تأخذك إلى أعماق الفكر

موجز تاريخ قادة لا يعرفون التاريخ “نابليون، هتلر، شارل ديجول، السادات”

هل كان هيجل محقًا عندما قال: “إننا نتعلم من التاريخ أنه لا أحد يتعلم من التاريخ”، هل كان كلام هيجل واقعيًا أم مبالغًا فيه؟ كيف كان سيكون العالم لو تعلم هؤلاء القادة من دروس التاريخ؟
في هذه المقال سوف نعرض ثلاث قصص لقادة عظام كانوا خير مثل ودليل على كلام هيجل.

نابليون بونابرت بداية النهاية

“الآن يجب علي الرحيل لأن فرنسا تحتاجني”

كانت تلك آخر كلمات نابليون أثناء انسحابه من روسيا وبداية انهيارالإمبراطورية الفرنسية.
-تولى نابليون الحكم بعد قيام أهم ثورة في العصر الحديث “الثورة الفرنسية”، وتوّج نفسه إمبراطورًا على فرنسا عام 1804م، وبدأ في تحقيق طموحاته العسكرية التي تتمثل في جعل كل أوروبا تحت سيطرته، ونجح في ذلك إلى حد كبير إلى أن جاءت نقطة المنعطف التاريخي لكل تلك الانتصارات.

بريطانيا تجعل نابليون يهاجم روسيا

كان نابليون قد عقد معاهدة سلام مع ألكسندر قيصر روسيا 1807 م، لكن في أثناء حروبه العسكرية  لم يقف أمامه في أوروبا كلها إلا الإمبرطورية البريطانية لذلك حاول إخضاعها عسكريًا، لكنه لم ينجح  لذلك لجأ إلى حيلة أخرى ألا وهي سياسة النظام القاري.

“النظام القاري” استراتيجة اتّبعها نابليون في محاصرة طرق بريطانيا التجارية مع أوروبا، ومنع الدول الأوروبية من التعامل مع إنجلترا تجاريًا، ولكن لنجاح تلك الخطة وضمان إخضاع بريطانيا، كان يجب على روسيا الشريك الأهم للتجارة البريطانية أن تشارك نابليون في سياسة النظام القاري، لكن ماحدث أن روسيا رفضت الانصياع لنابليون.

نابليون أم الطبيعة الروسية؟ من له الكلمة الأخيرة؟

بعد سلام دام حوالي 4 سنين قرر نابليون غزو روسيا في عام 1812 م، ردًا على عدم استجابة القيصر لسياسة النظام القاري،
وبالفعل قام نابليون بعبور نهر نيمان ووضع أولى خطواته على الأراضي الروسية، بجيش قوامه نصف مليون جندي وهدفه الوحيد كسر أنف القيصر واستعادة هيبته كإمبراطور حاكم لأوروبا.

إعلان

كانت هناك مجموعة من المعارك القصيرة بين نابليون والروس، والتي انتصر فيها نابليون إلى أن جاءت المعركة الحقيقية الأولى لنابليون وهي معركة “برودينو”، التي كانت على مشارف مدينة موسكو والتي انتهت بانسحاب الروس.

 قال نابليون بعد انتهاء المعركة:

“إن احد أسوأ المعارك الحربية التي خضتها كانت معركة برودينو؛ لأن الفرنسيين ظنوا أنهم منتصرون في حين أن الروس أظهروا عزيمةً منقطعة النظير”

وقبل دخول نابليون موسكو قام الروس بإضرام النار في المدينة بأكملها وكانت تلك أول مرة يستخدم فيها الروس استراتيجية “الأرض المحروقة”: استراتيجية تتركز ببساطة على إحراق كل ما يمكن للعدو أن يستفيد منه بدءًا من الأراضي الزراعية وصولًا إلى المباني.”

كانت معركة برودينو النقطة المحورية في تاريخ الإمبرطورية الفرنسية فبعد تلك المعركة اقترب فصل الشتاء والفرنسيين لم يكونوا مستعدين له لأن نابليون اعتقد أنه يستطيع القضاء على روسيا قبل قدوم الشتاء لكن ماحدث عكس ذلك. فالبرغم من ضعف الجيش الروسي مقارنه بنظيره الفرنسي إلا أن الروس استخدموا الطبيعة الجغرافية كسلاح عن طريق استدراج الجيش الفرنسي داخل الأراضي الروسية الشاسعة، وتجنب المواجهة المباشرة، والاكتفاء بمواجهة أطراف ومؤخرة الجيش الفرنسي بهجمات سريعة وخاطفة. واستخدموا سياسة الأرض المحروقة للقضاء على الجيش الفرنسي  نفسيًا وجسديًا فبدون المؤن لن يستطيع أفراد الجيش الفرنسي الاستمرار. لكن الهدية الأكبر للروس كانت طبيعة الأجواء الروسية التي لم يتحملها الفرنسيون.

