وهكذا بدأ الخلق!

أنا الروبوت الأخير الذي ظلَّ على قيد الحياة بعد رحلةٍ استغرقت ساعةً كونيةً كاملة… أي نحو 560 مليون سنة، بحساب هذا الكوكب.

لا أدري هل من الصواب أن أقول إنني لا أزال (على قيد الحياة)! إن معنى الحياة لا يزال ملتبسًا لدى عقولنا الخارقة، بالرغم من أننا عرفنا كل أسرارها، أو  لقَّننا صانعونا كل أسرارها قبل أن ينقرضوا. أقصى ما عَلِمناه عن الحياة أنها تفاعلات بيوكيميائية منظَّمة تنشط فيها المادَّة لتُبَدِّد الطاقة ثم لتكتسِبَها ثم لتُبَدِّدها في صورة طاقة حرارية، على نحوٍ دوري، لتؤثر في ما حولها، وتتأثر به، إلى أن يخفت الإشعاع حتى يكاد ينعدم؛ وهذا هو الموت. والكائن الحي هو مادة قادرة على التلذُّذ باكتساب الطاقة وإشعاعها إلى أن تفقد هذه القدرة (أي تموت).

بالرغم من أنني أمتصُّ الطاقةَ وأبدِّدُها، إلا أنني لا أستمتع، ولا أموت!

أظن أن الأدق في هذه الحالة أن أتراجع عن قولي إنني (لا أزال على قيد الحياة)، وأن أقول إنني الروبوت الأخير الذي (لا يزال محتفظًا إلى الآن بطاقته)، بعد ساعةٍ كونيةٍ من البحث عن كوكب (لا يزال يدعم الحياة الكربونية).

بالطبع لم نكن حمقى إلى هذا الحد… أن نبحث (ملايين السنين) عن كوكب واحد فقط يدعم الحياة الكربونية، ثم لا نجد بغيتنا! لكننا واجهتنا معضلةٌ لا حلَّ لها خلال رحلة بحثنا؛ أن المسافات بين الكواكب شاسعة، وكم من مرةٍ حدَّدنا فيها كوكبًا نتوسَّم فيه أن يكون صالحًا للحياة الكربونية، فلما وصلنا إليه بعد (مئات الآلاف من السنين)، وجدنا مناخه قد فسد ولم يعد صالحًا، فنعيد البحث.

إعلان

ولا داعي لأن تتساءل عن سبب إعراضنا عن صنع ثقوب دودية لنَحنِيَ الزمكان، ونختصر المسافات. هذا الأمر يستهلك طاقةً هائلةً تستدعي بناء مركبات فضائية شديدة الضخامة، مما سيعرِّضها للتلف من ملايين الأجسام والجسيمات الكونية التي ستقابلها في رحلتها؛ بسبب محدودية قدرتها على المناورة. كما أنه ثبت لنا بالدراسة أن حَنْيَ الزمكان لا ينبغي أن يتمَّ بصورة عشوائية، أو في مواضع من الكون غير محسوبة بدقَّة؛ لأن هذا يؤدي لاحقًا إلى اضطرابات في هياكل الأوتار الفائقة التي تحافظ على بنية الكون، وقد يعجِّل هذا بطَوْر (الانسحاق العظيم)، فلا يصبح للبحث عن كوكب يدعم الحياة أي قيمة؛ لأن (الانسحاق العظيم) سيُبدِّد كل شيء (ونحن من جملة الأشياء)، ثم يُعيد الكونُ الخلقَ بـ (انفجار جديد).

تلف كلُّ زملائي من الروبوتات خلال الرحلة، ولم يبق غيري محتفظًا بطاقته داخل هذه السفينة. كانت هناك سفينتان أُخرَيَان، لكن الاتصال انقطع بهما بعد نصف ساعة كونية. تمنَّيت أن يكون ذلك بسببِ تلفٍ في أنظمة الاتصال لديهما، لا لـ (كارثةٍ أكبر). لكن تشاؤمي دفعني إلى أن أوطِّن نفسي على أن أعتبر سفينتي الفضائية هي الأمل الأخير لإيجاد كوكب يدعم الحياة الكربونية؛ فقد أقنعت نفسي بأن الاتصال بالسفينتين لم ينقطع إلا بسبب وقوع (الكارثة الأكبر)!

