تأخذك إلى أعماق الفكر

من حل الدولتين إلى واقع الدولة الواحدة

“إنَّ الأزمة تتمحورُ على وجه التحديد حولَ حقيقة مفادُها أنَّ المُسنين يموتون وأنَّ الأطفال ستُمنع ولادتهم، ولكنْ ما بين هذا وذاك، تظهرُ مجموعةٌ كبيرةٌ ومتنوعة من المشاكل وأعراضها”. ــ أنطونيو جرامشي، من كتابه رسائل السجن.
في 6 ديسمبر/ كانون الأول، أصدرَ مجلسُ النواب قرارًا وافق على “حل الدولتين” باعتبارِه النتيجةَ الوحيدةَ القادرةَ على ضمان “بقاء الاحتلال الإسرائيلي كدولةٍ يهوديةٍ وديمقراطية” و “بطَّأ” الضَّم الإسرائيلي الأُحادي للأرض الفلسطينية. وأشادَ الصَّهاينة الليبراليونَ بالإجراء، باعتباره توبيخًا قويًا لنتنياهو وترامب وحلفائِهم. كما وصفه جيه ستريت بأنه “قرارٌ تاريخيّ” خصوصًا وأنَّه “في نهاية أسبوع ناقشَ فيه الرّئيس ترامب ورئيس الوزراء نتنياهو الضَمَّ الإسرائيلي المُحتمل لغورِ الأردن، فإن هذا التصويت يبعثُ برسالةٍ واضحةٍ مفادُها أنَّ الكونجرس يُعارِض بشدّة جهودََ كهذه لتقويضِ آفاقِ حلِّ الدّولتين”.

وبخلافِ موجةِ الابتهاجِ الصهيونيّ الليبراليّ، انشقَّ كل من أوكاسيو كورتيز ورشيدة طليب وإلهان عمر وأيانا برسلي، عن التيار الديمقراطي السّائد مصوّتين ضدَّ هذا القرار، مؤكدين أنّه يشرعن الاحتلال الإسرائيلي غيرِ القانوني ويعلنُ بلا مبررٍ عن “التزام قويّ” من جانب الولايات المتحدة بتقديمِ مساعداتٍ عسكرية هائلةٍ وغيرِ مشروطةٍ للاحتلال.

لمْ يكنْ هناك سوى النائب طليب التي كانت تتمتع بالجُرأة اللّازمة للتصريح بالحقيقة البسيطةِ الصّارخة والتي تتلخَّصُ في أنّ صيغة الدَّولتين تحوَّلت منذ فترة طويلةٍ إلى حلٍّ غير واقعيّ وغير قابلٍ للتحقيق. وبالنسبةِ لأغلب الصهاينة الليبراليين فإنّ حلَّ الدَّولتين يظلّ الوسيلةَ الوحيدة الواقعيّة لحلِّ الصّراع الإسرائيلي الفلسطينيّ، ورُغم هذا فإن هذا الخطاب تجاهل لفترةٍ طويلةٍ حقيقة مُحرجة مفادُها أن حلَّ الدَولتين- بعيدًا عن تمثيل البديل “الواقعي”- ليسَ أكثر من زومبي يواصل رواية الحياة لنا من القبرِ أو ما هو أبعد منه.

إنّ التقارير حولَ انعدامِ جدوى حل الدولتين الوشيكةِ أو الفِعلية، كانتْ قد ظهرت على مدى السنوات ال35 الماضية بوتيرةٍ مُتزايدة. في عام 1983، كتب الصحافيّ الإسرائيلي أموس إيلون: “مع كل الأغراض العمليّة، إنّ الضفة الغربية وغزّة، قد ضُمت بالفعل إلى “سُلطة الاحتلال الإسرائيلي”، وربَّما بشكلٍ لا رجعةَ فيه”، وأكَّد ميرون بينفيستي، نائبُ عمدةِ القدس آنذاك ومدير مشروعِ قاعدةِ البياناتِ في الضفة الغربيّة أنَ الاستعمارَ الصهيوني أصبحَ واسعَ النطاقِ إلى الحدِّ الذي جعلَ الاحتلال غيرَ قابلٍ للتّراجع.

وفي نفس الوقت تقريبًا، حذَّر ناشطو السّلام الآنَ من أن توطين مئة ألف يهوديّ في الضِّفة الغربيّة سوفَ يُسفر قريبًا عن ضمٍ فعليّ، إنْ لمْ يكنْ شرعيًا. تجاوزَ عددُ المستوطنين في الضفة الغربية 400000 مستوطنٍ عام 2018؛ حاليًا، يعيشُ واحد من كل أحد عشر يهوديًا إسرائيليًا بشكلٍ غير قانونيّ في الأراضي المُحتلة في عام 1967.

