سينما رخيصة: أفلام الاستغلال النازي Nazi Exploitation

تساءل الناقد السينمائي الشهير “فنسنت كانبي” كبير نقاد The New York Times في مقال نقدي له نشر في الصحيفة في منتصف السبعينيات من القرن العشرين، بعد مشاهدته لأحد أشهر أفلام الاستغلال النازي قائلًا: “هل من الممكن إعادة بناء اهتمامات ومواقف وقيم المجتمع المفقودة من خلال صندوق قمامته؟ ربما يجب علينا أن نلقي نظرة فاحصة على بعض الأشياء غير المرغوب فيها، والتي تمر عبر دور السينما لدينا هذه الأيام”.

والفيلم الذي ذكره “كانبي” في مقاله، هو الفيلم الكندي: Ilsa, she wolf of the SS الذي ظهر إلى النور في عام 1974م من إنتاج “ديفيد فريدمان” David M. Friedman وبطولة “ديان ثورن” Dyanne Thorne في أول دور رئيسي لها في السينما، وبالطبع لم يكن فيلمنا هذا هو الأول من تلك النوعية من أفلام الدرجة الثانية، فقد سبقه العديد من الأفلام التي ظهرت على شاشات السينما في أمريكا وأوروبا، ولكن ظل هذا الفيلم هو حجر الزاوية، والمثال الأشهر في أفلام الاستغلال النازية.

كيف بدأت الحكاية؟

عند الحديث عن بداية القصة يجب أن نركز على شقين، الشق الأول كيف بدأت تلك النوعية من الأفلام؟ والشق الثاني هو سرد تاريخي للشخصيات التي استمدت منها أفلام الاستغلال النازي حبكتها.

عند الحديث عن ذلك النوع الفرعي من أفلام الإباحية، وكيف بدأت، نلاحظ أن معظم أفلام الدرجة الثانية أو الأفلام التي تحمل محتوى فاحش كان مصدرها المباشر الذي استفت منه حبكتها، هو أفلام ذات مستوى فني عالي أو أفلام طليعة، لمخرجين مهمين في تاريخ السينما، ومثال على ذلك، فإن أفلام الواقعية الجديدة في إيطاليا كانت مصدرًا ملهمًا، لمخرجي ذلك النوع الرخيص من الأفلام، فثلاثية الحرب للمخرج الإيطالي “روبيرتو روسيلليني”، والذي بدأها بفيلم “روما مدينة مفتوحة” ثم أتبعها بفيلم” ألمانيا في العام صفر” ، واختتمها بفيلم “بايزا“، كانت علامة بارزة في نوعية الأفلام التي تم إنتاجها عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، والتي كان هدفها الأساسي التنديد بجرائم الإبادة النازية أثناء الحرب، وهناك العديد والعديد من الأفلام التي تناولت تلك الجرائم ضد الإنسانية وقد تم إنتاجها في فترة الخمسينيات والسيتينيات من القرن العشرين لمخرجين من مختلف المدارس والجنسيات ولا يتسع المجال لذكرها، ولكن ما يهمنا هو أن تلك الأفلام كانت شرارة البداية لما عرف بعد ذلك بأفلام الاستغلال النازية، وهنا ننتقل إلى الجزء المهم والحقيقي في تلك الرواية المرعبة.

ساحرة “بوخنفالد”  

ولدت “إلزا كوهلر” في درسدن في ألمانيا في عام 1906م، وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى تخرجت من مدرسة التجارة، وعملت في وظيفة كتابية لعدة سنوات قبل أن تنضم للحزب النازي في عام 1932م وعن طريق بعض أصدقائها في الحزب عرفت زوجها المستقبلي ضابط الـ SS  الألماني “كارل أوتو كوخ”، والذي حملت اسمه فيما بعد ليصبح اسمها “إلزا كوخ”. كان “كوخ” في ذلك الوقت مسؤولًا عن إدارة بعض معسكرات الاعتقال النازية مثل: معسكر “إيسترفاجن”، ومعسكر “كولومبيا” قبل أن يتم اختياره لإدارة معسكر “بوخنفالد” الرهيب في عام 1937م، بعد زواجه بـ “إلزا” بعام واحد.

إعلان

حكم “كوخ” وزوجته معسكر الاعتقال بيد حديدية لما يقارب الأربعة أعوام قبل أن يتم نقله مرة أخرى لمعسكر آخر في بولندا؛ بسبب الفساد والجرائم الأخلاقية التي كانت تحدث في “بوخنفالد”… وسنعرض بعض من وقائعه في السطور القادمة.

عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة، كشفت التحقيقات التي قامت بها قوات الحلفاء المنتصرة عن العديد من الجرائم، والانتهاكات التي تمت من جانب السلطات النازية في حق العديد من الأجناس المغايرة للجنس “الآري”، باعتبار أن تلك الأجناس الأخرى -اليهود والغجر والمعاقين- هم أقل درجة من العرق “الآري”، وقد جرت العديد من الفظائع والجرائم في معسكرات الاعتقال كان أشدها تلك التجارب المريعة التي تعرض لها المساجين في تلك المعتقلات وأشهر تلك الوقائع ما جرى في معسكر “أوشفيتز” الرهيب على يد الضابط والطبيب الألماني “جوزيف مِنجيله” كبير أطباء المخيم الفرعي لمعسكر ““أوشفيتز”، ذلك الطبيب والأنثروبولوجي الذي بدأ حياته العملية بأبحاث قيمة عن العوامل الوراثية التي تؤدي لما يعرف بـ “الشفة الأرنبية”، حتى أن أطروحته حازت على درجة الدكتوراه من جامعة فرانكفورت عام 1938م، وذلك قبل أن ينضم لكتيبة العاصفة التابعة للحزب النازي عقب وصول الحزب للحكم.

شارك “منجيله” أو “ملاك الموت” كما أطلق عليه فيما بعد، في التجارب الوحشية التي أجريت على المعتقلين في معسكرات النازية، تلك التجارب البشعة التي لم ترحم كبيرًا ولا صغيرًا، وكانت تلك التجارب أشبه بحفلات التعذيب للأسرى وتنتهي عادة بموت الأشخاص الذين تمت عليهم التجارب وتراوحت تلك الممارسات ما بين تجارب التجميد أو تجارب إصابة المساجين بالملاريا أو تجارب غاز الخردل أو العديد من الممارسات الوحشية، وكان “منجيله” بارزًا في ذلك المجال، وللأسف لم تتم محاكمته في أي من المحاكمات التي أجريت بعد الحرب؛ لكونه استطاع الهروب من ألمانيا والتخفي في أمريكا الجنوبية لعشرات السنين، وحتى وفاته بشكل طبيعي في أواخر سبعينيات القرن العشرين.

أما فيما يتعلق بـ “إلزا كوخ” فقد تمت محاكمتها مرتين، في المرة الأولى لم يتم إدانتها؛ لعدم وجود أدلة كافية، أو لأن القضاة الأمريكيين لم يهتموا بواقع الأمر؛ لأن تلك الجرائم لم تقع على أي من جنود الحلفاء، بل على المواطنين الألمانيين، أما في المحاكمة الثانية والتي أجريت عام 1951م تمت إدانتها، وحكم عليها بالسجن مدى الحياة، وظلت في السجن حتى إقدامها على الانتحار شنقًا في عام 1967م، وهي في الستين من عمرها.

سمات أفلام الاستغلال النازي الأسلوبية:

تتشابه معظم أفلام الاستغلال النازي في بعض السمات سواء من ناحية الشكل أو المضمون، فأغلب الأفلام تدور في معسكر تعذيب يدار بواسطة جنود ألمان غلاظ، وعادة ما يكون الممثلون أجانب ينطقون الألمانية بلهجة رديئة، ويتم إجراء تجارب على أسرى تلك المعتقلات، ويتخلل ذلك مشاهد عري، عنف، وفي بعض الأحيان يصل الأمر إلى عرض مشاهد دموية.

أما من ناحية المضمون دائمًا ما يربط مؤلفو تلك الأفلام بين الانحراف السياسي (الفاشية أو النازية)، وبين الانحراف السلوكي (اغتصاب أو مثلية جنسية أو بيدوفيليا)، ويستثنى من ذلك بعض الأفلام القليلة التي كانت أقرب للأفلام الطليعية منها لأفلام الاستغلال.

وأخيرًا، وبالرغم من انتهاء تلك الحقبة الزمنية، فقد ظل تأثير “إلزا” قائمًا؛ وظهر ذلك في العديد من الأفلام التي تم إنتاجها حديثًا أو حتى في مجلات “الكوميكس” مستعيدًا شخصية “إلزا” الخيالية كما رسمتها السينما الرخيصة، لا كما كانت في الحقيقة بكل أبعادها المعقدة.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: حسن أبو مازن

تدقيق لغوي: مجد دغلس

اترك تعليقا