طريق مربع فارغ في مكان عام تكون به جميع الحقوق متساوية.

كان ذلك قبل عام من شروع أوستلوند في تنفيذ فكرة فيلمه المربع “the square” والتي استقاها من تلك الواقعة، الفيلم من كتابته أيضًا، وأسند دور البطولة للمثل الدانماركي كلاس بانج والممثلة الأمريكية إليزابيث موس، وهو إنتاج سويدي ألماني دنماركي مشترك، واستهل عرضه السينمائي الأول ضمن فعاليات الدورة السبعين لمهرجان كان السينمائي الدولي عام 2017، واستطاع أن يقتنص جائزتها الأهم -السعفة الذهبية- كما استطاع أن يفوز بالعديد من الجوائز المهمة من أبرزها: ست من جوائز الفيلم الأوروبي، كذلك اختارته السويد مرشحًا رسميًا لها لجائزة أحسن فيلم ناطق بلغة أجنبية في الدورة التسعين لجوائز الأوسكار، ووصل بالفعل لقائمتها القصيرة لكنه لم يفز بالجائزة.

روبن أوستلوند
روبن أوستلوند أثناء تسلم جائزة السعفة الذهبية

يعرض فيلم the square جزءًا من حياة كريستيان (كلاس بانج) الذي يعمل كأمين لمتحف الفن المعاصر بالعاصمة السويدية ستوكهولم بطريقة سرد غير تقليدية، وبشكل غير مرتب وذلك بعرض تفاصيل يومية لحياة كريستيان سواء مرتبطة بعمله في المتحف أو بحياته الشخصية، مثال حادثة سرقة حافظة نقوده وهاتفه المحمول، أو علاقته الغريبة بالصحفية الأمريكية آن (إليزابيث موس) والتي بدأت بعد مقابلة صحفية أجرتها معه من داخل المتحف أمام أحد الأعمال الفنية المعاصرة والتي هي عبارة عن أكوام هرمية من الحصى أبيض اللون مصفوفة على الأرض وخلفها حائط أبيض مكتوب عليه عبارة:

…You have nothing

يتعرض الفيلم لسلسلة من القرارات الخاطئة لـ كريستيان، سواء عند تعرضه للسرقة، وعدم تصرفه بشكل مناسب مع تلك الحادثة مما أدى إلى تعقد الأمور أكثر، أو عندما قرر الدخول في علاقة جسدية مع الصحفية، أو حتى عندما وافق على مشروع فيديو ترويجي للمعرض الجديد للمتحف لم يقم بمراجعته من الأساس، مما أدّى إلى فضيحة إعلامية اضطر بعدها لتقديم استقالته.

إعلان

من خلال قراءة أولية للمربع ندرك أن الفيلم عبارة عن هجائية ثقيلة للفن المعاصر، عبّر عنها أوستلوند بعفوية شديدة قد تبدو مقصودة في بعض المشاهد، وبالتلميحات الواضحة مثل مشهد إزالة تمثال القائد العسكري القديم من ساحة المتحف بل وتدميره أثناء عملية الرفع، ليحل محله المربع الفارغ من المعنى والهدف، في مقارنة ذات دلالة بين القديم والجديد، وكما عُرف أيضًا عن أوستلوند رؤيته النقدية اللاذعة للمجتمعات الأوروبية عامة والمجتمع السويدي بصفة خاصة، بدا ذلك بصورة مكثفة خلال الفيلم، كانتقاده للفردانية والعزلة التي صارت مكونًا أساسيًّا للمجتمعات الأوروبية الحديثة، وذلك من خلال مشهد تأسيسي في بداية الفيلم، عندما صوّر أحدى السيدات تقف في ميدان مزدحم بالبشر وهي تطلب المساعدة من العابرين بسؤال واضح لا لبس فيه: “هل تريد إنقاذ حياة إنسان؟”

لكن لا أحد من المارة يلتفت لها أو يوليها أي اهتمام، بينما كاميرا المخرج تركز عدستها على المشرَّدين الذين يتخذون من الشارع مأوىً لهم.

