مرآة -الأم- الســـــوداء

في طفولتنا قرأنا قصة “الأرنب والثعلب المكّار” التي تحكي لنا ما حدث للأرنب الصغير اللطيف الذي لم يستمع لكلام أمه بعدم الخروج للغابة للعب، فتعرض لمحاولة افتراس من الثعلب وهرب بأعجوبة، ثم عاد باكيًا إلى أمه نادمًا لأنه لم يسمع كلامها من البداية.
ولكن، ما مصير الأرنب لو سمع كلام الأم من البداية وأزال عنها هم القلق عليه ولم يتعرض لموقف يخيفه؟

هوس الأم في الخوف على أبنائها

مع تقدم التكنولوجيا تزداد مساحة التحديات التي يخوضها البشر في كل مواقفهم اليومية، فالتكنولوجيا وصلت إلى كل مكان وتبقى معنا حتى في غرف نومنا، وأنا الآن لا أتحدث عن المادة المفتوحة المعروضة أمام الأطفال في قبضات أيديهم وعن ضرورة الرقابة؛ بل أتحدث عن مشكلة التكنولوجيا في أيادي الأهل أنفسهم.

لم تكن قديمًا الأم تستطيع الوصول إلى ابنها أو ابنتها في حال الخروج من المنزل، بل حتى إن سافر أحدهم بعيدًا عنها لم تكن إلا مصادر محدودة للتواصل المقنن جدًا، أما الآن فيمكن البقاء على اتصال من أبعد بقاع الأرض على شبكة الانترنت، فما تأثير هذا على هذه العلاقة؟

في إحدى حلقات المسلسل الشهير Black Mirror والتي تحمل عنوان Arkangel، تتنبأ باستحداث تقنية للرقابة التامّة على الأبناء، عن طريق زراعة رقاقة في دماغ الطفل موصولة بشبكة مع جهاز آي باد بيد الأم، تتحكم الأم “حرفيًا” بكل ما يدخل دماغ طفلها، حيث ترى من عيونه وتسمع من آذانه كل شيء يمر به على شكل فيديو دائم، ويتم قياس كل العمليات الحيوية على مدار الساعة كضربات القلب وضغط الدم… إلخ، مما يتيح للأم معرفة حال الطفل حتى وهو بعيد، هذا طبعًا بالإضافة لجهاز تتبع له لمعرفة أين هو بالضبط.
لو سألنا أي أم، خاصة اللواتي تعرضن لموقف ضياع الطفل أو تعرضه لأذية من أي نوع، كم سيدة يمكن أن ترفض عرضًا مغريًا كهذا؟

إعلان

تحت عنوان “الخوف على” أو “محاولة الحماية” تعطي الأم لنفسها الأحقية الكاملة في معرفة كل متعلقات طفلها مهما زاد عمره، فحتى الأشياء التي يعتبرها الطفل -أو المراهق فيما بعد- خاصة؛ تسمح الأم لنفسها في تفقدها ومراقبته من أجل حمايته وتقديم المساعدة.

ولكن إلى أي مدى يعتبر هذا الأسلوب مريحًا للأم أو مفيدًا للطفل؟

في الحلقة تقرر الأم زرع الشريحة في دماغ طفلتها بعد حادث ضياع لها في حديقة عامة، وهذا كان محطة أخرى من محطات خوف الأم على ابنتها من الضياع أو الموت حيث كانت الأولى بلحظات ولادتها، ثم تبدأ بالشعور بالراحة بعد هذه العملية حيث لن تضيع ابنتها ولن تتأذى.
فمن خصائص هذه التقنية هي إمكانية إزالة أي صوت أو صورة مزعجة من دماغ الطفلة، بتشويش المشهد أو الصوت الذي تعتبره الأم شيئًا سلبيًا على طفلتها، فنشأت الطفلة لا تعرف الخوف فهي لا ترى مشهد الدم أو الضرب ولا تسمع الشتائم والألفاظ النابية، أي أن الواقع (مُفلتَر) تمامًا من كل الأمور التي تصنفها أي أم على أنها شوائب سيكون الطفل في غنى عنها وعن تأثيرها وأذاها.