بعد ذلك بدأ الجيش الفرنسى يجر أذيال الهزيمة معه وقامت كل الدول الواقعة تحت الحكم الفرنسي بتكوين ائتلاف للهجوم على فرنسا والخروج من تحت السيطرة الفرنسية، وكانت نهاية نابليون بأن تم نفيه إلى جزيرة ألبا.

بعد حوالي 130 سنة سوف يأتي قائد عسكري له نفس طموح نابليون في السيطرة على أوروبا فهل يا ترى سوف يستفيد من الدروس القاسية التي اخدها نابليون أم لا؟

من شخص حالم محب للرسم والعمارة وعاشق للأوبرا إلى أحد أشرس القادة العسكريين في التاريخ، إنه:

 أدولف هتلر

ولد هتلر في أواخر القرن التاسع عشر في النمسا. وبعد وفاة أمه قررالذهاب للنمسا لتحقيق حلمه الأوحد بأن يصبح فنانًا، ولكنه فشل في ذلك.
في تلك الفترة بدأت الحرب العالمية الأولى التي شارك فيها هتلر وحصل على وسامة الشجاعة، لكن بعد انتهاء الحرب وهزيمة ألمانيا تم إبرام معاهدة فرساي 1919 م، التي كانت من أهم بنودها إلزام المانيا بدفع تعويضات للدول المنتصرة واقتطاع جزء من الأراضي الألمانية للدول المجاورة، كانت تلك أحد أكثر الأمور التي زرعت داخل هتلر فكرة الثأر للدولة الألمانية وبالفعل وصل هتلر إلى السلطة في عام 1933 م، وقرر تحقيق الرؤية التي رآها بأنه يجب أن يحمل على عاتقه حماية النسر الألماني الجريح “الدولة الألمانية”.

بالفعل قام باول تحركاته بالهجوم العسكري على بولندا ليسترد دانزج -تلك الأرض الألمانية التي تم اقتطاعها من ألمانيا لكي يكون لبولندا منفذ على البحر بعد معاهدة فرساي 1919. وكانت تلك هي شرارة الحرب العالمية الثانية.

قام هتلر بتوقيع معاهدة سلام مع ستالين حاكم روسيا لمدة عشر سنوات كانت تلك المعاهدة مهمة لكلا الطرفين؛ فمقابل اقتسام  هتلر بولندا مع ستالين كان على الروس إمداد الألمان بالحديد والبترول أثناء الحرب.

بريطانيا صخرة تحطم كل آمال القادة العظام 

بريطانيا لثاني مرة تكون نقطة تحول محورية في تاريخ أوروبا وأعظم القادة العسكريين، فبعد محاولة نابليون إخضاع بريطانيا عن طريق النظام القاري، قرر أدولف هتلر إسقاط بريطانيا وإجبار تشرشل على توقيع معاهدة السلام، لكن كما حدث من قبل لن تستطيع القضاء على بريطانيا في وجود روسيا.

لذلك قرر هتلر غزو روسيا في صيف عام 1941 م بجيش قوامه 3 ملايين جندي، بعد أن أخضع أغلب أوروبا لسيطرته، وكقائده الملهَم نابليون بونابرت قرر هتلر الهجوم على روسيا في فصل الصيف، معتقدًا أنه يستطيع إنهاء الحرب قبل دخول الشتاء. ولكن ما حدث كان عكس آمال هتلر.

الهجوم على أكثر من جبهة

كان شعار هتلر في تلك المرحلة الهجوم على أكثر من جبهة، فمن أقصى الجنوب والحرب ضد إنجلترا في العالمين إلى قصف إنجلترا غربًا بصواريخ في تو عبر البحر، إلى الهجوم شرقًا على روسيا. وأثناء العملية برباروسا كان الهدف الهجوم على العاصمة موسكو، لكن في منتصف الحملة قرر هتلر تحويل الجبهة في عام 1942 إلى مدينة ستالين جراد؛ بسبب موقعها الاستراتيجي ومواردها النفطية، وأهميتها السياسية لأنها تحمل اسم الزعيم الروسي ستالين.

بعد ما قدمه الجيش السادس من إنجاز عسكري في غزو فرنسا والسنة الأولى في غزو روسيا، أوكلت مهمة غزو ستالين جراد مع الجيش الرابع الألماني، وكانت عبارة عن تقسيم روسيا إلى قسمين: فصل القوقاز التي تملك ثلاثة أرباع النفط الروسي عن باقي روسيا بالجيش السابع عشر والجيش الأول، فيما يتقدم الجيش السادس باتجاه ستالين جراد يقوم الجيش الرابع بالهجوم عى القوقاز. مع بداية تحرك الجيش السادس، نفذ الروس خطتهم المعهودة من أيام غزو نابليون وهي الانسحاب التام للعدو ليتمادى في توغله داخل الأراضى الروسية، وبالتالي تصعب عليه عملية الإمداد اللوجستي للجيش الألماني.

