تأخذك إلى أعماق الفكر

هكذا خسرنا التاريخ! قراءة في كتاب تهويد المعرفة لممدوح عدوان

“عدم سقوط إسرائيل حتى الآن من أكبر الأدلة على خيبة العرب الكبرى وليس على قوة إسرائيل، إنه غيابٌ عربي وليس حضورًا إسرائيليًا.” عبد الوهاب المسيري

كيف توغل الفكر الصهيوني في العقل الغربي؟ وكيف تمت إعادة اختراع العالم بما يتناسب وأهداف هذا الفكر؟ هي أكثر الأسئلة التي تتبادر إلى ذهن المواطن العربي، إنْ هو تفكّر في أوضاع بلاده المتردية وأسباب تعامي العدالة الدولية عن وقف الجرائم الصهيونية.

في كتابه “تهويد المعرفة” يعرض لنا الكاتب والشاعر السوري ممدوح عدوان إجابات جلية ومقنعة عن أكثر ما يشغل المتعجبين من تحول اليهودي من شخص مرذول في أكثر الثقافات الأوروبية إلى شخص متماهي مع العقلية الأوروبية وما خلّفه هذا الدمج من تأييد دولي صارخ لأفعال اليهود وما يرتكبونه من مجازر.

السيطرة على مركز القوة:

“حين سيطروا على العقل الأوروبي الغربي سيطروا على عقل العالم.”

فالعقل الأروبي كما هو واضح، هو المسيطر على ثروات العالم وأفكاره وهو الذي يقسم الدول ويضع حدودها كيفما شاء، لذا ركز اليهود جهودهم على مركز القوة هذا.

ومن ثم برز تيار قوي يدفع بشكل غير مباشر العقلية المسيحية الأووربية للامتزاج باليهودية، رغم أنها من المفترض مكروهة من المسيحية وتحمل وزر قتل المسيح. فها هي قصائد الشاعر بايرون بالعبرية عن حق اليهودي في أن يكون له بيت، ونداءات نابليون بأن بعثه اليهود قد أزف بمجيئه وحان وقت رجوعم إلى أرضهم الموعودة.

نجح اليهود في التغلب على الكراهية المترسبة في دورهم في قتل المسيح، حتى أنهم استصدروا فتوى بتبرئتهم من دم المسيح من البابا نفسه، وصار من يُذكر بالماضي يصنف على أنه معادٍ للسامية، بل الأكثر دهشةً من هذا  هو سرقة المسيح من أصله وإحالته إلى اليهودية كما نرى على سبيل المثال في لوحة المسيح الأبيض لليهودي الروسي مارك شاغال.

إعلان

نظرة الأدب إلى اليهود:

من يقرأ الأدب الإنجليزي القديم، يرى كيف ظهر اليهودي في أكثر الأعمال المسرحية والروائية شهرةً بمظهر الشرير أو رئيس العصابة، فمن “حكايات كانتربري” لتشوسر والتي يورد فيها قصة طفل مسيحي يترنم بأغنية عن السيدة العذراء ويرددها في الشوارع ثم يمر في حارة اليهود فيتآمرون عليه ويذبحونه، إلى شايلوك في تاجر البندقية وفاجن في أوليفر تويست.

أما الفيلسوف الفرنسي فولتير فكان يتحدث عن اليهود في مقالاته بامتهان ويقول في وصفهم: “سادتنا أعداؤنا، الذين نحتقرهم، الشعب الأكثر بغضاء في العالم.”

بدأت صورة اليهودي الكريه تتراجع منذ القرن الثامن عشر لتحل محلها صورة اليهودي الطيب والإنساني بعد أن كان الأدب يندد بجشع اليهود ومكرهم، وكانت أولى هذه الروايات “هارنغتون” لماريا ادجورث، فمقابل باراباس عند مارلو الذي يرفض إقراض الدولة لمواجهة الغزو التركي، يظهر “مونتينرو” اليهودي الذي ينقذ “هارلنتون” الإنجليزي من أزمته المالية.

ثم نرى رواية “آلوري” للإنجليزي اليهودي بنيامين دزرائيلي بموضوعها حول النضال من أجل إقامة كيان يهودي في فلسطين، علمًا بأن دزرائيلي وصل إلى رئاسة الوزارة البريطانية مرتين، وهو الذي تحمل مسؤولية اقتراض أربعة ملايين جنيه لشراء أسهم الخديوي إسماعيل من قناة السويس.

