تأخذك إلى أعماق الفكر

عالم النيازك وأسرارها

تخيّل أنك تعيش قبل 10 آلاف عام من اليوم، حيث لا انترنت، لا تكنولوجيا، لا كهرباء، لا وجود حتى للكتابة، والتواصل محصور بقبيلتك الصغيرة، كل ما يهمك الآن هو تأمين وجبةٍ لليوم والمحافظة على حياتك ليومٍ آخر.

فجأة تشاهد ما يلمع في السماء! كُتلة نار تسير بسُرعة كبيرة وتندفع كالقذائف، ماذا كنت ستظن؟ غضب من الآلهة؟ هجوم من الغرباء؟ أم إشارة ما؟!

إن من البديهي أن يظن إنسان تلك العصور هذا، حتى أن الصينيين القدماء ألّفوا الأساطير حولها وصوّروها ككرات نار يطلقها التنين! أو أن حضاراتٍ أُخرى عبدوها وقدسوها، أو ربطوا مرورها في السماء بالإنذار، كما حصل مع الإنكليز الذين ربطوا مُرور مُذنب هالي مع حدوث كارثة (حريق لندن العظيم) وذلك لمصادفة مروره قبل أيام.

ولكن الغريب رُبما أن حضارات الإنسان المتعاقبة ظلّت تعتبر الشُهب ظاهرة فوق الطبيعية لعشرات القرون التالية، ولم يُنظر إليها كظاهرة فلكية حتى عام 1833م، في عصر انتصارات العلم.

فماذا تعرف يا ابنَ القرن الحادي والعشرين عنها وعن أسرارها؟

إعلان

ما هي النيازك ؟

النيازك بالتعريف العلمي هي أجسام صَلبة تسبح في الفضاء، حجمُها أصغر من حجم الكويكبات، وقد يكون أصغرها بحجم حُبيبات الرمل.

هذه الأحجار قد تكون صخور مُفرَدة تسبح في النظام الشمسي أو بقايا حطام كوكب أو كويكب ما، أو قد تأتي من خارج المجموعة الشمسية مثل ( حجر هيباتيا)، وهي خطرة على الكواكب، لكن ليست بذلك الرُعب كما سَنرى فيما بعد.

بالتأكيد لاحظ جميع العلماء في مُختلف الحضارات التي مَرت على الأرض وجودها، إلا أن بعضهم سَلّم بما سَلمت به العامة بأنها ظواهر ما ورائية، وبعضهم اعتبرها ظواهر طبيعية مُشابهة للبرق والرعد والمطر -خاصةً في اليونان-.

ويُنسب الفضل للفلكي (دينسون أولمستيد) في دراسة تلك الأجسام بموضوعية واكتشاف حقيقتها، وذلك في عام 1833م بعد عاصفة شهابية غزيرة، لكن أبحاثه لم تلقَ الكثير من الصدى بين الناس.

تتالت الأبحاث العلمية والفلكية عبر السنوات واستطاع الفلكيون رصدها بشكل أفضل، حتى وصلنا إلى عصر الفضاء والتطور وأرسلنا مركباتنا نحو بعض الصخور تلك.

الفضاء
مذنّب في معرض الفضاء

واليوم نعرف أن مصدر جميع الصخور في نظامنا الشمسي هو: إما حِزام الكويكبات الواقع ما بين مداري المريخ والمشتري، وهي مساحة هائلة تتواجد فيها ملايين النيازك الخطرة على الأرض حيث تتخذ مساراتٍ عشوائية، وإما الموجودة في حزام كيوبر، والذي يقع في نهاية المجموعة -بعد مدار كوكب نبتون-، وهي أقل خطرًا على الأرض بفضل وجود المشتري صاحب الجاذبية العملاقة.

ممَّ تتكون النيازك ؟

معظم النيازك تتكون من الصخور، إلا أن بعضها قد تحمل أو تتكون من المعادن وبخاصة الحديد والنيكل، ورُصد أحدها يحمل كميات هائلة من الذهب، وبعضها قد يحتوي على أجزاء كربونية، كما قد تحوي الجليد أو الميثان أو مركباتٍ أخرى، وقد تحمل بعض العناصر من الكواكب التي ربما ضربتها يومًا.

ما ثأثير النيازك علينا؟

في الحقيقة يظُن معظم العلماء أن النيازك هي أحد أسباب وجودنا على الأرض، بل وأصل حياتنا عليها، ويستدلون على هذا بفكرتين:

أولاً: مذنب العصر الطباشيري الذي قضى على آلاف الأنواع من الكائنات أهمها أسياد الأرض آنذاك (الديناصورات) في كارثة تاريخية مُفاجئة، هذا برأي معظم الخبراء قد أفسح المجال للبشر وأمكنهم بفضلهِ أن يستمروا على الأرض فيما بعد، الأمر الذي كان مستحيلاً فيما لو تواجه البشر الضعفاء مع الديناصورات في نفس العَصر.

أما ثانيًا: فهو أبعد وأقدم من هذا بكثير، فبعض العلماء يظُنون أن أحد النيازك القديمة جدًا والذي ضرب الأرض في سنواتها الأولى كان يحمل معه مُركبات الكربون الأولى التي شكلت الأساس لبناء الخلايا والتي تشكل بدورها الكائنات، وقد سقط هذا الحجر بحمولته في الماء لتبدأ حِكاية الحياة من هناك.

وفي حال ثبوت هذا فإنه يعني بما لا يدع مجالاً للشك أن الحياة موجودة أو كانت موجودة على الأقل في مكانٍ ما من حيث أتى هذا الحجر!

أيضًا زودتنا المذنبات ببعض الهدايا! إذ نرى أن 96% من الحديد الموجود على الأرض مصدره النيازك التي ضربت الأرض عديد المرّات، ويُعتقد أيضًا أنها أول من حمل المكونات الماء للأرض.

في المقابل فإن للنيازك تأثيراتها السلبية علينا بالتأكيد، لاسيَّما خطر فناء الإنسان الذي من الممكن أن يتسببهُ أي اصطدام بسيط بالأرض، وما له من تَبعات تشمل الزلازل والتغيرات البيئية والتسونامي وغيرها، كما تتعرض العديد من المركبات الفضائية والمراصد في الفضاء للإصابات والأعطال بشكل مستمر، بسبب النيازك الصغيرة التي تضربها أو تمر بجانبها.

واليوم ينصب اهتمام وكالات الفضاء على كيفية حماية الأرض من النيازك التي من المككن أن تضرب الأرض يومًا، ومدى قُدرتنا على التعامل معها أو على الأقل التنبؤ بوصولها.

ما الفرق بين المذنب والشهاب والنيزك؟

المذنب يكون جليديًا أو حجريًا مغطىً بالجليد، عادةً يخلّف وراءه ذيلاً أثناء حركته يُسببه تبخر الجليد عند تعرضه للحرارة. أما الشهاب فهو النيزك أو المذنب عند دخوله الغلاف الجوي للأرض واشتعاله، فهو كالكرة النارية.

المذنب
المذنّب كما يبدو من الأرض

 

المصادر : 1 2 3 4 5 6

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: بشار منصور

تدقيق لغوي: رنين السعدي

الصورة: نهى محمود

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.