تأخذك إلى أعماق الفكر

معركة القرن: “جون مينارد كينز” في مواجهة “فردريك هايك”

جون مينارد كينز و فردريك هايك
0

(جون ميناردكينز) و(فردريك هايك) اثنان من أعظم وأهم علماء الاقتصاد في القرن العشرين، الأول أبو المدرسة الكينزية في الاقتصاد ومؤسس علم الاقتصاد الكلي، والثاني حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، وأحد أعلام مدرسة (فيينا) الليبرالية، فهل يمكنك أن تتخيل أن يكون الاثنان موضع أغنيةراب” فيديو مصورة على جزئيين؟ بل وهل يمكن أن يجنح بك فكرك لتتصور أن موضوع كلمات أغاني الفيديوهين كان عن الخلافالذي لم ينقطع بين مؤيديهم حتى الآن حول إدارة السياسة الاقتصادية؟ والأغرب من ذلك أن الفيديوهات غير مملة وجميلة!

في عام 2010 قام أستاذ الاقتصاد (راسل روبرتس) في جامعة (جورج ماسون) والمخرج السينمائي  الأمريكي (جون باولا) (Papola) بإعداد ڤيديوهينراب، أو ربماهيب هوب” من تمثيل (بيلي سكافوري) و(آدم لوستيك)، يمكنك أن ترقص على موسيقاهما وتتمتع بكلماتهما، في شكلٍ فنيٍّ مُسلٍّ وجهة النظر الاقتصادية للعالمين  المذكورين:

الأول: بعنوان (خافوا من الازدهار والانحدار Fear the Boom and Bust)، وفيه تتحدث الأغنية عن وجهة نظر العالمين في تقلبات دورة الأعمال الاقتصادية business cycle. ونقصد بدورة الأعمال هنا فترة من الزمن تنطوي على ازدهار وانحدار في النشاط الاقتصادي، وكانت فترة الازدهار خلال الفترة الواقعة بين عامي 1854 و1945 تصل في المتوسط إلى 29 شهرًا مقابل متوسط 11 شهرًا لفترة الانحدار والركود؛ ولكن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تضاعفت فترة الازدهار لتصل إلى متوسط 50 شهرًا مقابل تقلص فترة الانحدار إلى متوسط 11 شهرًا.

إعلان

الثاني: بعدما حظيت الأغنية الأولى بنسبة مشاهدة عالية وانتشار واسع بين جموع عديدة من الناس، تشجع المخرج الأمريكي وأستاذ الاقتصاد وقام بإصدار الحلقة الثانية من هذا الفيديو تحت عنوان: “صراع القرن: كينز ضد هايك: الجولة الثانية Fight of the Century: Keynes vs. Hayek Round Two”.

وقبل أن أقص عليكم  قصة الصراع بين أفكار العالمين (جون مينارد كينز) و(فردريك هايك)،  وجب التحذير من أن الخلاف بين الاثنين كان خلافًا علميًا بين اثنين من الأصدقاء الذين جمعتهم اهتمامات وهوايات أدبية وفنية عديدة.

حكاية اقتصاديين (جون مينارد كينز وفردريك هايك)

مع انهيار أسواق الأسهم الأمريكية في عام 1929م، والذي ترتب عليه إشعال فتيل الفوضى في أوصال الاقتصاد العالمي، ظهر العملاقان الكبيران كلٌّ يحمل على كتفيه نظرية اقتصادية تناقض نظرية الآخر، كلاهما يدوران حول كيفية إعادة عجلات الاقتصاد إلى الطريق السليم. ولقد تعرف (كينز) في كامبريدج على عدد من أفضل اقتصاديي عصره: فرنسيس يسدرو إيدجورث، ألفرد مارشال؛ وبعدها بفترة جوان روبنسون، بييرو سرافا، ريتشارد كاهن، جيمس ميد، وأيضًا برتيل أوهلن. وكان (كينز) محبًا للكتب ومجمعًا كبيرًا لها، وقد شارك ذلك الشغف مع (فريدريش هايك)، الفيلسوف والاقتصادي النمساوي والحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1974م، وكانت تجمعهما علاقة صداقة رغم خلافاتهما الاقتصادية العميقة.

