تأخذك إلى أعماق الفكر

النوم كما لم تسمع عنه من قبل

هل فكرت يومًا بذلك الفعل الروتيني الذي نختتم به يومنا؟ الفعل الذي نقضي ثلث أعمارنا ونحن نمارسه، لماذا عليك أن تفكر؟ لا تفعل، فهناك من فكر عنك، ولكن كونك هنا فهذا يعني أنك مهتم بالاطلاع على النوم وما يخفيه هذا الفعل الجميل من معلومات وعمليات شائكة خلفه. ترجع أولى محاولات الكتابة عن النوم لأرسطو، إذ كتب في عام 350 قبل الميلاد كتابًا بعنوان “حول النوم واليقظة”، أما الأبحاث العلمية التي أُجريت حول النوم في النصف الثاني فقد بدأت في القرن العشرين، ويرجع ذلك للتطور الكبير في مجال علوم الأعصاب بالإضافة إلى اكتشاف التخطيط الكهربائي الدماغي.

نظرة عامة

النوم هو حالة تنعدم فيها اليقظة، وتنخفض درجة التفاعل مع المؤثرات الخارجية إلى أقل مستوى، وقد اكتشف كل من “Nathaniel Kleitman”و “William Dement”و “Michel Jouvet”نوعي النوم، النوم البطيء والنوم المفارق.

النوم البطيء

يمتد لثلاثة أرباع الليل، ويتميز بانخفاض تدريجي للنشاط الكهربائي للدماغ مقارنة بحالة اليقظة، ففي حالة القيام بنشاط ما تصل عدد الشحنات إلى مئة شحنة في الثانية، وفي حالة الاسترخاء والراحة التامة تتراوح من ثمان شحنات إلى اثنتي عشرة شحنة في الثانية، وخلال النوم البطيء تصل إلى ما دون الثماني شحنات في الثانية، ويصبح نشاط العصبونات متزامنًا مع بعضه بعضًا كأفراد الجيش في الاستعراضات العسكرية، وينقسم النوم البطيء إلى نوعين أيضًا، الخفيف والعميق.

النوم البطيء الخفيف

في هذه المرحلة يتراوح النشاط الكهربائي من ثلاث إلى سبع شحنات، ويشغل 60% من المدة الإجمالية للنوم.

النوم البطيء العميق

في هذه المرحلة، تصل الشحنات الكهربائية إلى أدنى مستوياتها لتتراوح بين النصف شحنة والشحنتين، وتحدث بتزامن دقيق، وتعد هذه المرحلة بمثابة العِوَض، فتزيل آثار التعب التي تراكمت طوال اليوم، ويصعب على الإنسان بشكل عام الاستيقاظ في تلك المرحلة، بل يحتاج إلى مغالبة النوم مغالبة شديدة، تشغل هذه المدة 20% من المدة الإجمالية للنوم.

إعلان

النوم المفارق

هو النوم الذي يلي النوم البطيء، ويمثل نسبة 20% من مدة النوم الكلية، تشهد هذه المدة نشاط دماغي كبير واسترخاء جسدي تام تتخلله بعض الاهتزازات، يكون النشاط الكهربائي للدماغ في هذه المرحلة مساوٍ للنشاط الدماغي في حالة الاستيقاظ، فيتراوح عدد الشحنات بين خمس إلى عشر شحنات بسعة ضعيفة، ويلاحظ تحرك العينين في محجريهما بسرعة، ويطلق على ذلك “حركة العين السريعة”، وتهتز طبلة الأذن كأنها تتلقى أصواتًا.

أنواع النوم

يخضع النوم لفترات تتناوب بين مراحل النوم الثلاثة المذكورة أعلاه، ويبدأ النوم بالمرحلة البطيئة دائمًا، ويأتي النوم المفارق بعد ثمانين دقيقة، وبهذا تكون اكتملت دورة نوم كاملة -وهي بالعادة تتألف من نوم بطيء خفيف يتحول بشكل تدريجي إلى نوم عميق ثم إلى نوم مفارق-، نمر عادةً بثلاث إلى خمس دورات نوم، ويكون النوم العميق مفيدًا إذا جاء في أول الليل.

هل نمت يومًا بشكل متواصل؟ أنت لم تفعل ذلك أبدًا؛ نحن نستيقظ مرات عديدة خلال نومنا، وخاصةً عند انتهاء وبداية كل دورة من دورات النوم، ولا نتذكر تلك الفترات من اليقظة إلا إذا دامت أكثر من ثلاث دقائق، تبلغ مدة اليقظة بين دورات النوم نصف ساعة لكل ليلة، ويرجع سبب هذه الفترات إلى التأكد من كون البيئة المحيطة آمنة أم لا، وتحريك عضلات الجسم وتقليبه، ولإطلاق دورة جديدة من دورات النوم، وهناك يقظات من نوع آخر هي “اليقظات الصغرى”، تمتد من ثلاث إلى خمس عشرة ثانية، وتحدث من عشر إلى عشرين مرة في الساعة، ولا تؤدي هذه اليقظات أي دور في التنقل من دورة إلى أخرى.

