تأخذك إلى أعماق الفكر

يوم اشتعل التلفاز..

السادسة صباحًا، السابع من مايو:

استيقظ السيد نادر (الإعلامي بإحدى القنوات الحكومية ذات الصيت) على ضجيج هاتفه الذي يحمل نغمة النشيد الوطني، كان صوت صاحب القناة يوحي بأنه يوم مزعج؛ حيث قال بلهجة تدل على النفور والغضب:

أحرق الإسلاميون _وتبع كنيتهم بلائحة طويلة من السباب_ المتحف القومي وأصبح المتحف رمادًا، يجب أن تخرج حالًا على التلفاز لتهدئة الوضع بأي شكلٍ كان، احضر علي الفور.
-وككل المديرين- لم يُعنَ بمكانة السيد نادر الصحفية وأغلق الخط قبل أن يبادره بالرد!

خطى خطواته المثقلة بالملل ليواجه هذا اليوم؛ فقد علم من هذه اللحظة أنه قد يفتقد هذا السرير القطني المريح لبضعة أيام حتى تستقر الأوضاع.

التقط بزته الرمادية وأخذ وقتًا ليس بالقليل متحيرًا بين رابطة العنق السوداء والبنفسجية، فلم يؤكد عليه مديره إن كان هناك حداد علي أي أرواح أم فقط عزاء الحريق، وعلي كل حال هو اختار البنفسجية؛ فهي قاتمة تناسب الحداد وملفتة تناسب محاولة تهوين الأمر علي المواطن خلف التلفاز. فكان يرى في المرآة حين ارتدائه إياها المشاهدين وهم جالسون على تلك الأريكة العتيقة في هذا البيت المتهاوي، يشب من بينهم ذقن رجل قارب الثمانين من عمره قائلاً: “انظروا! المذيع نفسه يرتدي الرمادي والبنفسجي، مما يعني أن الوضع مستتب، ولا حتى الحداد سيعرقل مسيرة الدولة!” فيبتسم السيد نادر ويتابع مسيرته في تصفيف شعره ليزيد الوضع استتابةً.

كان سائقه الخاص في انتظاره، كانت الطرق فارغة، لم يسكن الزحام سوى في نطاق الحريق ووسائل الصحافة والإعلام ومناطق رجال الشرطة والجيش ليس إلا، أما باقي المدينة فكانت في خنادقها تختبيء؛ خشيًة من ملاقاة أحدٍ من ذوي اللحى وعلامة الصلاة فيحرقوهم كذلك!

توجه ناحية مبنى الإذاعة والتليفزيون -المبنى المعتاد والموظفين المعتادين، فهو المكان الوحيد الذي لا يتغير مهما مر عليه الزمن ومهما حدث من أحداث- يجب أن يحضر كل موظفيه لتغطيتها، حتى وإن كانت الأحداث به ذاته يجب أن يأتوا لتغطيتها كذلك، وهذا في وجهة نظره العمل الأكثر دقة في العالم، كان يرى المبنى كخلية النحل، مما يجعل منه ملكتهم دائمًا؛ فبدون وجوده لا وجود لكل أعمالهم ولا يرى نتاجها أحد.

إعلان

كان صاحب القناة يهرول باتجاهه فور رؤيته له من باب الإستديو، قال كما لو كان قلبه قد أُكل بواسطة أسد بري:

-“لقد تمادوا وبلغوا أقصى حدودهم! لا وقت للتحضير؛ ستخرج أمام الشاشة الآن، لا مزيد من نقل الأخبار، كل ما نريد هو حديثك المنمق ووجهك السمح، المطلوب ليس مجرد الهجوم؛ الناس تريد استشفاء غضبها بأي شكل، وهي تهوى فعل ذلك عن طريق التنمر والتحسر علي الحال وتسليط الأحداث علي الفئة المعنية،هذا عملك لا تحتاج نصائحي”

-“حسناً، لكني لا أفهم حتى الآن ماذا حدث ومن فعل ذلك!”
-“المتحف القومي أُحرق فجراً بالكامل، كل تاريخ الدولة قد فنى، كل ما لنا أصبح رمادًا، من غيرهم يريد تحطيم مجد دولتنا؟! من غيرهم يرى في جلال تاريخنا أصنامًا يجب حرقها؟!”
-“والذين هم؟”
-“الإسلاميون!”
-“أكل ما سأقوله للناس أنهم الإسلاميون؟”
-“تمامًا! لا تحدد طائفة بعينها فقد تخوننا التحقيقات فيما بعد، اطلق المشاهدين في بحر غضبهم ليس إلا، واتركهم للغرق، هذا كل شيء..”
-“عظيم، فلنبدأ”
-“فليستعد الجميع؛ سنكون علي الهواء في خلال: ثلاثة.. إثنان.. واحد.”

