تأخذك إلى أعماق الفكر

هل سيغير عام 2020 قواعد اللعبة في فلسطين؟

لقد كان 2019 عامًا مؤثرًا بالنسبة لفلسطين والسلطة الفلسطينية والاحتلال، وعلى الرغم من الركود السياسي المعتاد الذي ساد القيادة الفلسطينية، فقد ساهم عاملان في جعله حافلاً بالأحداث بشكل خاص التي سيترتب عليها الكثير من العواقب في المستقبل; أولاهما الصراع غير المسبوق على السلطة السياسية في الاحتلال، وثانيهما تراجع الولايات المتحدة عن دورها المعلن بوصفها وسيط سلام صادق.

منذ أول يوم له في منصبه، لم يخفِ الرئيس الأميركي دونالد ترامب رغبته في تبني الأجندة اليمينية لرئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، ورغم أن العملية بدأت في وقت سابق، إلا أن 2019 شهدت الانهيار الكامل للسياسة الخارجية الأميركية التقليدية، والتي كانت مبنية على مبدأ الحل السياسي المتفاوض عليه طيلة ما يقرب ثلاثة عقود من الزمان.

ووجه هذا العام في نهايته هجومًا أمريكيًا على الحقوق الفلسطينية حيث انسحبت الولايات المتحدة رسميًا من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عشية ليلة رأس السنة، متهمةً المؤسسة العالمية بـ”التحيز ضد الكيان الصهيوني”. وكان المقصود من خطوة حكومة الولايات المتحدة، التي تساهم بما يزيد على 22% في ميزانية اليونسكو، تهديد القيادة الفلسطينيّة وحلفاءها من أن واشنطن كانت مستعدة وما زالت لاستخدام قوتها الماليّة والسّياسيّة لقمع أيّ نقد للاحتلال.

ولكن تهديدات واشنطن فشلت في تحقيق النتائج المرجوة. في الثامن من شباط، وصل كبير مستشاري ترامب وأصحابه جاريد كوشنر إلى الشرق الأوسط للترويج لما يسمى “صفقة القرن“، وهي الاستراتيجية التي دارت حول إنشاء نموذج سياسي بديل ليحل محل “عملية السلام” البائدة.

واستمرت الإجراءات العقابية الأميركية إذ أغلقت الولايات المتحدة قنصليتها في القدس 4 آذار، ليتم استبدالها بسفارة جديدة في المدينة، من أجل خفض رتيبة بعثات الولايات المتحدة لفلسطين، وبالتالي خفض مستوى العلاقات الدبلوماسية مع السلطة الفلسطينية.

إعلان

وبعد بضعة أيام، في الرابع عشر من الشهر نفسه، تخلت الولايات المتحدة عن استخدام مصطلح “الأراضي المحتلة” للإشارة إلى الأراضي الفلسطينية في تقريرها السنوي عن حقوق الإنسان. وفي الواقع أن هذا الإجراء كان مفهومًا، كمقدمة للاعتراف الأميركي في المستقبل بسيادة الكيان الصهيوني على الأراضي الفلسطينية المحتلة. وعلى هذا النحو، أعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في الثامن عشر من تشرين الثاني أن المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية والقدس “تتسق” مع القانون الدولي.

ورغم أن واشنطن تبدو عازمة على إرسال رسالة واضحة إلى كل من تل أبيب ورام الله مفادها أن السياسات السابقة قد عكست اتجاهها نحو الأفضل، فإنها لم تكن قادرة حتى الآن على توضيح أجندة سياسية بديلة. فقد تلاشى خطاب “صفقة القرن” الذي كان موضع أهمية ذات يوم ببطء من المشهد السياسي في الشرق الأوسط. في مستهل الأمر، كان تهميش “الصفقة” توقعاً لنتائج عامين انتخابين في الكيان الصهيوني، في كلٍ من شهري نيسان وأيلول. ولكن بمرور الوقت، كان من الواضح أن “صفقة” ترامب لم تملك أي فرصة للنجاح.