كما ينتقد فيلم the square طريقة التعامل البراجماتية التي تسود المجتمع الحديث، فـ كريستيان يتأفف من أحد المتسولين في واحد من المراكز التجارية الكبيرة، لكنه لا يجد أي غضاضة في طلبه من المتسول أن يحرس مشترياته حتى يعثر على ابنتيه التائهتين في زحام المتسوقين، كما يتحول الفيلم لانتقاد القيم الرأسمالية وأسلوب الدعاية في زمن السيولة حيث تسود المبادئ الاستهلاكية، وذلك حين يستعين بشركة تسويق من أجل الدعاية للمشروع الجديد على مواقع التواصل الاجتماعي، ويحدث بينهم جدال حول أهمية الدعاية وأن نجاحها يقاس بعدد المشاركات والإعجاب، ذلك النوع من الدعاية لا يتناسب تمامًا مع القيمة الثقافية المفترضة للمتحف، والتي تبدو أنها دعاية “غير أخلاقية” حتى لو كان تطرح سؤالًا خلال الفيديو:

كم يتطلب الأمر من اللاإنسانية، كي نصل إلى إنسانيتك؟

الـفـن والـحـداثـة الـسـائـلة

في تعريفه لمصطلح “السيولة” تعرّض عالم الاجتماع البولندي “زيجمونت باومان” للعديد من المفاهيم والموضوعات الشائكة، وذلك من خلال مجموعة من مؤلفاته المسماة بـ “سلسلة السيولة”، والتي تناول فيها بشكل مكثف مفهومي الحداثة وما بعد الحداثة، وذلك من خلال رؤيته الخاصة والتي فرّق فيها ما بين الحداثة الصلبة -وهي مرحلة سابقة من سيادة العقل- وبين الحداثة السائلة التي شهدت تفكك المفاهيم الصلبة والتحرر من الحقائق الثابتة، أو بمعنى آخر هي حالة إذابة وتمييع مجموعة كبيرة من الكيانات الثابتة كالروابط الإنسانية والبِنَى الاجتماعية والقيم الأخلاقية.

وتبقى رؤية أوستلوند وأطروحته النقدية من خلال فيلم the square غير بعيدة عن تلك التي طرحها باومان، ففي ظل مجتمع ينمّي ويغذي قيم السيولة، نرى العديد من التناقضات التي بدت واضحة في سلوكيات شخصيات الفيلم، فنرى كريستيان الفنان المثقف الذي يتبنى فكرة المربع المرسوم على الأرض وما أن يدخله أحد من المارة فإن الجميع يجب عليه تقديم المساعدة له إذا طلبها، بينما هو نفسه يرفض تقديم المساعدة لأحد الأشخاص في موقف مشابه، إذن فالفارق الوحيد من وجهة نظره هو فنية الفعل لا إنسانيته، تمامًا كما حاول شرح مايعنيه مفهوم “عمل فني” خلال مقابلته الصحفية، عما إذا كان العمل الفني يستمد مشروعيته من قيمته الفنية أم من مكان عرضه؟ وهو ما لم يطبقه كريستيان مطلقًا في حياته الخاصة، فكانت كلماته عبارة عن مخرج من سؤال الصحفية المفاجئ ليس أكثر.

كذلك يمكننا أن نرى بوضوح مدي السيولة في علاقته بالصحفية، فبعد علاقة جنسية عابرة، وفي مشهد ذي دلالة لم يأمنها كريستيان على التخلص من الواقي الذكري، أو حتى عندما تخيلت آن أنها بصدد علاقة عاطفية مفهومها الراسخ؛ صدمها كريستيان برد فعله البارد في مشهدٍ موحٍ استخدم فيه المخرج قطعة فنية معروضة في المتحف عبارة عن كراسي متراصة فوق بعضها بشكل غير مرتب كخلفية للحوار الدائر بينهما، كل ماسبق يعكس بوضوح مدى ما وصلت له شخصيات الفيلم من ميوعة عكست بشكل جلي سيولة وتفكك المجتمعات الحديثة، تلك التي عبّر عنها باومان في كتابه المهم “الحداثة السائلة“:

وهكذا صارت الروابط والعلاقات أشياء نستهلكها، إنها تخضع لمعيار التقييم نفسه الذي تخضع إليه موضوعات الاستهلاك الأخرى كافة.