إعلان

في عام 2016، نَشر بادرايج أومالي، النّاشطُ في مجال السّلام والمتمتع بخبرةٍ طويلة في تعزيزِ الحوار والمُصالحةِ في أيرلندا الشمالية وجنوب أفريقيا، تحليلاً حازمًا ويائسًا، وهو وهمُ الدّولتين، في ضوءِ الحقائق على الأرض والوقائع السياسيّة ومختلفِ الدراسات لدى الأطراف المعنيّة، فإن حل الدولتين منذ فترةٍ طويلةٍ ليس مجرد وهم مضللٍ بل إنه في واقع الأمرِ غير ذي صلة بالصّراع.

والآنَ يأتي مُقترحٌ أقلُّ وطأة وأكثر تركيزًا باسم النموذجِ المفقود: من حل الدولتين إلى واقع الدولةِ الواحدة، من قِبَل عالم السياسة في جامعة بنسلفانيا إيان س. لوسكتك، الذي يدعو إلى نموذجٍ جديد وسياسة جديدة تستند إلى واقع الدّولة الواحدة.
إن لوستك، في كتابه، لا يرفضُ حلّ الدّولتين من حيثُ المبدأ، بل إنَّه من أشدّ المدافعينَ عنه متمسكًا بالأمل ومُتعبرًا أنَّ الفشل في تحقيق هذه الغاية “مأساةٌ تاريخية وسياسيّة عظيمة”. بل إنّه، مثله كمثل جيف هالبر، وهو عالم أنثروبولوجيا أمريكي، أدركَ ببساطة أنَّ حلّ الدولتين لم يعد متاحًا بين الخيارات المطروحة.

لماذا؟ لأنّ سياسةَ إسرائيل كانت “تتلخّص بشكلٍ منهجيّ في التقليل من أهميّة مبادراتِ السّلام العربيّة أو التشكيكِ فيها أو تجاهلها؛ وإنتاجِ حقائقٍ غير قابلة للإلغاء على الأرض؛ وتعزيز قالبٍ عقليّ إسرائيليّ يهوديّ؛ وهو ما يجعلُ التسوية الإقليمية مستحيلة. ويؤكد لوستك أنه شئنا أم أبينا، فإنه يوجد دولة واحدة حاليًا في فلسطين، ممتدةٌ من النهر إلى البحر، لكنْ في ظلِّ صراعِ القوة فإن اسمها هو “إسرائيل”.

يتم جمع الضرائب من الفلسطينيينَ في الضفة الغربيّة وغزّة وتحديد من يدخل هذه المناطق ومن يغادِرُها، ومن يتمتعُ بالحقِّ في المُلكية، ومن يستطيع أنْ يعيش أو يبني أو حتى يزور، أغلب الخرائط لا تُظهر أي انقساماتٍ بين البحر والنهر بخلافِ الحدودِ الإداريّة للمناطق، لكنْ كل من يُريد أن يمارسَ حقَّه في التنقل، لا يمكنه أن يفعل ذلك إلا عبر الاحتلال.

والواقع أنّ رفضَ الاعترافِ بواقعِ دولةٍ واحدةٍ قد تحققّ بالفعل وله تفسيرات متعدّدة، وهو ما ناقشه لوستك،أما المدافعونَ عن حلّ الدَّولتين الذينَ يدركونَ مدى عدمِ قدرةِ الوضعِ الرّاهن على الاستمرار، فَهُم يخشونَ التهديد الديموغرافيّ الذي يفرضه النُمو السكانيّ الفلسطيني و/أو يبقونَ على حياد أمامَ أيِّ نوعٍ من تقريرِ المصيرِ الفلسطينيّ، ويتشبّثون بشعارِ “الحِفاظ على دولةٍ يهوديّة وديمقراطيّة” داخلَ الخطِ الأخضر ـ وهو ما لاحظه لوستك الذي ذكرَ أنّ ذلك يعني نظامَ حكمٍ يسيطرُ عليهِ اليهودُ فقط..
من ناحيةٍ أخرى، يمتلكُ أعضاءُ السُّلطة الفلسطينية مصلحةً قويّة في التَشدُّق بحسمِ الدَّولتين من أجلِ إدامة ما تبقى من هالةِ القوميّة التقدميّة، والحِفاظ على ورقتهمْ الشرعيّة الأخيرة، والسّماح لهم بالحفاظِ على الامتيازات فرصِ العملِ وجنيِ الثّروة.

