تأخذك إلى أعماق الفكر

لمعرفة مستقبل المنافسة: راقب نتفلكس – Netflix

بدأ الأمر كلّه عندما تابعت نتفلكس “Netflix” منذ عام ٢٠٠٥، في البداية زرت مقرها الرئيسي في وادي سيليكون والتقيت بريد هاستينغز وهو مؤسس الشركة ومديرها التنفيذي. لا أظن أنني تعلمت الكثير عن استراتيجيات التكنولوجيا والثقافة في أي شركة أخرى قمت بدراستها، الأمر الذي يعدُّ امتدادًا لزعمي أنّ كل ما تعلمته حول الأعمال هذه كان عن طريق مشاهدة نتفلكس. ومما لا شك فيه أن العديد من القادة يمكنهم رؤية لمحات عن مستقبل المنافسة والابتكار عن طريق النظر في كيفية تأدية الشركة لمهامها.

وبالرغم من أنّ عدد المشتركين الجدد قليل في نتفلكس -كما ورد في أخبار الأسبوع- إلّا أنّها ستستمر في اكتساح فئات هذا العام إذا كان هناك جوائز أكاديمية لأداء الأعمال. حيث إذا كان هناك فيلم مماثل لفيلم (Titanic ،(Lord of the Rings، سيؤدي هذا الشيء إلى ولادة ثروة بالنسبة للشركة. وتبلغ أسواق الأسهم للشركة ما يقارب ١٦٥ بليون والتي بالكاد يبلغ عمرها عشرون عامًا، حيث أنها تتفوق على شركة ديزني. كما أنها حصلت على ١١٢ ترشيحًا مؤخرًا، وهي الأكثر بين أي شبكة أو خدمة بث، الأمر الذي أدى إلى الإطاحة ب HBO والتي كانت تحصد أعلى الترشيحات على مدار سبعة عشر عامًا. إن سمعتها قوية للغاية بحيث أنّ عرضًا تقديميًّا بسيطًا عن سياستها الثقافية وسياسية الموارد البشرية تمت مشاهدته أكثر من ثمانية عشر مليون مرة.

ويوجد هنا ثلاثة دروس يمكن تعلّمها من نجاح نتفلكس الآخذ بالصعود، والتي يمكنها أن تنطبق على كل شركة:

البيانات الكبيرة قويّة، لكن النقلة النوعية الناجمة عن دمجِ حجم البيانات مع الأفكار الكبيرة أكثر قوّة:

تعد نتفلكس تقنية هائلة حيث أحدثت تحليلاتها، وخوارزمياتها، وابتكاراتها الرقمية تغيّرًا في كمية مشاهدة الأفلام وبرامج التلفاز من قبل عملائها. لكن هذه التكنولوجيا كانت تخدم دائمًا وجهة نظر مميزة وهي بناء منصة تتحكّم بما يشاهده العملاء، وليس فقط في كيفية مشاهدتهم. وتمتلك الشركة كمية ضخمة من البيانات حول عادات المشاهدة لمشتركيها الذين يبلغ عددهم ١٢٥ مليون مشتركًا، ابتداءً بالفيلم أو البرنامج الذي نال إعجابهم أو الذي لم ينله وانتهاءً بعدد المرات التي شاهدوا فيها حلقة واحدة أو إذا كانوا يبدأون سلسلة جديدة. هذا النظام القوي للبيانات يُنشِئ نظامًا اجتماعيًّا غنيًّا يمكنه التأثير على مشاهدي هذه الأفلام والبرامج، بالاستناد إلى معرفة أي برنامج أعجبهم سابقًا وما شاهده المشتركون الآخرون ونال رضاهم.

وهنا يظهر كيف شرحها ريد هاستينغ في عام ٢٠٠٥، عندما كانت الشركة تملك ٣٥٠ مليون مشتركًا، حيث قال أنه من الممكن أن يتم فهم نتفلكس بشكل خاطئ تمامًا، وأخبرني أن المشكلة الحقيقية التي نحاول حلّها هي كيف بإمكانك تحويل المُختارات بحيث يمكن للمشتركين إيجاد تدفق مستمر من الترفيه الذي يحبونه.

إعلان

“إننا نعطي الجميع مساحة لتوسيع أذواقهم”.

هذه هي وجهة النظر التي قادت نتفلكس منذ البداية والتي تشدد على قوة الأفكار الأصلية في نجاح الأعمال، فالعبرة المستفادة تكمن هنا بأنّ التكنولوجيا تعد أكثر أهمية عندما تخدم استراتيجية مقنعة.  

