تأخذك إلى أعماق الفكر

معتقـد الغنوصيـين في صلب المسيـح

كون المسيح هُو تجسُّـد اللوغوس أي تجسد لحميّ لـ( الكلمة) فتـح خلافًا بين الفِرَق المسيحيـة على طبيعـة المسيـح، مثلًا  اعتقدت النسطوريـة أنّ يسوع طبيعـتهُ كإنسان منفصلة عن طبيعته الإلهية بحيث تكون مَن تألّمت وَصُلبت هي الإنسانية لا الإلهية، أساقفة الإسكندرية وَاليعاقبة آمنوا بالطبيعة الواحـدة للمسيح التي هي إلهية وَهي من تألمت وَصُلبت، بحيث بصلبه تُرفع الخطيئة وَيتم الخلاص؛ أما لدى كنيسة روما وَأتباعها المُلكيين Monarchians فطبيعة المسيح الإلهية لا تنفي طبيعته الإنسانية بحيث أنهُ كان يشرب وَيأكل وَلهُ احتياجاتهُ الإنسانية وَهُو من تألم وَصُلب بالطبيعتيـن!

لكنّ هُناك رأيًا آخر في المسيحية، وَهي الفِرق التي صُنفت بـ(الغنوصية) بحيث أنّ بعضها لم يؤمن بالتجسُّـد Incarnation وَلا بالصّلب، إذ أنّ الجسد وَالعالم المادي ككُلّ شيطانـي خَلَقهُ الصانع الشيطاني Demiurge، وَهُو فوضوي ناقص، فكيـف للمسيح القادم من اللوغوس، من الملأ الأعلى (Pleroma) أن يتجسد في العالم الجسداني؟

بذلك آمنوا أنّ جوهر المسيـح (Virtus Incorporalis) قوة لاجسدانية أو هو ليس بجسد، بذلك سُمّوا بـ(الظاهريون . Docetists)، أي أنّ المسيح (شبحيّ بالكامل)؛ روحٌ خالصة لم تتجسّد وَلم تتحول لجسـد، لكن ظهر أو بدا dokein أنهُ جسد وَأنهُ تألم لكنهُ في الحقيقه لم يتألم وَجسدهُ كان مجرد خيال (Phantasmal)، لذلك شُبّه وَبدا أنهُ عانى وَصُلب على الصليب!
وعند الغنوصـي (بازيليـدس . Basilides) أنّ بإمكان المسيح جعل نفسه غير مرئي وَأنه يتلاشى فجأة وَهذا واضح على وجه الخصوص في (إنجيل يوحنا)، حيث يذكر أنه عندما أراد اليهود رجمهُ اختفى،  وكان يرى أن ليس يسوع من صُلب لكن (سمعـان القيرواني) الذي حمل الصليب (مرقس ١٥ : ٢١)، وَعند حمله صليب المسيح تباعد يسـوع بين حشود الناس بينما عُذب وَصلب سمعان القيرواني.

لدى الغنوصـي (كيرنثوس . Cerinthus) – وَالذي كان يعتقـد بمعتقـد ( التبنّـي . Adoptionism)- أن يسوع الإنسان كان مُقدسًا وَحياتهُ بلا خطايا، فصار مخُتارًا كهيكـل أو وعاء لـ (المسيـح اللوغوس) السماوي، فصار مسيـحًا بعد أن عمّدهُ يوحنا المعمدان في نهر الأردن وَأن الأناجيل القانونيه Canoiques لم تذكر معجزات للمسيـح قبل التعميد بنهر الأردن* بعدها صارت لهُ قدرة النطق الإلهي في التعليم وَإحياء الموتى وَشفاء المرضى حتى لحظة خيانة يهوذا، عندها غادرت يسوع الإنسان قوة المسيـح لذلك من عانى وَصُلب يسوع الإنسان لا المسيح الإله، لذلك صرخ (إلهي إلهي، لمَ هجرتني؟) أو كما جاء (Gospel of Peter) ( قواي قواي، لمَ هجرتنـي؟)

أيضًا في نصّ غنوصي من نجـع حمادي (Apocalypse Of Peter) يقـول بطرس:

إعلان

بينما المسيـح مستعـد ليُصلَب، في الوقت نفسـه هناك صـورة أخرى فوق الصليب لشخص سعيـد وَيضحك، وَهذا الضاحك هُو (المسيح الحي . Living Christ)، أما من كان يتجهز للصلب فهُو مسُتبدل وَهو من تألم وَصُلب لا المسيـح.

في الإنجيـل المنحـول (Acts Of John) حيـث عند الصلب يظهـر يسوع ليوحنا بالكهـف بجسـد نوراني، ويقول مُشيرًا لحشود الناس (إن الناس بالأسفل اعتقدت أني مصلـوب!)، حيث كشـف لهُ عن صليب نوراني، الرب معلـق فيه (بلا شكل)… فقط صوت إلهي يصدر منهُ).

آمن الغنوصيـون بعدم تجسد المسيـح لكن تشبهه أو اتخاذه جسدًا كتشبّهٍ بالناس، لا أن الجسد جسدهُ؛ حيث في النص الشيثي (The Second Treatise Of The Great Seth) عند هبُوط ( شيث )/ التجسد الأول للوغوس، لتجنب (الأركونات) شياطين السماوات، ظهر بظهورات مختلفة، يحجب نفسهُ عنهُم، وَعندما هبط للأرض بدّل هيئتهُ،  فرض على نفسه شبههُم أي شبه العالم الأرضي؛ بحيث الجسد مجرد رداء لهذا الكائن الشبحي. لذلك يطلق على المسيـح في بعض النصوص الغنوصية Likeness الشبيـه، وَأنهُ يبدل صورتهُ بحسب مقدرة الإنسان على تقبل أي صورة، مثل نص (The Gospel Of Philip)؛ يذكر أن المسيح يظهر بالنمط الذي يتقبلهُ من يراه فللناس يظهر كبشر على شبههم.. حيث (الكلمة) تخفي نفسها عن الجميـع!

_____________________
*فقط أناجيل الطفولة المُحرمة فيها ذكر لمُعجزات يسوع منذ الطفولة، بحيث يُحيي طيورًا صنعها من الطين يوم السبت، وَالقصة مذكوره بالقرآن، مع المُلاحظه أن القرآن لا ينفي أن عيسى كلمة الله وَيرى أن معجزاته من الرضاعة، حيث تحدث وَهُو رضيع!
المراجع :
Gnosticism , Its History and Influnence Benjamin Walker

An Esoteric Tradition Of Mystical Visions and Unions Dan Merkur

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.