عدد ساعات النوم

تنام النساء أكثر من الرجال حتى سن الخمسين، وينام الرجال أكثر من النساء من سن الستين فصاعدًا.

  • ينام الأطفال 66.7% من اليوم بمعدل 16 ساعة يوميًا.
  • ينام البالغون 33.3% من اليوم بمعدل 8 ساعات يوميًا.
  • ينام كبار السن 22.9% من اليوم بمعدل 5 ساعات ونصف يوميًا.

يحتاج الإنسان إلى ما يقارب السبع ساعات والنصف بشكل عام كل ليلة، ويختلف الأمر من شخص إلى آخر، فهناك أصحاب النوم القصير الذين يحتاجون إلى أقل من خمس ساعات ونصف في اليوم، وأصحاب النوم الطويل الذين يحتاجون إلى أكثر من 9 ساعات ونصف كل ليلة.

الدماغ أثناء النوم

أثناء استيقاظ الشخص يظهر التخطيط الكهربائي للدماغ نمطَ نشاطٍ سريع (عالِ التردد)، وذا سعة صغيرة، ولكن أثناء النوم يُظهر نمطَ نشاطٍ بطيء (منخفض التردد) وموجات كبيرة السعة، ينخفض استهلاك الدماغ للطاقة بنسبة 11% أثناء النوم البطيء والخفيف، و 4% خلال مدة النوم البطيء والعميق، ويتساوى استهلاك الطاقة في مرحلتي اليقظة والنوم المفارق.

كيف ننام؟

الساعة البيولوجية الداخلية

تقع الساعة الداخلية في الدماغ وهي تتمثل بجزء يسمى “النوى فوق المتصالبة” التي تقع تحت المهاد وتقع خلف العينين، يسهل علينا النوم عندما تنخفض درجة حرارتنا، ونستيقظ عندما ترتفع درجة حرارتنا الداخلية، الهيستامين أحد الجزيئات الموقّظة، ويعد الأوركسين من ضمن المتحكمات بالنوم، كما أن هنالك زيادة ملحوظة في ساعاتنا البيولوجية عن الساعة اليومية التي تبلغ 24 ساعة، إذ أن ساعتنا الداخلية هي 24 ساعة و11 دقيقة.

عندما نستيقظ يبدأ الجسم بمراكمة جزيئات الأدينوسين والسيروتونين مما يجعلنا نشعر بالنعاس، إلا أن تناول القهوة والشاي الغنيين بالكافيين يؤخران النوم عن طريق تعطيل جزيئات الأدينوسين.

الأحلام

القشرة الدماغية العليا توجه الأمر لانطلاق الأحلام، ويتم عندها إطلاق أوامر أخرى بإلغاء التحكم بحركة العضلات داخل النخاع الشوكي، مما يسبب شلل، ويمكن أن نحلم في أي فترة من فترات النوم لكن أحلامنا في النوم المفارق تكون أغنى وأعقد منها في النوم البطيء، وتفيد إحدى النظريات القائمة بأن الحلم هو ناتج ثانوي لمعالجة المعلومات وتقوية الذاكرة.

النوم والمراحل العمرية

  • الرضّع أو حديثي الولادة

يبلغ عدد ساعات الرضّع ما يقارب 16 ساعة يوميًا، وذلك في الأسابيع الأولى من حياتهم، ويحصل الرضيع على الميلاتونين من خلال حليب أمه، لا تكون ساعته البيولوجية متناسقة عند الولادة وتحتاج إلى أربعة إلى خمسة أشهر لكي يتم ضبط الساعة البيولوجية داخله، وبعد ستة أشهر تظهر دورة يومية على مدار 24 ساعة، تتضمن فترة نوم رئيسية بالإضافة إلى إغفاءات قصيرة أثناء النهار، وتستقر في سن 6-12 شهراً

  • الأطفال

ينخفض عدد الساعات من 16 ساعة إلى 8-9 ساعات يوميًا.

  • البلوغ والمراهقة
  • منتصف العمر
  • الشيخوخة

يحتاج الأشخاص الكبار في السن فترات أطول للخلود للنوم، وينخفض لديهم عمق النوم، تتكرر مرات الاستيقاظ أثناء النوم مما يقلل من فترة النوم ومن كفاءته، ويعتبر كبار السن من الفئات النهارية، وينخفض لديهم معدلات إنتاج الميلاتونين نتيجة لضعف قدرات الغدة الصنوبرية.

  • الحمل

يزداد النوم ليلاً وتكثر الإغفاءات في الأشهر الثلاثة للحمل، حتى تصل إلى زيادة مدتها ساعة واحدة يوميًا، ويعود سبب هذه الزيادة إلى زيادة إفراز هرمون البروجيسترون الذي يزيد من النعاس. أما عن الجنين فإن إيقاعات ساعته الداخلية تتزامن مع إيقاعات ساعة أمه، حيث يتم المزامنة بين معدل ضربات قلب الأم وضربات قلب الجنين، ونومه مع نومها، ودرجة حرارته مع درجة حرارتها، وإيقاع إفراز الميلاتونين مع إيقاع إفرازاتها، ويحدث هذا في الربع الأخير من فترة الحمل.