وبالنسبة لآخرين، فإن الولاء لحل الدولتين، يرقى ببساطة إلى عدم قدرتهم على تخيل حل الدولة الواحدة. ومع ذلك، يشير لوستك: “لا يضمن الإله ولا التاريخ أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني له “حل”، لكن من غير المنطقي أن نجادل، كما يفعل دعاة الدولتين الآن بشكل شائع، أنه نظرًا لعدم وجود حل الدولة الواحدة، يجب أن يكون هناك حلّ الدّولتين”.

ويقول لوستك إنّ الواقع الحالي القائم على دولة واحدة ليس “حلًا” بالمعنى اللغوي بكل تأكيد، بل هو “نتيجة”. فهي في حالة جيدة أو سيئة تشكل نقطةَ انطلاق حقيقية للنظر في السؤال الوحيد ذي الصلة: “ما الذي ينبغي لنا أن نفعله؟”. يردف قائلًا: “إن التشبث بسراب حل الدولتين يمنع هؤلاء الذين يفضلون المستقبل الديمقراطي من العمل بفعالية من أجل تحقيق هذه التسوية”. أن النظر إلى الحالة من خلال منظور نموذج الدولة الواحدة يعزز التحليل والعمل بشأن فرص محددة للنهوض بالمساواة والتقليل من التمييز أو إنهائه، وهذا يعني معاملة العرب واليهود على أنهم متساوون في الحقوق السياسية بغض النظر عن المكان الذي يعيشون فيه بالنسبة للخطِّ الأخضر، الامر الذي لا يريده الاحتلال الإسرائيلي.

وعلى نحو بالغ الأهمية، يتوافقُ منظورُ لوستك مع منظورِ حركةِ المُقاطعة العالميّة التي أشارت لها ليلى فارساخ قبل سنوات، يدعو إلى تحول نموذجي من التفكير في الصّراع الناتجِ عن تشكيل مجموعتين وطنيتين تسعى إلى الانفصالِ الإقليمي إلى التفكير بكيانٍ استعماريّ واحد يمكن تفكيكَه على أفضل نحو من خلال إنشاءِ دولةٍ ديمقراطية لكلّ مواطنيها. بعبارة أخرى، إنَّه نضالٌ من أجل الحقوق المتساويةِ للجميع، الإسرائيليين والفلسطينيين، وليس الدولة في حدّ ذاتها.

إلا أنَّ لوستك لابد وأن يكون عمليًا وصريحاً بقوله إن وتيرة التغييرمن المرجح أن تكون بطيئة، ولسوف تتسارع وتيرةِ التغيير مع إدراك كل من العرب واليهود أن أياً منهما لن يكون قادراً على تجاهل الآخر؛ معارضًا حركة المقاطعة العالمية لمناهضة التطبيع إذ يدعو إلى “التحالفات الفلسطينية اليهودية” ويشجعُ الفلسطينيين في القدس الشرقيّة على إنهاء مقاطعتهم والمشاركة بنشاط في الحياة السياسيّة.

وفي المقامِ الأول من الأهمية، فإن موقفِ لوستك بالنسبة لضمِّ الأراضي الإسرائيليّة يظلُّ مشحونًا بالمقت، وكما يزعم بوتن: “إن الأحداث تسيرُ بلا أدنى شك نحو مزيدٍ من الضم”، وإن السياسة الجديدة سوف تخلقُ بشكلٍ عجيب تقدميين يهود يتقبلون حقيقة الدولة الواحدة الذي سيجد الدعم أيضًا بين صفوف المستوطنين والمتطرفين اليهود.

وبخصوصِ ما إذا كانت ديناميكياتُ القوّة المتحوِّلة التي خلَقها قبولُ واقع الدولة الواحدةٍ سوف تؤدّي في نهاية المطافِ إلى “حلّ” يعزز السلام والعدالة والمصالحةِ أم لا، تظل مسألة مفتوحة. بيد أن القيمة العظيمة التي جسدها نموذج لوستك تتلخص في إصراره على التخلي عن الأوهام وعن تقديس حل الدولتين والاعتراف بأمانة وقبول ما نحن عليه الآنَ، وهو أمر رائع، ولا نملكُ إلا أنْ نتمنى ألا تطول “فترة الخلوة”، بلغة غرامشي، وألا تكون “الأعراض الجانبية” المصاحبة له مميتة..

مصدر الترجمة

نرشح لك: إسرائيل الأخرى “أولى الفرص الضائعة لتفادى نكبة الشعب الفلسطيني”

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: فرح فرحان

تدقيق لغوي: رنا داود

تدقيق علمي: أفنان أبو يحيى

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.