ثم تأتي الكاتبة الإنجليزية جورج إليوت لتقول: “إسرائيل بين الأمم بمثابة القلب من الجسد.” ثم  تكتب: “إننا نحن الذين نشأنا على المسيحية مدينون لليهود بشكل خاص، إنهم -أي المسيحيين- لا يعرفون أن المسيح كان يهوديًا.” وجورج إليوت كانت شخصية متحررة، وكانت قضية اليهود وقتها قد صارت جزءًا من قضايا التحرر في الفكر الغربي.

كما تم التمهيد تدريجيًا من قبل إليوت بأن جذور المسيحية كانت يهودية، أو مكتوبة بالعبرية على الأقل، فصدرت أول طبعة عبرية للكتاب المقدس في إيطاليا عام 1488، ثم التلمود عام 1508 في البندقية، حتى أن هيغل خلص الديانة العبرية من المؤثرات الشرقية، رغم أنها ديانة قامت في الشرق، وأعلن أن اليهودية هي بداية الغرب الروحي، وفي القرن الثامن عشر بدأت حركة هاسكالا بمطالبة اليهود بالخروج من عقلية الغيتو وتبني ثقافات البلدان التي يعيشونها.

دور اليهود في التاريخ الأمريكي:

كانت قوانين مستعمرات كل من بليموث 1636 وماساشوستس 1647 وكونكتكوت 1650 كلها مستمدة من شريعة موسى، بينما كانت نصف قوانين نيوهافن مقتبسة حرفيًا من أسفار التوراة، وقد أطلق على أمريكا أسماء “أرض الميعاد” و”صهيون” و”إسرائيل الجديدة” و”أرض كنعان”.

وعبر جون كوتون الأب الروحي للبيوريتانية الأمريكية، عن هذه الحتمية القدرية في موعظة له قال فيها: “إن الله حين خلقنا ونفخ فينا روح الحياة أعطانا أرض الميعاد أمريكا، وما دمنا الآن في أرض جديدة فلا بد من بداية جديدة للحياة نعمل فيها من أجل بني إسرائيل، هذا الشعب المختار المتميز.”

ثم توالت الخطب التي تبارك أرض أمريكا، اعتقادًا بتشابه خروج العبرانيين من مصر لاستعمار فلسطين وخروج البيوريتان من بريطانيا لاستعمار أمريكا، ولم يكن تعلم اللغة العبرية ترفًا في المستعمرات الجديدة، بل كان أساس البنيان الثقافي لكل متعلم متنور. لهذا لم يكن الكتاب الأول الذي طبع في أمريكا هو الإنجيل بل مزامير داوود، وعندما تأسست جامعة هارفارد كانت العبرية هي اللغة الرسمية فيها.

لذا لا غرابة فيما نراه اليوم من تواطؤ أمريكي مع الأفكار الصهيونية، فمنذ القدم توهم المستوطنين الأوائل في أمريكا بأنهم لا يستعمرون الأرض ويسلبونها سكانها بل هم ينشرون دين الله، أما الشعوب الأخرى فهي فائضة على الحياة ويجب التخلص منها لإفساح المجال أمام نخبة بني البشر.

سرقة المآسي:

يذكر كتاب تهويد “المعرفة” أيضًا كيف تطاولت يد الصهيونية على التاريخ، فزورت حتى المجازر والجرائم، لإظهار مأساة اليهود على أنها المأساة  والكارثة الوحيدة في العالم، وهذه المأساة تتضمن “الهولوكوست” و”مأساة التيه والسبي”.

فبحسب إليوت هوروفيتز أن الغزو الفارسي للقدس عام 614 والمجازر التي قام بها اليهود لعشرات الآلاف من السكان المسيحيين ظلت ماثلة في الأذهان في كل كتابة تاريخية حتى حدوث الهولوكوست، فصارت الكتابات تتجاهل هذه المجزرة وتغفل دور اليهود فيها، كما تم تبرير تجارة اليهود بالزنوج في أمريكا بالقول بأن الحقد على اليهود كان منتشرًا بين الزنوج ومن الطبيعي أن الزنوج المستعبدين لم يكونوا يحبون سادتهم.

حتى المجازر التي ترد في التوراة لها مبرراتها، فنجد الباحث التاريخي اليهودي و. ف ألبرايت يرى بأن من الضروري أن يفنى شعب من طينة أنقص ليظل الشعب ذو القدرات الأعلى. يقول أحد الكتاب: “إن الأبحاث التي تعيد صياغة التاريخ هي إعادة صياغة الماضي من أجل أغراض شخصية أو سياسية.”

رغم عدد صفحاته التي لا تتجاوز المئة، سيدهشك كم المعلومات التي ستخرج بها من هذا الكتاب، وستدرك عمق الفجوة بين ما يفعله الصهاينة لأجل فكرتهم وما يفعله العرب من أجل حقهم.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: هبة أبوكويك

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

الصورة: Goodreads

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.