لماذا ننام؟

لم تظهر فرضية شاملة تفسر هذا السلوك من حياتنا، وكان يُعتقد في بداية القرن العشرين أن النوم يساعد على التخلص من المواد السامة التي تراكمت في فترة اليقظة، لكن الأبحاث الحديثة قدمت دليلًا على الدور الهام الذي يضطلع به النوم في المساعدة على نمو الدماغ.

ومن الأسباب المرجح في أنها السبب الذي يدفعنا إلى النوم:

1.تجديد الخلايا

2.الحفاظ على الطاقة

ما يدعم هذه النظرية أن حركة النوم غير السريعة تتميز بانخفاض الأيض، ومع ذلك تشير حسابات الطاقة إلى أن الطاقة التي نوفرها أثناء نومنا هي ما يعادل شطيرة نقانق (من 80 إلى 130 سعرًا حرارياً) في الليلة الواحدة، وبهذا “يبدو من غير المنطقي تحمّل هذا الثمن السلوكي الباهظ مقابل هذا العائد البسيط”، وما يعاكس هذه النظرية أن الأيض يزداد في الدماغ أثناء حركة العين السريعة.

  1. تعزيز الذاكرة والقدرة على التعلّم

إن الحرمان من النوم بعد تعلّم مهارة جديدة يؤدي إلى تدهور الأداء في الاختبارات اللاحقة، وهناك بعض المهام التي يتعذر تعلمها إذا حُرم الفرد من النوم ليلاً بعد التعلّم، حيث اتضح بأن النوم يعزز وبشكل ملحوظ القدرة على التفكير النقدي وحل المشكلات.

النوم والتعلم

يساعد النوم البطيء العميق على تعزيز الذاكرة الصريحة -التعليم الواعي-، بينما يساعد النوم المفارق في تعزيز الذاكرة الضمنية -التعلم اللاشعوري-، وقد بينت الدراسات أن الخلايا التي شاركت في عملية التعليم تبقى مشغّلة وتعمل أثناء النوم، وتشغل أغلب المناطق التي ساهمت في التعلم عن شيء ما في النهار أثناء النوم، ويزداد القدرات التي تعلمتها بعد ليلة من النوم.

النوم وعلاقته بالصحة

الإفرازات الهرمونية

تفرَز العديد من الهرمونات في الليل، ومنها:

  • هرمون النمو، ويطلق في بداية الليل وتحديدًا في المرحلة الأولى من النوم البطيء العميق.
  •  وينتج الكورتيزول في الساعة الرابعة صباحًا ليصل حدوده القصوى في الساعة الثامنة، وهو ينشط عملية ارتفاع الغلوكوز والبروتينات في الدم، مما يوفر الشروط اللازمة للاستيقاظ، عن طريق تقديم الطاقة الضرورية لممارسة الأنشطة النهارية.
  • الميلاتونين، هو هرمون ينتج في الغدة الصنوبرية، يخضع للتناوب بين الضوء والظلمة، ولا يُفرز سوى ليلاً، وهو عامل مهم في تنسيق عمل الساعة البيولوجية، يبدأ إفراز الهرمون في حدود الساعة التاسعة، ويتوقف إفرازه في الساعة السابعة صباحًا.
  • اللبتين والغريلين، اللبتين يقطع الشهية بينما يحفزها الغريلين، وترتفع نسبة اللبتين في الليل.

 ضبط الحرارة

تنخفض درجة الحرارة الداخلية مساءً بأمر من الساعة الدماغية، حيث يتم توجيه الحرارة نحو الأطراف والجلد لتنتشر، ويستمر انخفاض درجة الحرارة خلال النوم البطيء، عن طريق توسع الأوردة الدموية، لذلك يكون لون وجه ويديْ من نام القيلولة القصيرة أحمرًا.

اضطرابات النوم

  • الأرق

لا يعد الأرق مرضًا محدداً لكنه عرَض شامل يتمثل في عدم القدرة على النوم، وهو أكثر شكاوى النوم شيوعًا، وينقسم المرض إلى نوعين:

1- صعوبة في النوم (البدايات)

2-صعوبة في الحفاظ على النوم -الاستمرار به-

تعاني النساء من الأرق أكثر من الرجال، رغم أن الدراسات أثبتت أن جودة النوم لدى النساء أعلى مما هي عليه عند الرجال، تزداد الشكوى من الأرق مع تقدم العمر، ويعاني نصف من يتجاوزون العمر 65 من مشكلة الأرق، وغالبًا ما يصيب الأرق الكبار في السن، بسبب نهوضهم بكثر في الليل للتبول، ويمكن أن يكون لدى الشخص استعداد وراثي للإصابة بالأرق.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: حازم عمر زين العابدين‏

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.