تأخذك إلى أعماق الفكر

” Ran” أكـيـرا كوروساوا: صمت الإله أم فوضى البشر؟

على خطى أصحاب الرسالات المقدسة، وقف المخرج الأسطوريأكيرا كوروساواعلى سفح جبل آسو في أحد أيام شتاء 1983 البارد، ليعطي إشارة البدء لتصوير فيلمه الملحميفوضى Ran“, والذي سيُصبح فيما بعد أحد أهم أيقونات السينما العالمية، وآخر مساهمات كوروساوا العظيمة في السينما، صحيح أنه أنجز ثلاثة أفلام بعدها لكن تلك الأفلام تعتبر أقل فنياً من تحفته الخالدة “فوضى”.

الفيلم الذي تم عرضه في مايو 1985 في افتتاح مهرجان طوكيو السينمائي الدولي، هو إنتاج فرنسي – ياباني من إخراج أكيرا كوروساوا، كتب له السيناريو هيدو أوجوني بمشاركة كوروساوا والسيناريو مقتبس من مسرحية شكسبير الخالدة “الملك لير”، قام بالبطولة تاتسويا ناكادي وميكو هارادا وأكيرا تيراو، كما عمل المخرج أوتشيرو هوندا صاحب سلسلة أفلام جودزيلا الشهيرة كمستشار فني لـ كوروساوا في إخراج الفيلم.

كيف بدأت القصة:

بالعودة إلى عام 1965 حين أنهى كوروساوا فيلمه “الذقن الحمراء” والذي لاقى استحساناً نقدياً وجماهيرياً، وفاز عنه كوروساوا بالعديد من الجوائز بجانب ترشيح لجائزة الجولدن جلوب لأحسن فيلم ناطق بلغة أجنبية، بدا أن الحقبة الذهبية للمخرج الكبير قد شارفت على الانتهاء، فالموجة اليابانية الجديدة كانت في أوجها، وبرزت أسماء مخرجين من أمثال: ماساهيرو شينودا – كينجي يوتشيدا – ناجيزا أوشيما، حازوا نجاحًا نقديًا وجماهيريًا، في الوقت الذي اعتبر البعض أن أفلام كوروساوا صارت موضة قديمة وإنه قد انتهى فنيًا، وهنا كان التغيير واجبًا وحتميًا، ومع مشاكل التمويل التي واجهها قرر هو وثلاثة مخرجين هم: (كيسوكي كينوشيتا، ماساكي كوباياتشي، كون إيشيكاوا) تأسيس شركة إنتاج سينمائي، كان فيلمه التالي “دوديسكادن” باكورة أعمالها والذي ظهر للنور عام 1970 كأول أفلام كوروساوا الملونة بعد حقبة طويلة من أفلام الأبيض والأسود، الفيلم برغم وصوله للقائمة القصيرة في ترشيحات جائزة الأوسكار لأحسن فيلم أجنبي، إلا أنه واجه فشلاً ذريعًا سواء على المستوى الجماهيري أو النقدي، أدى ذلك إلى دخول كوروساوا في حالة من الاكتئاب حاول بعدها الانتحار عن طريق قطع شرايين يده، لكنه نجا من محاولته الفاشلة للانتحار.

ويعود بعدها بأعوام للسينما ويبدع فيلمه الوحيد الذي أخرجه خارج حدود اليابان وهو فيلم “ديرسو أوزالا” من إنتاج الاتحاد السوفيتي عام 1975، وحصد الفيلم جائزة الأوسكار الممنوحة لأحسن فيلم أجنبي بعدها بعام.

بعد الانتهاء من تصوير “ديرسو أوزالا” وأثناء قراءة كوروساوا لسيرة سيد الحرب الياباني الشهير”موري موتوناري” ، برزت الفكرة في رأسه فورًا، لورد ياباني بلغ من الكِبَر عتيًا، يقرر تقسيم مملكته بين أولاده الثلاثة، ثم بدأ كتابة السيناريو دون أن يدرك وقتها تشابه الفكرة مع مسرحية شكسبير، هنا قرر كوروساوا أن يكتب نسخته من لير ولكن بنكهة يابانية خالصة، في تلك الأثناء قام برسم “ستوري بورد” لكل مشاهد الفيلم كاملة، ظل المشروع معطلاً في انتظار التمويل المالي الكافي.

إعلان

بدأ بعدها كوروساوا في العمل على فيلمه التالي “كاجيموشا” والذي واجه أيضاً مشاكل إنتاجية هددت اكتمال الفيلم، حتى تدخل كلٌ من جورج لوكاس و فرانسيس فورد كوبولا، وقاما بإقناع شركة “فوكس القرن العشرين” بإكمال الفيلم مقابل الحصول على حق توزيعه عالميًا، صدر الفيلم عام 1980 وحاز أهم جائزتين في فرنسا، جائزة السعفة الذهبية وجائزة سيزار في نفس العام.