كانت استقالة كبير مبعوثي الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط، جيسون جرينبلات، في الخامس من أيلول من بين أعراض المتاعب في جهود “صنع السلام” التي بذلتها الولايات المتحدة. وكان خروج جرينبلات المفاجئ، الذي كان واحدًا من المناصرين الرئيسيين الثلاثة لسياسة واشنطن الجديدة في الشرق الأوسط ـ مع جاريد كوشنر والسفير الأميركي لدى الاحتلال ديفيد فريدمان ـ قد سبب قدرًا كبيرًا من الضرر. فقبل عودته إلى واشنطن بفترة وجيزة، أعلن أن المستوطنات اليهودية غير القانونية مجرد أحياء ومدن يجب أن يكف الناس عن استعراضهم كمعيق لعملية السلام.

امتدت الضغوط الأمريكية على الفلسطينيين خارج الأراضي المحتلة، لتشمل الإساءة لحملة المقاطعة العالمية الداعية لمقاطعة الإحتلال وسحب الاستثمارات معه وفرض العقوبات عليه. في 23 تموز، تم إدانة الحركة من قبل مجلس النواب في القرار رقم 1850 على الرغم من المقاومة الشديدة. تخشى “إسرائيل” أن الحركة قد شوهت  صورتها دوليًا، خاصة وأن الحركة نقلت كفاح الفلسطينيين إلى العديد من البرامج الدولية.

وبدون أدنى قدر من تحمل المسؤولية، فإن الحكومة الصهيونية تمتلك مزيدًا من الحرية لتوسيع المستوطنات غير القانونية، وخاصة في منطقة القدس، والإسراع بمصادرة الأراضي في مختلف أنحاء الضفة الغربية.

في كانون الثاني، أغلق الكيان كل مدارس القدس التي تديرها الأونروا، وكالة الأمم المتحدة المسؤولة عن رعاية اللاجئين الفلسطينيين، ما يزيد من تقويض أي مطالبة فلسطينية بمدينتهم. وبعد أسبوع، طرد جيش الاحتلال جهة لرصد الانتهاكات الدولية من مدينة الخليل المحتلة. وفي شهر مارس، انضم بومبيو إلى نتنياهو في زيارة استفزازية إلى الجدار الغربي في القدس، الأمر الذي نقل رسالة أخرى كون “القدس غير مطروحة على الطاولة”، على حد تعبير ترامب. وقد تكرر هذا العمل في 1 نيسان عندما انضم إلى نتنياهو نجل الرئيس البرازيلي اليميني المنتخب حديثا جير بولسونارو متعهدًا بأن يتبع القيادة الأميركية بنقل سفارته إلى القدس.

وفي الوقت نفسه، ازداد نطاق وتواتر العنف الصهيوني ضد الفلسطينيين زيادة كبيرة في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة المحاصر. وقد تجلى العنف الذي يمارسه جيش الاحتلال في الضفة الغربية في تدمير القرى الفلسطينية، ومصادرة الأراضي الزراعية، والحملة القمعية المتكررة على الاحتجاجات، واعتقال واغتيال النشطاء. وفي الوقت نفسه، هاجم مستوطنون صهيونيون مسلحون المزارعين والطلبة الفلسطينيين والمواقع المقدسة. وكان المسجد الاقصى، على وجه الخصوص، نقطة اشتباكات بين المستوطنين اليهود المسلحين وجيش الاحتلال من جهة، وبين المصلين الفلسطينيين العزّل من جهة أخرى في مشاهد عنيفة تذكرنا بإطلاق النار بدم بارد على فتاة عند نقطة تفتيش قلنديا في 18 أيلول، وهي جريمة قتل تم رصدها من خلال شريط فيديو تصوّر رمزا للطبيعة الوحشية الصهيونية.

