تأخذك إلى أعماق الفكر

ملك التهويش

عم ظاظا وديوجين والمجتمع المصري

إن كنتَ من رواد مواقع التواصل الاجتماعي فستصادف هذا المقال.. دعني أحدّثك عن أشياء ربما صادفتها هي الأخرى وهيا بنا لنُغرق أنفسنا في الاجتماعية سواء بتواصل أو بدونه. ومع كامل اعتذاري لك مقدمًا عما ستقرأه…

“الناس يثورون بالأصبع، فإن رفعت إصبعك الوسطى سينهالون عليك بالسباب وإن رفعت السبابة فلن يحدث شيء” _ديوجين_

انتشر مؤخرًا فيديو لرجل طاعن في السنّ وهو “يهوش” المارة في الطرق وبيده زجاجة ليفاجئ المارّ كأنه سيرميه بها فيولي المارّ بالفرار أو على الأقل يحاول تجنب الزجاجة، وصادف أن كان هنالك بائع ليمون بعربة يد ولكي يتجنب الزجاجة قام بقلب العربة فانتشر الليمون في الشارع! وسط ضحكات من حوله وحول “عم ظاظا” الذي يكون محاطًا دائمًا بجموعة من الـ… لا يستحقون لقب شباب، فهم مراهقون بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى، يلتقطون تلك المواقف بكاميرات هواتفهم ويرسلونها إلى عالم الفيسبوك.

الأمر الآن تعدّى الضحكات العابرة وأصبح يحصد آلاف ومئات المشاهدات والتعليقات الغريبة. والمشاهدون يحبون هذه المواقف.. وبعد أن كان هناك فيديو واحد، صار فيديو كل يوم تقريبًا.

موقف يسبّ فيه العم ظاظا رجلًا يبدو عليه الإرهاق من العمل والحياة فينظر له في وجهه ويقول “إيه يا *** أمك” ثم يتجاهله كأنه لا يخاطبه! فيذهل الرجل لبعض ثوانٍ لكنه يكمل طريقه. وتارة أخرى تجده يشاور لأحد المارة بيده ليصافحه يدًا بيد وما إن يمدّ المارّ يده يتركه ويذهب في طريق مخالف؛ وثم يجد أطفالًا مراهقين يجلسون على المقهى فيذهب إليهم صائحًا “هات سيجارة.. بقولك.. خدت حاجة من الدنيا؟” فيرد عليه مراهق “لأ” فيوجه إصبعه الوسطى لوجهه أو بالأصح للكاميرا ويقوله “خد”!

إعلان

هل تلك الأمور مضحكة؟ ربما! لا أنكر أنّني أنفلتت مني ضحكة في أوّل الأمر لكني لم أستطع حتى الابتسام مرة ثانية، ربما لأنني وشاكلتي معرضون دائمًا للمشاكسة من كل صوب وحدب من أي شيء ومن أي شخص. تلك المشاكسات جعلت ردة فعلنا عادية؛ لا ننبهر بتلك المواقف لأننا نكون متوقعين تمامًا كل ما سيحدث لنا.. فمن المتوقع إن كنت تسير في طريق وتتحدث في الهاتف أن يفاجئك سارقان على “مكنة صيني” و”يُنتش” الهاتف من يدك، أو يستوقفك أحدهم سائلًا عن عنوان ما فما إن تحاول شرح الطريق إليه يأتيك رفيقه وبيده “مطواة” ويقلبونك. أو تحاول عبور الطريق فتصدمك سيارة أجرة وتتلقى بعض السباب من سائقها وراكبيها؛ لذلك نكون منتبيهن جدًا تمامًا.. فإن صادفنا “عم ظاظا” وحاول مشاكستنا فلن نعطيه جزءًا من ثانية ليفرح بمشاكسته وسنذهله بلامبالاتنا.

الآن أحاول أن أكون موضوعيًا وغير متحيز، فـ”عم ظاظا” ربما يكون فيلسوفًا! أي والله، لا أمزح ولكني لم أصل لفكرِه العالي لأن تفكيري عادي جدًّا وسطحي مقارنة به. وهذا الأمر يذكرني بطرائف “ديوجين” الفيلسوف حيث ذهب “الإسكندر” لمكانه القذر الذي ينام فيه ووقف أمامه سائلًا “ماذا تريديني أن أفعل لك؟” فلوّح له بيده وقال “لا تقف أمامي فتحجب الشمس عني!”. وطرفة أخرى عنه أنه ذهب إلى مدينة مساحتها صغيرة وبوابتها عظيمة الإتساع فقال لأهلها “أقفلوا باب مدينتكم حتى لا تهرب المدينة.”
أو ربما “عم ظاظا” مجرد رجل طاعن في السن يريد جذب الانتباه له بأي طريقة كانت كأحد أبطال فيلم (12Angry Men)؛ إذ كان يعارض رأي الأغلبية الصحيح والسليم الذي ليس فيه قليل من الشك فقط لأنه يريد أن يثير نقاشًا من أيّ نوع حتى يُسمع صوته، أو ربما هو مجرد رجل مريض وهؤلاء المراهقون يستغلونه حتى أنهم أنشأوا صفحة على الفيس بوك باسمه.

المهم أنني قلق على حاضر ومستقبل هذا البلد من كثرة ما فيه من مشاكسين. لذلك قررت أن أترك مدينتي البائسة لأذهب وأرى “عم ظاظا” بنفسي، فإن لم يُسرق هاتفي في الطريق أو يتم “تقليبي” “بمطوة” أو صدمتني سيارة أجرة وتم لعني ولعن جدود جدودي ووصلت لمحطة القطار سالمًا فسأركب القطار.. فإن لم يَثُر ويخرج عن قضبانة الحديدية الصدئة وتهشمت عظامي جميعها فوصلت لمحطة مصر سالمًا غانمًا بعظامي، وتوجهت نحو المترو ولم ألقَ حتفي تحت عرباته حتى لا أعطّل خط سير المترو وأكلّف المسئولين أموالًا لتنظيف محطة وفاتي؛ وإن نجوت من كل هذا ولم تقابل أنت أيها القارئ في طريقك شابًّا نحيلًا بلحية مشعثة يحدّث نفسه وملابسه بالية “ويهوشك” بزجاجة أو شيءٍ ما وصادف أن كان يشبهني؛ إن لم يحدث كل هذا فسأقصّ عليك بعض الأخبار والطرائف في مقالات أخرى.. والآن سأذهب لأحدث نفسي في طريقي لـ”عم ظاظا”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...