نجح فيلم “كاجيموشا” والذي اعتبره البعض البروفة النهائية لفيلم “فوضى” في استعادة كوروساوا لبعض الثقة في قدرته على إكمال مشروعه الفني المؤجل، لذا بدأ في التحضير للفيلم الملحمي ونجح في الحصول على التمويل اللازم للفيلم حين تحمس المنتج الفرنسي “سيرج سيلبرمان” صاحب الأفلام الأيقونية ” سحر البورجوازية الخفي” و “شبح الحرية” لتمويل المشروع بميزانية ضخمة وغير مسبوقة في تاريخ السينما اليابانية وقتها ب 11 مليون دولار أمريكي.

استغرق الإعداد للفيلم شهور عدة، وتم توظيف حوالي 1400 ممثل من المجاميع في التصوير واستخدام ما يقرب من المئتي حصان لتصوير مشاهد المعارك، تم إعداد الملابس في أكثر من عامين على يد مصممة الأزياء “إيمي وادا” وبإشراف من كوروساوا ذاته، ليبدأ بعدها التصوير.

“أنـا هــديــتــورا”

كان هذا رد كوروساوا عند سؤاله عن الاقتباس من مسرحية شكسبير، فبرغم أنه من المؤكد أن الفيلم مأخوذ بشكل صريح من المسرحية مع إضافة النكهة اليابانية للحكاية وذلك بربطها بقصة اللورد موتوناري، إلا أن بعض الآراء ذهبت إلى كون الفيلم يحكي جزءًا من حياة كوروساوا نفسه، وهذا الرأي رجحه الناقد السينمائي الأشهر “روجر إيبرت” في مقاله عن الفيلم حيث قال:

” الفيلم قد يكون عن حياة كوروساوا أكثر من كونه اقتباس عن مسرحية شكسبير”

والفيلم يحكي قصة اللورد “هديتورا” الذي ارتكب كل الآثام والخطايا حتى يوسع رقعة ملكه، ولم يكن مطلقًا ذلك الملك الطيب كـ “لير” شكسبير، وفي لحظة ما في شيخوخته يقرر أن يقسّم ملكه فيما بين أولاده الثلاثة “تارو” و”جيرو ” و “سابرو”، يعترض الأخير على الفكرة ويعاقبه والده بالنفي خارج مملكته، بعد ذلك تُساء معاملة “هديتورا” من جانب ولديه، ونتيجة لذلك يصاب هديتورا بالجنون، فيعود بعدها سابرو من أجل إنقاذ أبيه، لكن ينتهي الفيلم بموتهما ويضيع مُلك هديتورا للأبد.

 

” فيلمٌ صُنع بعظمة نادرة…مستحيل نسيانه”    إيان ناثان – إمباير.

ولإدراك مدى عظمة واختلاف فيلمنا هذا وجب التوقف طويلاً أمام العناصر المهمة التي أضفت عليه فرادته، بفحص متأنٍ بغية استبطان وكشف جمالياته.

جماليات تكوين الصورة السينمائية:

الملابس والديكور:

مع تلك الميزانية الكبيرة التي تم رصدها لإنتاج الفيلم، استطاع كوروساوا أن يخرج كل ما في جعبته من مهارة، بداية من الديكور محكم الصنعة حيث تم بناء قلعة بالكامل على طراز القلاع اليابانية القديمة، وصولًا لأدق تفاصيل الملابس والإكسسوارات التي عكست بسخاء تميز تلك الفترة، كما وظف المخرج ألوان الملابس بشكل ذو دلالة ومعنى قوي، حيث اختلفت ملابس الأشقاء الثلاثة وكذلك ملابس جيوشهم بما تحمله الألوان من رمزية مقصودة، فجيش تارو كان يرتدي الأصفر، بينما جيرو وجيشه يرتدون الملابس حمراء اللون بما للونين من دلالة قوية ترمز إلى الدماء والنيران التي التهمت مملكة هديتورا، أما سابرو الابن الأصغر اعتمد اللون الأزرق كزي له ولرجاله بما لهذا اللون من دلالة واضحة على الصفاء والهدوء.

وقد تُوج هذا المجهود بتتويج مصممة الأزياء “إيمي وادا” بجائزة الأوسكار لأحسن ملابس.

2 – الحركة:

تعتبر حركة عناصر المشهد السينمائي أهم ما يميز سينما كوروساوا، فهو يؤمن دومًا بأن الحكاية لابد وأن تُحكى من خلال الحوار المدعوم بالحركة داخل الكادر السينمائي، ويبرز هنا استخدامه للتكوينات المثلثة والتي يُفهم من خلالها مركزية وأهمية شخصية بعينها في المشهد، أو تأطير شخصية ما داخل إطار مستطيل الشكل للدلالة على توتر أو حالة حصار لتلك الشخصية والتي غالبًا ما تكون على أعتاب اتخاذ قرار مصيري.

كذلك لا يمكن إغفال ما تميز به كوروساوا في مسيرته السينمائية الممتدة من استخدامه لحركة العوامل المناخية، كالرياح والأمطار والسحاب وتوظيفها دراميًا، فقد استخدم الغيوم والسحاب الكثيف هنا لإيصال معنى ما عن عدم رضا الرب الغاضب من أفعال البشر، كما في مشاهد اقتحام القلعة الثالثة الدموي.