 ولا ننسى أيضًا المشهد الأكثر تأثيرًا في الفيلم، والذي لم يخلُ من غرابة وسيريالية قد تبدو مباشرة أكثر من اللازم، لكنه يعكس رؤية أوستلوند للمجتمع الأوروبي ولطبقة الأثرياء على وجه الخصوص، حين صوّر أحد الفنانين وهو يحاكي حركات القرد في قاعة فخمة في وسط المتحف، المشهد استند إلى واقعة حقيقية حدثت في العاصمة السويدية في أحد المعارض الفنية لفنان روسي يدعى “أوليج كورليك”، حيث اعتاد أن يؤدي دور كلب بجواره لوحة مكتوب عليها “لا تضايقني” بل إنه أقدم ذات مرة على عض أحد مرتادي المتحف، أما “أوليج” في الفيلم فقد اقتحم عالم الأثرياء وقام بمضايقتهم بل وصل به الأمر إلى حد محاولة اغتصاب إحدى الحاضرات قبل أن يتدخل رجل من الحضور لمساعدتها، وعندها انضم له المزيد من الرجال في محاولة منهم لتهشيم رأس القرد/الرجل مع صوت سيدة في الخلفية تصيح:

“اقتلوه حبًا في الله”

the square

الـمـديـنـة الـمـعـاصـرة واللامـكـان

من الواضح أيضًا أن المدينة بمفهومها الحضاري الثابت لم تعد موجودة في العصر الحديث، بل إن مفهوم المدينة قد تم إذابته وتمييعه، فلم تعد هنالك تلك المدينة التي حكى عنها ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، والتي صاغ بها تصوره حول نشأة الثقافة وتشكلها وما يربطها بالجغرافية والبيئة الطبيعية بما تحمله من موارد حياتية تؤثر على طبائع وسلوكيات البشر، فكانت المدن تنشأ من انصهار كل تلك العوامل السابقة.

the square

أما المدينة المعاصرة فقد اتسعت بها الأماكن المؤقتة التي لا تحمل صفات تميزها من أسواق عامة ومتنزهات وطرقات وذلك على حساب الأماكن الخاصة، لتنتقل البشرية تدريجيًا من العيش بمكان إلى اللامكان، ذلك المكان المؤقت الذي يحمل هوية مؤقتة، تمامًا كالمربع الذي صيغت له فكرة خيالية عن المساعدة لا تحدث مطلقًا في واقعنا المعاصر، ذلك المشروع الذي جرى من أجله إزالة تمثال فني يحمل ذكريات ومعانٍ محفورة في الذاكرة، في طمس متعمد للهوية المكانية وذلك لصالح ثقافة استهلاكية بحتة، كتلك النماذج الفنية المستهلكة التي تم عرضها في متحف للفن المعاصر والذي لا يمت للفن بأي صلة، تلك الفكرة التي اختصرها المخرج في افتتاحية فيلمه بالعبارة التي نقشت على الحائط خلف البطل:

You have nothing

وأخيرًا فقد استطاع روبن أوستلوند أن يصنع ببراعة فيلمًا يبدو كقصيدة هجاء لاذعة لمجتمعه، ذلك المجتمع الذي لم يعد يملك من قِيَمه الأصيلة إلا القليل.

اقرأ أيضًا: فيلم Good Will Hunting: الخوف من الهجر وكبح الحياة

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: حسن أبومازن

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: ندى حمدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.