تأخذك إلى أعماق الفكر

الهرطقة المسيحية الأولى: مقدمة في الغنوصية

أهم ما تمركزت حولهُ الفرق السرية المسيحية هو الشرارة الإلهية (Divine Spark) والذي هو الجزء الإلهي في داخلنا، لذلك كان الفداء والعرفان لديهم يتركزان على هذه الشرارة وأصبـحت حادثة صلب المسيح الجسدانية لا قيمة لها، بل إن الإيمان بها قد يحتم على الإنسان أن يكون عبدًا وخاضعًا لعالم المادة الجسداني الكثيـف الذي خلقه الإله الزائف (Demiurge) الذي هو مجرد (Simia Dei) بمعنى مقلِّد للرب وخالق صور باهتة وكثيفـة للنماذج الأوليـة (Archetypes) في الملأ الأعلى النوراني اللطيف الشفاف.(1)

وهذه رؤية أفلاطونية التي هي المنبع لكل الرؤيـات الوجودية خارج عالم المادة فعند أفلاطون نحن هنا (سجناء) في عالم الظلال وعبر تكشّف معنى الصُور (Eidolon) نرتقي إلى النور والارتقاء من عالمنا الذي رُمز إليه بالسرداب المُظلِم إلى الشمس النورانية حيث هناك ينكشف الإلهي من الصُور، وهذه هي رمزيـة الكهف المشهورة عند أفلاطون حيث نحن كبشر نعيش في الكهف ولا نرى إلا الظلال من الصور التي هي انعكاس للإلهي في العالم النوراني الناري، (2) لذلك قال الغنوصيين بالهرمية (Hierarchy) المشتقة من (Hieros) مقدس و(Arche) مبدأ/ بدايـة (مبدأ مقدس) بمعنى تقسيم الناس إلى طبقات بحسب المعرفة (Gnosis)، والتي كما لدى أفلوطين لكل درجـة فيض (Emanation) يرتفع تدريجيًا حتى القمة حيث يتماثل الإنسان عندها مع اللوغوس (Logos) الناري ويتألّه ويصبح (Logikos) مماثلًا للوغـوس وأن اللوغوس يحل فيه.(3)

ودائمًا يكون الارتقاء في المعارف ليس بالمنطق العقلي والجدلي لكن بـالزواج المُقـدس (Hierogamy) في مكان يوازي وسط الضريح مركز العبادة يُسمى “حجرة العروس” (Bride Chamber) والتي هي طقوس تقام بالسر(Myster)(4). وهذا كفيلٌ أن يجعل آباء الكنيسة يحاربون الطوائف المسيحية السرية؛ بالإضافة كون لديها ازدراء من عالم المادة، حاربت هذه الطوائف الشريعة الموسويـة والقانون بشكلٍ عام كونها تعطي الخلاص لأمور تقيّد الإنسان ماديًا لذلك تعاملـوا مع الوجود المادي بوجود معكُـوس (Counter Existence)، أما بالتزهد المُفرط كالطائفة التي أسسها تاتيان السوري (Tatian the Syrian) والتي عُرف أعضاؤها باسم “الإنكراتيين” (Encratites) والتي اعتبرت الزواج مجرد زنا.

والازدراء من الزواج مُشترك حتى مع الطوائف السرانية المسيحية (الإباحية Libertinism) كونهُ يستهلك الشرارة الإلهية في تكثير الجنس البشري بذلك يخدم العالم المادي ويزيد كفة الكثافة والظلمة لذلك يعتبر الغنوصيون عدميين (Nihilists) منتقدين للقيم المُحاطة بهم ولديهم حالة ازدراء من قيود الجماعة تحت أسماء القانون أو الكنيسة الجامعة وكانوا عبثيين متمردين أخلاقيًا ومن أوائل من أعطى البنيـة لأفكار أوروبا بالعهد الحديث، لكنها كانت تؤمن بالوجودية في قيمة عُليا شبحية خارج المادة تتوق إليها النفس لذلك هُم (عدميون وجوديون) بنفس الوقت!

الطوائف المسيحية الغنوصية:

من أوائل الهراطقة سمعان المجوسي/ سيمـون الساحر (Simon the Magician) الذي ذُكر في (أعمال الرُسل ٨:٩-٢٤) والذي يُلقّب من قِبل أتباعه (قوة الله العظيمة) وقد دخل في المسيحية على يد الرسـول فيليب؛ ويُذكر أنه أراد شراء (روح القـدس) من الرسل بدراهِم.