3 – التصوير السينمائي والمونتاج:

استخدم المخرج في مشاهد المعارك أكثر من كاميرا وذلك لجعل الحركة طبيعية وانسيابية، تلك الطريقة اعتمدها كوروساوا في أفلام كثيرة قبل ذلك، حيث كان يستخدم ثلاث كاميرات لتصوير المشهد من زوايا مختلفة وذلك قبل تقطيع المشهد في مرحلة المونتاج.

استخدام كوروساوا لأكثر من كاميرا ثابتة ساعده على إظهار حجم التراجيديا والموت بلا داعٍ في مشاهد القتال، اختياره للكادرات الواسعة ونوعية العدسات ساعد أيضًا في كمال الفكرة في ذهن المشاهد، كما أن استخدام الكاميرات في وضعية الثبات كان مفادها توصيل فكرة مفادها أن المشاهد يرى المأساة والقتل والدماء دون أن يحرك ساكنًا تمامًا، مثل بوذا الذي يرى المجزرة من وضعية المشاهد أيضًا، دون أن يكون له أي تأثير يذكر.

برع كوروساوا أيضًا في استخدامه لتقنيات المونتاج التقليدية وتوظيفها دراميًا في أغلب أفلامه، كتقنية jumb cut  تلك التقنية التي ابتكرها المخرج الفرنسي جورج ميليس في بدايات فن السينما، وكانت سمة أساسية في أفلام الموجة الفرنسية الجديدة في ستينيات القرن العشرين، وتستخدم عادة للدلالة على مرور الوقت من خلال القطع على نفس الهدف المراد تصويره، كذلك استخدم المخرج نوعية أخرى من القطع تسمى Axial cut  وذلك في مشهد النهاية، حيث أضافت بعدًا آخر للحكي، تلك التقنية التي تستخدم عن طريق حركة الكاميرا سواء قُربًا أو بُعدًا عن الشيئ المراد تصويره، سواء عن طريق استخدام حركة الكاميرا نفسها أو من خلال استخدام الزووم .

4 – مـاسـتـر سـيـن master scene:

تعتبر متوالية مشاهد اقتحام القلعة الثالثة من أعظم مشاهد المعارك في تاريخ السينما عمومًا، وفي سينما كوروساوا على وجه الخصوص، المشهد استمر ما يقرب من ربع الساعة على الشاشة، حيث لقطات موجعة وقاسية لدماء وعنف وخيانة، سيوف الساموراي القديمة في مواجهة بنادق البارود الحديثة، تلك الاستعارة الموحية التي أراد بها المخرج أن يحيلنا إلى واقعة استخدام الولايات المتحدة للقنبلة النووية ضد اليابان إبّان الحرب العالمية الثانية، لا يمكننا نسيان ذلك المشهد المهيب بكل تفاصيله، الدمار المحيط بـ هديتورا وقلعته، ولا مقتل رجاله وانتحار زوجاته على طريقة “الهاراكيري“، ولا حتى خيانة أكبر مستشاريه، كل تلك التفاصيل المؤلمة التي قادته للجنون والخروج وحيدًا مجردًا من سيفه ومُلكه وعقله.

 

الموسيقى التصويرية أضافت بعدًا مهيبًا للمشهد الذي يبدأ بشمس كئيبة محاصرة بالغيوم، فالرب غاضبٌ مما يحدث هنا، يليه مشاهد عنف وبحر من دماءٍ لا تنتهي، وعن الموسيقى الجنائزية نوعًا ما، والتي أبدعها المؤلف الموسيقيتارو تاكيمتسو“، فقد صرّح كوروساوا في حديث له مع الصحافي “مايكل ساراجو” والمنشور في موقع ” صالون salon” الإخباري:

-” ما كنت أريد أن أوضحه في “فوضى” هو أن الله يراقب أفعال البشر ويشعر بحزنٍ مما يقترفونه من تدمير لبعضهم البعض، لكنه غير قادر على التأثير في سلوكهم هذا، وهنا جاءت الموسيقى لتمثل شعور الآلهة”.

5 – التأثر بمسرح النو NOH:

يُعتبر مسرح “النو Nohأحد أنواع المسرح التقليدي في اليابان، حيث يؤدي الممثلون أدوارهم المسرحية وهم يرتدون أقنعة خشبية تمثل شخصيات، مثل الآلهة، والأرواح، والرجال، والنساء.

تاريخيًا ظهر مسرح النو في القرن الرابع عشر الميلادي، عن طريق دمج أكثر من نوع من الفنون التقليدية اليابانية، وكلمة “نو Nohمشتقة من اللغة الصينية القديمة وتعني ” المهارة “، وقد بدأ تأثر كوروساوا بمسرح النو في أكثر من فيلم له منها “عرش الدم”، و”فوضى”.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: حسن أبومازن

تدقيق لغوي: مصعب محيسن

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.