وهذا حال الواقع المنقّى الذي تفرضه العديد من الأمهات على أبنائهن بصورة مبالغ فيها، كمنعه تمامًا من الخروج لوحده في مرحلة المراهقة، أو تشديد الرقابة عليه إلى حد كبير يحول حياته إلى مسرح مكشوف تمامًا.

وهنا يأتي المشهد البعدي في حياة الأم وابنها، حيث تكون أدمنت ضمه تحت جناحها ظنًا منها أنها طريقة حماية له، وقد حصرت نفسها في حياة مبالغ في الخوف منها مما يؤدي إلى فشل الابن بمواجهة الأخطار الحقيقية، لأنه لا يعرفها ولم تتدرب مناعته النفسية ضد المواقف الصعبة.

ماذا عن مفهوم الخصوصية بين الأم وأبنائها؟

حماية الأم لابنها هي حاجة بيولوجية قبل كل شيء، كل الامهات تقريبًا مدفوعات لحماية أبنائهن الذين يحملون موروثات الأم. وفقًا للبيولوجيا التطورية وعلم النفس التطوري أن المرأة تكون أكثر ارتباطًا بأبنائها من ارتباط الأب بأبنائه، وهذا سببه بأن نسب الولد مؤكد للمرأة فهي التي تحمل به وتلده، بالإضافة لكون الولادة عملية صعبة وغالية فالمرأة تملك بويضة واحدة لتقدمها كل شهر، ثم تستمر عملية الحمل ٩ شهور مصحوبة بآلام صعبة حيث لا يعد جسدها ملكًا لها، وهذا مع الولادة وآلامها ثم النفاس والرضاعة، كل تلك المتاعب الإجبارية التي تقدمها المرأة تجعلها أكثر حرصًا على الابن.

وإذا أضفنا العوامل الاجتماعية إلى هذه القائمة الطويلة، خاصةً في المنطقة العربية عامة، حيث يكون الابن لأمهات كثر (خاصة غير العاملات منهن) هو الاستثمار الوحيد لها الذي تنتظر منه أن يعوضها عن حرمانها في شبابها حين تكبر، يكون الابن بمثابة بنك السعادة الذي تودع عنده كل أحلامها من خلال تقديم المزيد من الخدمات والتضحيات له، حتى وإن لم يعد الابن بحاجة لها.
كل هذه العوامل تجعل من الأم أكثر حرصًا وخوفًا على ابنها، ومع زيادة التحديات في عصر التكنولوجيا تزيد أيضًا وسائل تكبيل الابن ومحاولة السيطرة عليه بنية حمايته من المخاطر، مما يجعل الأم تسمح لنفسها بانتهاك كل خصوصياته بدءًا من أشيائه الشخصية وانتهاءً بالأماكن التي يرتادها وأصدقائه.

وهنا تبرز مفارقة، فما هو حد الخصوصية الذي يتمتع به طفل أو مراهق خاصة أنه لم يعدّ بعد لمواجهة صعوبات الحياة ولا يعرف الحذر والخطر جيدًا؟ وبنفس الوقت هو محتاج لخوض تجاربه بحرية ليكوّن حصيلةً مناعيةً ضد الأشياء السيئة؟ عندما تدخل الأم بكل كبيرة وصغيرة لتوجيه ابنها للمسار الصحيح فهو فعليًا يكتسب اعتمادية عليها في اتخاذ القرار بحيث أنه لو واجه فيما بعد مواقفًا بنفسه سينتظر رأي أمه ليتصرف، لأنه لم يحاول أن يختار بنفسه مرة.