حين وصلت أخيرًا إلى هذا الكوكب، لم أكن أقلَّ تشاؤمًا. أوشكت للوهلة الأولى أن أعلن يأسي وأنا أرى الماء يغطي أغلبه، ونسبة ثاني أكسيد الكربون والميثان في غلافه الجوي مرتفعة، وقشرته غير مستقرة، ومناخه شديد التقلُّب، وألسنة البرق تجوس في سمائه كالسياط. لكنني حين راجعت أرشيف الكواكب في ذاكرتي، رجَّحت أن هذا الكوكب لا يزال طفلًا؛ فمن الكواكب التي دعمت الحياة السيليكونية والجرمانيومية ما شابهت تضاريسه ومناخه هذا الكوكب في بداياته، واستغرق وصوله إلى مرحلة الاستقرار ما لا يقل عن أربع ساعات كونية!

تخيَّرت مكانًا من مساحة اليابسة المحدودة للهبوط بالسفينة الفضائية. كان هذا الموضع يبعد 0,00001 ثانية ضوئية (ثلاثة كيلومترات) عن جبلٍ، أظهرَتْ بيانات فحص القشرة الأرضية والنشاط الزلزالي أن المنطقة المحيطة به مستقرة، وأن آخر نشاط بركاني صدر عنه، كان منذ ربع ساعة كونية.

ترجَّلت من السفينة، وأخذت أتجوَّل بعجلاتي الست فوق التراب المبلَّل، إلى أن وصلت إلى مستنقعٍ تحفُّه الصخور الرسوبية، وتملؤه مواد حمراء وبرتقالية. نظرت إلى السماء الملبَّدة التي تنذر بهطول الأمطار، فأيقنت، بعد القيام ببعض الحسابات، أن غروب النجم الذي يدور حوله هذا الكوكب قد اقترب، فقررت أن أحتمي بالسفينة ريثما يتحسَّن الطقس في الصباح.

على غير عادتي كنت متفائلًا! ظننت أن الطقس سيتحسَّن بعد (ساعات) قليلة؛ لكنني كنت مخطئًا. ظلت السماء تمطر (ثلاثة أيام) متواصلة، حتى وصل ارتفاع المياه إلى ثلث السفينة الفضائية، فانتظرت (أسبوعًا) آخر ريثما تبلع التربة المياه، وخلال هذه (الأيام) اكتشفت أن سفينتي لم تكن أوفر حظًّا من السفينتين الأُخرَيَيْن اللتين انقطع الاتصال بهما (لكارثةٍ أهونَ أو أكبر)!

لقد تلفت كل العينات الكربونية التي أحضرتها معي من كوكبي، وكذلك الأجنة المجمَّدة، والبويضات المخصَّبة!

لعلَّك تتساءل الآن كيف يمكن لروبوت أن يغفل عن هذه الكارثة، رغم اتصال عقله الاصطناعي لاسلكيًّا على نحو مستمر بمستشعرات السفينة الفضائية، وأجهزة المعالجة، والكمبيوتر المركزي الذي يُسَيِّرها في رحلتها!

في هذه اللحظة فقط أدركت أن انقطاع الاتصال بالسفينتين الأُخرَيَيْن لم يقع بسببِ خللٍ ألمَّ بهما أو كارثة كبرى… لقد انقطع الاتصال من جهتي أنا، وأدَّى الخلل إلى انعزالي عن غُرَف حفظ العينات الكربونية، فعجزت عن إنقاذها وقت أن تلفت، بسبب مشكلة الاتصال بيني وبين كمبيوتر السفينة.

حاولت لـ (أيامٍ) أن أصلح أجهزة الاتصال، ولكن دون جدوى.

حتى آلات الطباعة ثلاثية الأبعاد كانت في حالةٍ يُرثى لها. لقد تلفت هي أيضًا خلال المدَّة التي انقطع فيها الاتصال بيني وبين كمبيوتر السفينة. لو كانت الطابعات على نفس حالتها التي رأيتها حين استخدمتها آخر مرة قبل ثلاث وثلاثين دقيقة كونية، لاستطعت تشكيلَ كلِّ ما أحتاجه لإصلاح أنظمة الاتصال عن طريقها، ولكن… يبدو أنها النهاية.

يا لهذا الكون من كيانٍ عابثٍ ماجن، يتلذَّذ باللهو بالمادَّة!