بحلول الثالث من أغسطس وصلت أولى القوات الألمانية إلى ضفاف نهر الفولجا وكان الجيش الروسي على الجانب الآخر من النهر، وبدأ القصف الألماني على المدينة.

ستالين ولا خطوة واحدة إلى الخلف

كان ذلك أمرًا من ستالين للجيش الأحمر لحماية مدينة ستالين جراد التي تحمل اسمه من الغزو اللماني، فقد قام المدنيون والنساء ورجال الشرطة بتأمين المدينة وحفر الخنادق استعدادًا للهجوم الألماني في إلى وقت. ومع التحصن الشديد للروس قام الألمان بالاستعانة بسلاح الجو الألماني (Luftwaffe) لقصف ستالين جراد.

واجهت القوات الألمانية صعوبةً شديدة في التخلص من الجنود الروس المتحصنين ببقايا المدينة ومبانيها التي كانت تشبه قلاع القرون الوسطى. كان الجنود الروس يقتلون الألمان بسهولة وسرعة شديدة لم يستطع الألمان مجاراة الروس في حرب الفئران (Rattenkrieg) تلك، فقد خسر الألمان حوالي 20 ألف جندي في غضون أسبوع واحد فقط.

بعد ثلاثة أشهر وصل الألمان  إلى الضفة الشرقية لنهر الفولجا محتلين 90% من ستالين جراد.

هتلر الوقت ليس مهمًا

بعد إتمام سيطرة الألمان على أغلب ستالين جراد ألقى هتلر خطابًا في برلين في 8 من نوفمبر: “لقد كان هدفنا السيطرة على ستالين جراد وهذا ما تحقق تقريبًا، ما زالت بعض المناطق صادمة ولكننا لسنا على استعجال فالوقت غير مهم بالنسبة لنا.”

أدولف هتلر في مواجهة الجينرال وينتر “General Winter”

لكن كان الوقت مهمًا جدًا؛ فالشتاء الروسي القارس قد بدأ يزحف نحو الجيش الالماني.

مع انخفاض درجات الحارة التي تصل لخمسين درجة تحت الصفر بدأت أول مراحل انهيار الجيش الألماني في روسيا، لكن على النقيض بدأ الجيش الروسي في التقدم دون أي معوقات فقد اعتادوا على مثل هذا الطقس. وكانت تلك النقطة المحورية في بداية انهيار الدولة النازية وحلم رايخ الألف عام.

في العاشر من نوفمبر أراد الجينرال باولوس قائد الجيش السادس الانسحاب من ستالينجراد، لكن هتلر رفض الانسحاب وأمره بإكمال الهجوم على الروس.

وفي التاسع عشر من نوفمبر بدأ الروس في الهجوم المضاد، ونجحوا في اختراق صفوف الجيش الألماني وبعد أربعة أيام استطاع الروس محاصرة الجيش السادس الألماني الذي كان يبلغ قوامه ربع مليون جندي ألماني. بعد محاصرة الجيش السادس أراد الروس توسيع الفارق بين الجيش السادس وباقي القوات الأمانية فقاموا بالهجوم غربًا في اتجاه ألمانيا ليقضوا على الجيش السادس تمامًا دون الدخول في مواجهة مباشرة معه.

الحرب الإعلامية

ألمانيا: أذاع الراديو الألمانى في ليلة رأس السنة إذاعة حية من الجيش الألماني في ستاين جراد على ضفاف نهر الفولجا؛ لتخبر الشعب عن الموقف القوي للجيش الألماني، لكن كان ذلك مجرد تسجيل وليس إذاعة حية فالإرسال منقطعٌ على الجبهة الروسية.

روسيا: رد الردايو الروسي على الردايو الألماني ستالين جراد مقبرة الألمان بموت جندي ألماني كل 7 ثواني.

في 8 يناير عرض الجيش الروسي الاستسلام على الجيش الألماني لكن هتلر رفض بشدة، وفي 10 من يناير بدأ الجيش الروسي الهجوم الأخير على الجيش الألماني.

انتهت معركة ستالين جراد باستسلام فون باولوس قائد الجيش الألماني وحوالي 100 ألف جندي ألماني من أصل ربع مليون جندي لم يصل منه إلى المانيا غير 6 آلاف جندي بسبب البرد الشديد، وسوء التغذية، وتفشّي الأمراض بينهم. وخسر الجيش الألماني حوالي ربع قوته الحربية في تلك المعركة.

فالبرغم من ضعف الجيش الروسي مقارنةً بنظيره الألماني انتصر الجيش الروسي على الألمان في معركة ستالين جراد وكانت تلك المعركة بداية نهاية الإمبراطورية النازية.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.