وفي غزة، استمر الحصار والعنف وتواصلت دون هوادة احتجاجات مسيرة العودة الكبرى، وهي شكل جماعي من أشكال المقاومة الشعبية بدأ في 30 مارس 2018 لتجمع آلاف الفلسطينيين كل يوم جمعة عند الجدار الفاصل بين القطاع المحاصر والاحتلال مطالبين بإنهاء 13 عامًا من العزلة والحصار الاقتصادي. في عام 2019، تجاوز عدد القتلى بين المحتجين حاجز ال300 ضحية وأصيب آلاف آخرون. كثيراً ما كان الاحتلال يبرر قصف غزة بواسطة المؤسسة العسكرية، والذي حدث في العديد من المناسبات، باعتباره “ردًا” على الصواريخ التي أطلقها المسلحون الفلسطينيون.

وقد وقع أهم حدثين في 5 أيار و 12 تشرين الثاني حيث قتل الكيان 24 فلسطينيًا على الأقل في الهجوم الصاروخي الأول، وأسفر الهجوم الثاني عن مقتل 34 فلسطينيا بينهم ثمانية من عائلة أبو ملهوس بدون أية خسائر اسرائيلية في الأرواح.

ثمة علاقة واضحة بين العنف الصهيوني في غزة والانتخابات العامة للكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، حيث حاول نتنياهو المحاصر بالفساد انتهاج القمع والسحق لإقناع ناخبيه اليمينيين بقدرته على تدمير الفلسطينيين وحماية المدن التي يستولي عليها في الجزء الجنوبي من البلاد.

ولكن خطاب نتنياهو الذي كثيرًا ما كان عنصريًا وسياساته العنيفة فشلا في حشد الأصوات اللازمة لتشكيل الحكومة في شهري نيسان وأيلول. وفي كلتا المناسبتين، حاول رئيس الوزراء الصهيوني تشكيل ائتلاف يميني يعطيه أغلبية في الكنيست، بعد أن هدد محاولته الاولى الزعيم القومي المتطرف ورئيس حزب “اسرائيل بيتنا” افيغدور ليبرمان، وأضعف منافسه رئيس حزب أزرق وأبيض الجنرال المتقاعد بيني جانتز موقف نتنياهو السياسي.

وفي حين بدت الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي واضحين بشأن أهدافهما، فقد غرقت القيادة الفلسطينية في حالة من الركود السياسي، وتعثرت كل محادثات المصالحة بين الجماعات الفلسطينية فتح وحماس وغيرها، خاصة وأن رئيس وزراء السلطة الفلسطينية رامي حمدالله، الذي دافع عن قضية الحوار، استقال من منصبه في 29 كانون الثاني ليحل محله حمدالله محمد اشتية الموالي للرئيس الفلسطيني محمود عباس.

ولقد أوضح تعيين اشتية، علاوة على العديد من الخطوات الأخرى التي اتخذها عباس لتعزيز قبضته على السلطة، للشعب الفلسطيني أن قضية الوحدة الوطنية لم تعد تشكل أولوية بالنسبة للرئيس الذي أصابته الشيخوخة. وفي 25 أيلول، دعا الرئيس إلى إجراء انتخابات في الضفة الغربية وغزة والقدس، ودعا جميع الفصائل الفلسطينية، بما فيها حماس، إلى المشاركة التي وافقت على المشاركة بسرعة لكنها شككت في دوافع عباس.

ولكن في بعض المناسبات بدا الفلسطينيون متحدون، بصرف النظر عن إيديولوجيتهم أو سياساتهم، وخاصة كلما فرض الاحتلال إجراءات صارمة على الأسرى. وفي 21 كانون الثاني، هاجمت الشرطة الصهيونية بوحشية الأسرى في سجن عوفر وأماكن أخرى. وقد أصيب كثير من الفلسطينيّين في الغارات رد عليها الفلسطينيون في الضفة الغربية وغزة بالاحتجاج وبالتضامن مع قرابة ال 5000 أسير يحتجزهم الكيان الصهيوني.