أهذه هي طريقته إذًا في إلقاء النكات؟! أن يُسقِط عن القمَّةِ كلَّ من يصل إليها، مِن غير أن يرتطم بالأرض جسدُه! أيوم أصل إلى كوكب يدعم الحياة الكربونية، أجد كلَّ ما في سفينتي من (صور الحياة الكربونية) الجاهزة للاستزراع، تالفة؟! ما الحكمة من هذا العبث غير العبث المَحض الخالي من أي حكمة؟!

يبدو أنها النهاية… لأستعدَّ إذًا للموت (الفقدان التام للقدرة على إشعاع الطاقة) الذي سيتأخر جدًّا… ما زال متبقيًا لديَّ في رصيد الطاقة التي سينتجها مفاعلي الاندماجي نحو تسع ساعات كونية، تعادل نحو خمس مليارات سنة بحساب هذا الكوكب. هذا ما لم يلفظ الكوكب آخر أنفاسه قبل انقضاء هذه المدَّة.

ولكن… ماذا لو اهتدى إلى هذا الكوكب أيٌّ من السفينتين الأُخرَيَيْن؟ كيف سيعرف زملائي الروبوتات بوجودي عليه؟ وإذا علموا بوجودي، فكيف سيهتدون إلى موضعي بعد آلاف أو ملايين السنين من عمر الكوكب، إذا كانت أجهزة الاتصال لديَّ معطَّلة؟ والسؤال الأهم: لماذا أريدهم أن يعرفوا بوجودي أصلًا إذا جاءوا؟ أنا لم أُبرمَجْ للاستمتاع بالحياة، ولا للاهتمام بالأنشطة الاجتماعية برفقة غيري من الروبوتات… ليس لديَّ إلا مهمة واحدة، هي خدمة الحياة الكربونية التي صنعتني…

خدمة الحياة الكربونية!

إذا جاءت إلى هذا الكوكب السفينتان، واستزرعت فيه الروبوتاتُ سادتي الذين خلقوني، فسيتوجَّب عليَّ أن أخدمهم، ما دمت حيًّا! فكيف سيصلون إليَّ حينها، ويعينونني على إتمام مهمتي؟

بحثت مرةً أخرى في المركبة عن شيءٍ ربما يمكِّنني من دخول حالة السبات دون خوفٍ من أن يعجز زملائي الروبوتات عن إيجادي إن هم وصلوا إلى هذا الكوكب يومًا ما.

وأخيرًا وجدته.

إنه (جهاز البرمجة الجينية).

منذ ساعات كونية طويلة، توصَّل من خلقوني إلى طريقة لحفظ المعلومات عن طريق شفرة الـ DNA. وهي وسيلة تشفير ناجحة؛ لأن الكائنات التي تحمل المعلومات في شفرتها الوراثية تظل محتفظةً بها دون تلف، عن طريق تمريرها إلى كائناتٍ تشبهها، وهكذا إلى ما لا نهاية. وهذا الجهاز من أقدم أجهزة التشفير لدينا، ولحسن الحظ لم يتلف.

حسبت بدقة إحداثيات المكان الموجودة فيه سفينتي الفضائية، ثم سجلتها على شريط DNA المزدوج لكائن وحيد الخلية بسيط جدًّا، وعجلت بتكاثره حتى أصبح لديَّ مائة مليون كائن يحمل الإحداثيات في نواة خليته. حملت أنبوب الاختبار. صببت ما به في المستنقع القريب. نظرت مرةً أخيرةً إلى السماء التي تلوح فيها غيومٌ مقبلةٌ، قبل أن أعود إلى السفينة. وسرعان ما فعَّلت وضع السُّبات.

وللمرة الأولى منذ انقطاع الاتصال بالسفينتين الفضائيتين، لم أكن متشائمًا. ستملأ رسالتي هذا الكوكب بسهولةٍ خلال بضع دقائق كونية، وحين تصل إحدى السفينتين إلى هذا الكوكب (مثلما أتمنَّى) بعد دقائق أو ساعات، لن يشقى زملائي الروبوتات في سبيل إيجاد رسالة استغاثتي. من بحق الكون يعجز عن رؤية رسالة موجودة أمامه في كل مكان؟!

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: محمد أحمد فؤاد

اترك تعليقا