أهم كتب الاقتصاديَين العظيمَين: ألّف هذان العملاقان العديد من المؤلفات الاقتصادية بالغة الأهمية، أهمهما من وجهة نظري، الإثنين التاليين:

(أ) النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود 

في عام 1936، نشر (جون مينارد كينز) هذا الكتاب الأكثر إثارة من بين كل ما كتب الاقتصاديون في جيله؛ حيث اقترح منهجًا جديدًا لتحديد مستوى النشاط الاقتصادي ومشاكل التشغيل والبطالة وأسباب التضخم، استمر الجدال حول الكتاب حتى وفاته، ولا يزالان يمثلان نقطة التحول الفاصلة بين علم الاقتصاد القديم والجديد والتي يجب أن يستلهمها مختلف أجيال الاقتصاديين، ويتخذوها نقطة الانطلاق نحو أي محاولات جديدة في تطوير عملهم

(أ) الطريق إلى العبودية

هو كتاب ألفه (فريدريك  هايك) (1899-1992) بين عامي 1940 و1943؛ حيث حذر من خطر الطغيان الذي ينتج من سيطرة الحكومة على صنع القرار الاقتصادي عن طريق التخطيط المركزي، وقال بأن: “التخلي عن الفردية والليبرالية الكلاسيكية والحرية سيقود لا محالة إلى القمع الاشتراكي أو الفاشي وإلى الاستبداد وإلى عبودية الفرد”. ويعد الطريق إلى العبودية واحد من أكثر الكتب تأثيرًا وشيوعًا بين الكتب ذات النزعة الليبرالية، ويبقى عملًا شعبيًا ومؤثرًا في الخطاب المعاصر، حيث بيع منه أكثر من مليوني نسخة، ومازال على قائمة الكتب الأكثر مبيعًا.

ويمكن حصر الخلاف بين الطرفين في صورة مبسطة، وهي أسباب تقلبات دورة الأعمال وسبل علاجها؟

(أ) المدرسة الكينزية (جون مينارد كينز): 

يعتقد الكنزيون أن الأسواق “بطبعهاغير مستقرة، ويمكن للحكومات عن طريق استخدام سياسة مالية رشيدة تخفيف حدة تذبذب الأسواق ، ولقد أشار (كينز) في كتابه (النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود) 1936م، والذي أحدث ثورة كبيرة في الفكر الاقتصادي، إلى أن الدولة تستطيع من خلال سياسة الضرائب والسياسة المالية والنقدية أن تتحكم في الدورات الاقتصادية. وأن النظام الاقتصادي الرأسمالي أو الأسواق لا يحتوي على آليات ذاتية قادرة على ضمان تحقيق التوظف الكامل، وهي الحالة التي يستطيع فيها جميع أو أغلب مواطني المجتمع القادرين على العمل والراغبين فيه، العمل في إطار الأجور السائدة وظروف العمل الموجودة داخل المجتمع.

يرى مؤيدو (جون مينارد كينز) أن التدخل الحكومي ليس ضروري فقط للحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي، ولكن أيضًا لإصلاح اخطاء  السوق وضمان توزيع عادل للدخل؛ لأن الأسواق تعاني من مشاكل هيكلية، مثل: عدم توافر المعلومات بذات القدر عند كافة المتعاملين في السوق information asymmetry، وغياب المنافسة الكاملة والعادلة، وهي أمراض مستشرية في كافة الدول وتلحق ضررًا كبيرًا بعمل الاقتصاد الكلي. وحسب النموذج الكينزي تلعب الحكومة دور المخطط الصالح الذي يتدخل من خلال السياسة المالية والانفاق الحكومي (التمويل بالعجز) عندما تختل مسيرة الاقتصاد.