“ليس الصباح صباحَ خيرٍ وليس اليوم يومًا يُبدأ بتحية السلام؛ ففجر اليوم قام أصحاب السلام بتفجير متحفنا القومي، كل شيء أصبح رمادًا بما فيه تاريخ أمتنا، أربعة آلاف عامًا من المجد أصبحوا رمادًا، فإن كنت قريبًا من موقع الحادث فتأكد أنك الآن تستنشق تاريخًا ومجدًا يستحيل بنائه من جديد.. لماذا كل هذا؟! لأن التهويل والترهيب لم يعودا كما كانا للصلاة والحجاب فقط، بل توسعوا حتي نالوا مكانتهم في اعتبار المجد صنمًا ويجب حرقه! ظنًا أن هكذا توقظ الأمم من سُباتها، لكن أمتنا أمة واثقة الخطى، راسخة، وتبدأ رحلة مجدها كل يوم ولن يعرقلها…….”
تعالت أصوات التفجيرات، واشتعل الموقع بما فيه، ظل الحريق يُبث مباشرًا لعدة ساعات حتى ذابت الأسلاك وانقطع الإرسال…

السادسة صباحًا، السابع من مايو:

استيظ الشيخ نور -الإعلامي بإحدى القنوات الدينية والذي كان كالعادة قد فاتته صلاة الفجر- على ضجيج هاتفه الذي يحمل نغمة أحد الأدعية بالهداية والسلام، كان صوت صاحب القناة يُوحي بيوم لا نهاية له، قال وصوته يرتجف:
“أُحرق المتحف القومي، الجميع يتهمنا بذلك العمل، لا حل سوى أن تأتي فورًا وتُطيب خاطر الناس بكلامك الطيب.. لا تتأخر، في رعاية الله.”
لم يعطه ككل المديرين فرصة ليبارده باالرد..
تيقن الشيخ نور أنها قد تكون آخر أيامه التي يرى فيها هذا السرير المريح وهذا القصر الفخم للأبد؛ فهو يعلم ذلك عن خبرة، إن اشتد الغضب فلا مجال للهرب..

لم تكن خياراته كثيرة؛ فالجلباب الأبيض هو الأكثر تمثيلًا للرجال مثله، صفف لحيته في حذر ودقة؛ فهي التي يعتمد عليها كل شيء، فكان يرى في المرآة حين تصفيفه إياها المشاهدين وهم جالسون علي تلك الأريكة العتيقة في هذا البيت المتهاوي يشب من بينهم ذقن رجل قارب الثمانين من عمره قائلاً: “انظروا! حتى وهم في قاع الاتهام ما زالوا بشوشين منمقين المظهر، لن يُهزم الدين اليوم يا عباد الله!” فيبتسم الشيخ نور، ويتابع وضع المسك الذي لن يشم ريحه المشاهد، لكنه يضفي نزعة دينية خلابة.

كان سائقه الخاص في الانتظار، وكانت الطرق فارغة، مما دعا شيخنا للقلق؛ كان يعلم أن الكل يختبيء في خنادقه من أمثاله، كان يعلم أنه لو صدافه طفل في العاشرة لرجمه بالحجارة!

دخل مبنى الإذاعة والتلفزيون -المبنى الوحيد المكتظ بالعاملين دونًا عن موقع الحدث- كان يرى هذا المبنى يشبه خلية النحل، مما يجعله الملكة، فبدونه لا وجود لمن يعملون عليه، ولا وجود لتلك المادة الناقدة التي تستوفي شروط كل برامجهم، فبدونه لن يجدوا ما يتحدثوا عنه أو يعملوا عليه.

كان صاحب القناة يهرول باتجاهه فور رؤيته له من باب الإستديو، قال كما لو كان قلبه قد أُكل بواسطة أسد بري:

-“لن تمر الليلة بسلام، أرجوك!.. افعل ما بوسعك لتهدئة الوضع، لن يبيت الناس حتى يأكلون لحومنا أحياءً جزاء ما حدث، وإن أقسمنا لهم أن ليس للِحانا ذنب فيما أُقترِف من ذنب لن يصدقنا أحد.”

-“لا تقلق يا أخي، الناس تعرف كيف تميز الحق من الباطل، وكلامنا حق، حتى وإن أبطله أهل الباطل فهو حق، سأبدأ حديثي الآن وستنتهي كل هذه الهوجاء”

-“طمأن الله قلبك.. فليستعد الجميع! سنكون على الهواء في خلال: ثلاثة.. إثنان.. واحد.”
“السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إخوتي في الله.. ستظل تحية إسلامنا سلامًا، وما غيرها كان جورًا، وستظل لحانا سنةً تنير وجوهنا، ولن تصبح يومًا وصمة عار، لم نكن يومًا أول من يبدأ العنف؛ فتلك تعاليم ديننا، والسِلم من خصالنا، ونحن نُبرئ الدين من كل تلك الأفعال الموشية بأن أصحابها لا يمتلكون ملةً ولا لهم قانون إنساني أيضًا، فهؤلاء إلههم غائب! أما نحن فإلهنا يرشدنا وينير دروبنا، فالدين لن يعجزه أعمال….”

تعالت أصوات التفجيرات، واشتعل الموقع بما فيه، ظل الحريق يُبث مباشراً لعدة ساعات، حتى ذابت الأسلاك وانقطع الإرسال…

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: آمال رشاد

تدقيق لغوي: دعاء شلبي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.