وهذا أيضًا فيه جوانب مضرة للأم نفسها وحياتها في المستقبل، فكيف للأم التي حاصرت ابنها طفلًا ومراهقًا أن تتركه يختار تخصصه الجامعي أو شريك حياته أو حتى عدد أطفاله وهذا سيدخلها في دوامة من المشاكل والأعباء ولن تستطيع خلع رداء الأم التي تقدم كل شيء لطفلها الذي لن يكبر أبدًا بنظرها. ربما تنسى حياتها واهتماماتها الشخصية فقط لتحافظ على حياة المراقبة الحثيثة واقتناص أدق التفاصيل لإعطاء الأوامر والآراء حول القرارات المتعلقة بطفلها الأبدي معدوم الخصوصية.

Arkangel

مخاطر وصعوبات أكثر وأكثر 

الإنترنت المتوافر بسهولة وكل الوقت وفي أي مكان للأبناء يؤدي إلى زيادة في نسبة انفتاحهم على الحياة بشرها قبل خيرها، وها هي الطفلة في Arkangel بعدما قررت أمها إغلاق الرقابة الدائمة عن ابنتها وإزالة الفلترة عن واقعها أول ما واجهت هو مشاهدة العنف والدم وسماع الشتائم والتخاصم في أسوأ إصداراته، دون أن يكون لديها أدنى خلفية عن هذه الكوارث الموجودة في الكون، مما يعقد الأمور أكثر وأكثر، وهذا بالضبط ما يحدث عندما يخوض الطفل صاحب الحياة المفلترة المواقف التي يتوجب تكوين مناعة ضدها ومعرفتها في سبيل تجنبها، فينقلب السحر على الساحر وتكون كل محاولات الحماية والحرص هي إعلاء لمستوى الخطر الذي قد يحل مستقبلًا.

فكثرة الضغط تولد الانفجار، ثم نتابع لنهاية الحلقة لنصل إلى النتيجة شبه المحتومة بعلاقة أمومة مبالغ فيها كهذه، حيث ستجني الأم ثمار أعمالها وتطعن في المكان الأشد وجعًا عندها، الخوف من الفقد.

هل الأمومة تتطلب كل تلك التدابير الأمنية؟

من أكثر المشاكل التي وضعنا بها وضع تجريد اللغة، هي مفاهيم حديّة عن أشياء ليست متناقضة أساسًا، لدينا غريزة الفجوة التي تجعلنا نعتقد أن الخير مثلا شيء مختلف تمامًا عن الشر، وأن أي موقف إما أن يكون خيرًا أو شرًا، كما أن الأحلام الوردية التي تدفع الأم لتحقيق حياة مثالية لأبنائها (هي لم تعشها) تؤدي إلى اختيارها لقائمة حوادث خيرة وأخرى شريرة يجب تجنبها، لكن هي بذلك لا تعرف من أين تؤكل الكتف.

لكل طفل خصوصيته بشخصية تولد معه في جيناته، ثم تقوم البيئة بإبراز بعض الصفات وتقليل أخرى، فليست نظريات الأم المسبقة هي ما يجب أن يتم تطبيقه أكثر من كون هذا الطفل بحاجة لدراسة حاجاته ليتم إعطاؤه في إطار ما يريد ومنعه عن الأشياء التي تشكل خطرًا حقيقيًا عليه، وهذه ليست مهمة سهلة أبدًا.

فمثلًا لو اكتشفت الأم أن ابنها جبان ومتعلق بها لا يقبل اللعب مع الأطفال، فهذا يجب أن يجعلها تتركه لفترات حتى لا تتفاقم المشكلة، على عكس الطفل الجريء الذي سيكون بحاجة لرقابة (وليس خنقًا)، وهذا يسحب على كل الصفات الأخرى. فالرعاية الحقيقية لو توجهت لرسم خطة تناسب هذا الطفل بالذات لتحسين شخصيته وتقدمه. وهذا الأمر سيتطلب من الأم جرأة أكبر واستعداد للخروج من منطقة الراحة بإشباع وتغذية القلق بالمزيد من الرقابة، كما يتطلب منها أن تقوي قلبها ليتعرض ابنها لمواقف قد تصنف على أنها “شريرة” لكن هي بالواقع بمثابة دروس هامة لتشكيل مناعة نفسية عند الطفل.