وعلى مدار العام، مات عدة من الأسرى أثناء احتجازهم، وكان ذلك راجعاً في معظمه إلى الإهمال الطبي المتعمّد. ومن بينهم فارس بارود الذي توفي في 6 شباط بعد أن قضى 27 عاما في السجون الصهيونية، وبسام السايح الذي توفي في 8 أيلول. وقد أطلق سراح النائبة الفلسطينية المنتخبة خالدة جرار من اعتقالها الإداري – السجن دون مبرر ومحاكمة – في 28 شباط ليعاد توقيفها في 31 تشرين الأول.

وثمة مثال آخر على الوحدة بين الفلسطينيين كشعب هو الغضب الجماعي الذي عبروا عنه عقب مقتل إسراء ابو غريب، وهي شابة يُزعَم أنها قُتلت على أيدي أفراد من أسرتها. وقد أرغمت الاحتجاجات الحاشدة السلطة الفلسطينية على تعديل القوانين التي منحت الرأفة في حالات ما يسمى “بجرائم الشرف“.

من بعض النواحي، أثبت عام 2019 بالفعل أنه مغيّر لقواعد اللعبة بين فلسطين و”إسرائيل” لأنه العام الذي تمكنت فيه الحكومة الإسرائيلية من تحقيق الدعم الأميركي وغير المشروط، في حين تُرِكَت القيادة الفلسطينية معزولة وغير قادرة على صياغة أجندة بديلة.

ومع ذلك، وبينما يستمر الكيان الصهيوني في أزمته السياسية المطولة، وبما أن المجتمع الدولي لا يزال غير قادر، أو ربما غير راغب، في القيام بدور أكثر جوهرية في إنهاء الاحتلال الصهيوني لفلسطين، فإن عام 2020 يَعِد بأن يكون بنفس القدر من الصعوبات والتحدي على الأقل.

ومن بين التطورات المهمة التي يتعين علينا أن نترقبها في العام القادم ذلك التطور الذي سيتبع قرار المحكمة الجنائية الدولية في العشرين من كانون الأول بإطلاق “تحقيق عن جرائم حرب في فلسطين” سترفضه الولايات المتحدة بالتأكيد وتهدد بشأنه الحكومة الصهيونية بمنع محققي المحكمة من دخول البلاد.

وإذا استمر الوضع على حاله، فإن الصراع بين النخب السياسية في “إسرائيل” من المرجح أن يؤدي إلى تعميق حالة عدم الاستقرار. غير أنه يمكن أيضًا أن يمهد الطريق أمام الأقلية العربية وممثليها التي طال تهميشها للقيام بدور أكثر أهمية في تحويل الخطاب السياسي في البلد من خطاب يركز على العنصرية إلى نظام أكثر شمولية، بل وأكثر ديمقراطية.

ورغم أن هذا قد يبدو وكأنه تفكير وردي قائم على التمني نظرًا للعنصرية عميقة الجذور في “إسرائيل”، فإن المرء لا يستطيع إلا أننا مع الحاجة لإعادة النظر بشكل كبير، نأمل أن ينساق الحال لإنهاء للسياسة اليمينية هناك، الأمر الذي ستكشفه لنا الأيام القادمة.

 

إضافة المدقق اللغوي: قضت محكمة العدل الأوروبية في تشرين الثاني بإلزام “إسرائيل” بوضع ملصق يوضح مصدر المواد الغذائية التي يتم إنتاجها في المستوطنات لاعتبارات أخلاقية، وهو ما اعتبره الاحتلال تمييزًا.

إعلان

مصدر
فريق الإعداد

ترجمة: فرح فرحان

تدقيق لغوي: أفنان أبو يحيى

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.