إذا كنت تهدف إلى عرقلة صناعة ما؛ ربّما تكون أول متضرر من هذه العرقلة:

من الممكن أن تكون نتفلكس هي الشركة التي أعادت تشكيل منطق تكنولوجيّ جديد متطوّر. ومع ذلك فإن ما هو ملحوظ حول مسار الشركة خلال العقدين الأخيرين هو كيفية تعطيل الشركة لنفسها في خدمة عملائها. بدأت نتفلكس مع القليل من الابتكار بكسب المزيد من الإقبال عن طريق شحن أقراص DVD باستخدام البريد الإلكتروني وإلغاء رسوم التأخير، ثم انتقلت بعد ذلك من محتوى الرسائل إلى بث الأفلام وبرامج التلفاز رقميًّا. اليوم تعد نتفلكس أكثر شيء جدير بالملاحظة كمُنشئ محتوى، وسوف تنفق ١٢ بليونًا هذا العام وحده على البرمجة. مرة أخرى، تدخل نتفلكس في صناعة عن طريق تحدي اتفاقياتها، حيث أشارت مجلة نيويورك في واحدة من قصص التغطية الأخيرة أن نهج الشركة قد قلب الكثير من أعراف العمل التلفزيوني، ابتداءً من إزالة الحلقات التجريبية ووصولًا إلى اختراع فكرة “الإفراط في المشاهدة” لاستبدال “التركيبة السكانية” مع ما تسميه “مجموعات الذوق” (مجموعات لها نفس الذوق الموسيقي مثلا).

ومع كل خطوة تخطوها نتفلكس، فإنها تثير الشكوك الخارجية وتتطلب إعادة تفكير داخلي عميق لما كان يحصل من قبل. والدرس الرئيسي الذي تستطيع الشركات والقادة على حد سواء تعلمه هو أنه ليس بإمكانك أن تدع ما تعرفه، فإن كل ما حققته من نجاحات في الماضي يحدِّد لك ما يمكن تخيله في المستقبل.

 

الاستراتيجية هي الحضارة، والحضارة هي الاستراتيجية

يؤكد معظم المحللين لصعود وإعادة ابتكار وتطوير نتفلكس على أهمية استراتيجياتها وتقنياتها. لكن ما أدهشني حول ريد هاستينغز منذ اللقاء الأول هو أنّه وزملاؤه يفكرون بنفس الدقة حول ما يتعلق بالناس وحضارتهم، تمامًا كما يفكرون بالتدفق والمحتوى الرقمي. فعندما يتعلق الأمر بمن تُوظِّف، وبماذا تَعِدُهم، وكيف تتخذ القرارات، وتشارك المعلومات، وحتى ما تقوم به بشأن الإجازات؛ فقد ابتكرت نتفلكس مجموعة من الأساليب التي تم تصميمها بوضوح للربط بين ما تهدف الشركة لإنجازه في السوق وبين كيفية سير الأمور في مكان العمل.

في العام الماضي، قامت الشركة بتحديث بيانها الرسمي المتعلّق بثقافة نتفلكس، وهو بيان تفصيلي يُبين مبادئها، وسياساتها، وممارساتها فيما يتعلق بالعامل البشري في الأعمال. لكن ما هو غير معتاد حول البيان هو مدى حدة اللغة، حيث يبدأ بعبارة “العديد من الشركات لديها تصريحات قيّمة”  ثم يكمل “لكن غالبًا هذه القيم المكتوبة تعد غامضة ومتجاهلة”. إنّ القيم الحقيقية لأي شركة يتم إظهارها عن طريق الأشخاص الذين تتم مكافأتهم أو الأشخاص الذين تركوا العمل، لذا ما هو نوع الأشخاص الذين تتم مكافأتهم في نتفلكس؟

ويقول البيان أيضًا ” أنت على استعداد لأن تنتقد الأمر الواقع وتستطيع أن تتخذ قرارات صعبة دون الشعور بالألم”. علاوة على ذلك، فأنت قادر على أن تكون ضعيفًا في سبيل البحث عن الحقيقة. والنقطة الرئيسية هنا هي تفهُّم الشركات الكبرى بأنّه يجب عليهم أن يعملوا بصورة متميزة إذا ما كانوا يأملون بالمنافسة.

إنه لمن الخطر دومًا محاولة تعلم الكثير من خلال مراقبة أداء منظمة واحدة فقط. فحتى الشركات الأكثر نجاحًا معرَّضة لمواجهة انتكاسات وخيبات أمل. ومع ذلك يتوجه العديد منا إلى نتفلكس للتسلية وتَعتَبِر الشركة المشاهدات مصدرًا كفيلًا بالتعبير عن الرؤى المستقبلية حول العمل والأعمال.

 

إعلان

مصدر مصدر الترجمة
فريق الإعداد

إعداد: أفنان موفق

تدقيق لغوي: فاطمة الملّاح

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.