الصورة المثالية عن الأم في الأدبيات العربية بشكل خاص

تم تضخيم مفهوم غريزة الأمومة في الأدبيات العربية وخاصة الدينية منها، ووضع الأم في قالب مثالي جدًا، حتى أن المرأة بكامل مراحلها لم يعل من شأنها إلا عند ذكر الأمومة، لكن هذا الإعلاء والجنة التي تحت أقدامها لم تكن إلا لزيادة المسؤوليات عليها ورسم صورة مثالية عليها تحقيقها.
الأمومة مفهوم مختلف تعريفه من امرأة لاخرى، ونبدأ من مرأة لا يهمها الأمر بتاتًا وننتهي عند أخرى تعيش لأجل تحقيق ذلك، لا يمكننا جعل الكلام المنمق الذي يزيد ثقل الأعباء نظرية علمية علينا الخضوع لها، هذه المفاهيم المضخمة التي تجعل أعباء الأمومة (والمنزل) أشياءً طبيعية تتحملها المرأة بالفطرة، وأي “تقصير” سيحسب عليها ويسحب من ميزان أمومتها.

الواقع المعاش يحكي شيئًا مختلفًا تمامًا، وإن لم نتخلص من الصورة المثالية للمرأة المضحية التي تنسى نفسها وتبذل الغالي والنفيس لأجل أبنائها سنظل في دوامة تجعل الأمهات يتخذن تدابير مبالغ فيها لإثبات جدارتهن بهذا اللقب، وهذا يزيد من أهمية استخدام التكنولوجيا.
أنا لا أدعو لترك الأبناء يتربون في الشارع، لكن لكل امرأة وأم الحق في تقرير حجم المسؤولية التي تتحملها، على المشاهد أن تكون أكثر عفوية من صراع الوصول للمثالية المدّعاة، والاختلاف في شخصيات الأمهات يختلف ربما بأعدادهن فلكل واحدة منهن شخصية تتميز بها ونظام تود لو تستحدثه بنفسها بحيث يكون مريحًا لها ومنتجًا في تربية الأبناء.

هذه المهمة التي تحملها المرأة بحاجة لدعمها بدءًا من الزوج الذي عليه أن يقوم بدور أكبر من دور (البنك) للأسرة، وعلى القوانين والأنظمة أن تعدل الكوارث التي ترتكب بحق الإناث، كخسارة الوظيفة نتيجة الحمل أو عدم توفر إجازة أمومة مناسبة، أو عدم توفر حضانات خاصة في أماكن العمل نفسها لتسهيل الأمور على المرأة، هل اختارت المرأة هذا الدور لتعقّب أثره؟

الاطفال جزءًا من المجتمع يجب استيعابهم في لحمته بدلًا من الإبقاء على الشعارات الزائفة حول إلزامية جلوس الأم في منزلها للعناية بأطفالها، الطفل في الحضانة سيكتسب مهارات تواصل وسينفصل عن أمه بطريقة صحية ولوقت مناسب، والأم ليس عليها أن تضحي بمستقبلها المهني لمجرد أنها تقوم بدور طبيعي في حياتها، وهذه هي الأمور التي علينا العمل من أجل تحقيقها، لا أن نهنيهن في عيد الأم ثم نتفنن في إهانتهن.

الأرنب لو سمع كل كلام أمه وبقي إلى جانبها طيلة الوقت فسيصاب بخوف الاعتماد على نفسه، سيكون قليل الثقة وغير قادر على اتخاذ أي قرار بشأن نفسه، لن يعرف تفضيلاته ولن يواجه مشاكل ليحاول حلها بنفسه، لذلك سنعيد صياغة القصة لنجعل الأم الأرنبة تترك لطفلها مساحةً يبتعد عنها، من الممكن أن تراقبه من بعيد أو توصيه جيدًا وتعلمه كيف يتصرف، وهذه القصة سنحكيها للأم وليس للطفل، أما الطفل فسيكون من الجيد له الاستمرار في سماع (الأرنب والثعلب المكار).

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: دعاء أبو عصبة

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

اترك تعليقا