(ب) مدرسة فيينا (فردريك هايك)

ولد (فردريك هايك) في 8 مايو 1899م في فيينا، وعرف بدفاعه عن الليبرالية الكلاسيكية والرأسمالية القائمة على أساس السوق الحر ونقده للفكر الاشتراكي والجماعي خلال أواسط القرن العشرين. يعد (هايك) أحد أهم اقتصاديي القرن الماضي، وأكثر أعضاء المدرسة النمساوية للاقتصاد تأثيرًا ولقد حصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1974م. ويرى أتباع (هايك) أن دورة الأعمال وتقلباتها تنتج عن التوسع الائتماني  الشديد، وأن استقرار هذه الدورة لا يتحقق، كما أوضح (هايك) في كتابهالنظرية النقدية والدورات الاقتصادية” إلا إذا رفعت الحكومة يديها عن الأسواق، وتركت الأمر لآلياتها تستعيد استقراها وقواها. ويرى أتباعردريك هايك) أن دور الأسعار في توجيه السوق وتوزيع موارد الدولة أكثر مصداقية وكفاءة من دور الحكومة التي تتدخل بقراراتها الاقتصادية في عمل الأسواق، والدور الأمثل للحكومة هو إنفاذ القانون وضمان الالتزام بالعقود التجارية وحماية الملكية الفكرية وترك السوق حرة.

آراء ختامية

أتاحت أفكار (جون مينارد كينز)، بالإضافة إلى النقد الماركسي الدائم للرأسمالية، المجال لتدخل الحكومات في الاقتصاد منذ الاقتصاد الكبير في الثلاثينيات، ولقد تبنت العديد من الدول أيديولوجية سياسية واقتصادية تسمح  بالملكية الخاصة والأسواق، لكن كان فيها أيضًا صناعات تملكها الحكومة وقواعد تنظيمية محددة وبرامج تأمينية للرعاية الصحية، وذلك مثل الدول الإسكندنافية؛ كالنرويج والسويد. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية قد رفضت العديد من هذه الأفكار الاشتراكية، لكن الحكومة الأمريكية أو على الأقل خبراء الاقتصاد بها يؤيدون بشكلٍ واضح استخدام السياسات الاقتصادية الكينزية عندما يواجه الاقتصاد المتاعب، مثلما شاهدنا بعد الأزمة المالية العالمية في 2008م وسياسة الرئيس (أوباما).

ومع هذا استمرت مجموعات أخرى من الاقتصاديين يطالبون بقوة بالملكية الخاصة والأسواق الحرة، وعلى رأسهم مدرسة ففيينا أو المدرسة الاقتصادية النمساوية وفي صفوفها الأولى (فريدريك هايك) و(لودويغ فون ميسيس)، ويرون أن التدخل الحكومي الكبير لم يستطع أبدًا تقديم النتائج التي وعد بها، وأن الإصلاحات التنظيمية والحكومية هي في الواقع مشكلة وليس حلًا. ولقد دعا (ميلتون فريدمان) -مدرسة شيكاغو في الاقتصاد- مثله مثل مدرسة فيينا إلى خصخصة العديد من الوظائف التي كانت تتولاها الحكومة، وألقى باللوم في الكساد الكبير على السياسة النقدية الفاسدة وليس إلى خلل متأصل في الرأسمالية كما أشار (جون مينارد كينز). ولقد تعززت آراء (فريدمان) بقوة في سبعينيات القرن العشرين مع ظهور ظاهرة الركود التضخمي (مزيج من التضخم والركود الاقتصادي في نفس الوقت)، وهو الوضع الذي عجزت نفيه نظرية كينزي عن معالجته.

ومع هذا فإنه مع عودة الركود الاقتصادي العالمي عام 2008م، مثال جيد على هذا فلقد عادت السياسات الكينزية، بقوة وبالتحديد الإنفاق بالعجز، وقام العالم أجمع بتطبيقها مرة أخرى في ظل اعتراضات مؤيدي (هايك) ومدرسة النمسا، ولازالت المعركة مستمرة بين الطرفين.

فريق الإعداد

إعداد: سمير الشناوي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
مصدر كتاب الايكونميست مقال
تعليقات
جاري التحميل...