إعلان

كان سمعان ابنًا لساحر يهودي من السامرة وكان تلميذًا لسامري يُدعى دوسيثيوس (Dositheus) المتوفّى ٢٩ م والذي كان من أتباع يوحنا المعمدان وقد ادّعى (دوسيثيوس) أنه المسيـح وأن روحه أبدية لذلك كان أتباعه ينالون الخلود عند تعميـده إياهم وعند موته صارت القيادة لـ(سمعان) وقـد سافر سمعان فـارس، العربيا، مصر باحثًا عن المعارف السحرية (Magical Lore) وأثناء زيارته مدينـة صور لمـح من نساء بيوت البغاء امرأةً تُدعى هيلينا (Helena) يونانية الأصل، ورأى أنها تجسُـد لـ”الفكرة” (Ennoia) قرينة الإله ما قبل ما هو موجود (Pre Existent God) والذي هو نارٌ سامية كان وكائن وما سيكون والذي منه خلقت ستـة أيونات (Aions) لكل منها قرين وأما سقوط (Ennoia) كان لتمرد بعض الملائكة والتي انتهت بسقوطها وانحلال قواها فصارت مسجونةً في العالم السفلي في جسد نساء منتظرة (الخلاص) للرجوع لأصلها وقد تجسدت في صورة (هيلينا) المشهورة في الملحمة اليونانيـة الإلياذة والتي كانت سببَ الحرب بين الهيلانيين (اليونان) و(الطرواديين) والتي لم تكن سوى صورةً شبحيـةً (Eidolon). ( و أعتقاد أن هيلينا اليونانيه كصُوره شبحيه لا واقعية لها ذُكرت في جمهوريه أفلاطون كرمز للحقيقه في عالم الظل )

أمّا سمعان فقد كان يرى نفسه (Avatar) تجلّي (النار السامية) الذي خلّص قرينته (Ennoia) المتجسدة في (البغي هيلينا) وكانت هي القمر (Selena) تجلي الحكمة (Sophia)، أما سمعان (قوة الله العظيمـة) و(شمس الأرواح)؛ وقد شرف هيلينا وسمّاها بـ”السيدة” (Kuria) وصار الاثنين مُخلصين والإيمان بهُما خلاصًا؛ وكان يُلقب سمعان بـ”المُفضل” و”القائم” والتي ترمز إلى طقوس تتمركز على العضو الذكري (Phallic Rites) داخـل الجماعة ومع خليلته (هيلينا) حيث يقول (ابيفانوس السلاميسي) بأن داخل طائفة سمعان فيها سحـر شهواني (Erotic Magic) يُستعمل فيها سائل المني ودم الطمث. أما بالنسبة لمعتقداته بالمسيـح فقد كان يرى أن يسوع الناصري لم يصلب إلا كشبه لا على وجه الحقيقة وأن العالم المادي من صنع (الديمورج Demiurge) الإله الزائف. (5) (6) (7)

من أشهر تلامذة المدرسـة السمعانية (Simonian School) الذين يعتبرون مؤسسين للغنوصية في النطاق السوري وفي أنطاكيا على وجه الخصوص والتي انتقلت لاحقًا إلى الإسكندرية في مصر كميناندر  (Menander) والذي كان يقول أن الخلاص لا يكون إلا عبر السحر المتعالي (Transcendental Magic) وقد ابتدع تعميدًا سحريًا، فبعد أن يُعمّد أتباعه بالماءتتنزل (نار) عليهِم ثم يُعاد الشباب لأجسادهم ويبقون خالدين؛ وأيضًا ساتورنينوس (Saturninus) الذي يرى أن الخلاص لا يكون بالإيمان وحده، لكن بمعرفة الشرارة الإلهية (Divine Spark) والتي لا يتلقّاها الجميـع؛ والأشهر بينهُم الغنوصي الشهير بازيليدس (Basilides) الذي نقل الغنوصية السورية من أنطاكيا إلى الإسكندرية.

وقبـل بازيليدس وڤالنتينوس كان في الإسكندرية طائفة مسيحية- يهودية مؤسسها سرينثـوس (Cerinthus) الذي نشط نهاية القرن الأول ميلادي، والذي رسم صورة له القديس ايرينئيوس (Irenaeus) بأن يوحنا تلميـذ يسوع صاحب الإنجيل الرابع كان على علاقـة عداوة معهُ أي سرينثوس حيث كان الأخير يزدري التقاليـد اليهودية كالسبت والختان وأن الإله الأعلى ليس هو خالق العالم لكن حاكم مختص بالعالم المادي يسمـى في كتاباتهم “أركون” (Archon)، ويسوع كان إنسانًا وُلد من مريم وزوجها يوسف لكن أثناء التعميد نزلت عليـه قوة المسيح (Christ Force) والتي هجرتهُ قبل الصلـب لذلك الذي عُذب وَ صلب يسوع الإنسان وليست قوة المسيـح الإلهية؛ ويذكر مؤرخ الكنيسة يوسابيـوس القيصري أن سرينثوس آمن أن قوة المسيح سترجع وتحكم الأرض ألف سنة (الإلفية السعيدة).
وفي هذا العصر ستباح كل المتع الحسية من ملذات وموائد واحتفالات اقتران حيث متع الجنس لا حد لها فيها؛ أشهر تلامذته كاربوكراتس (Carpocrates) الذي أسس طائفةً سريةً في الإسكندرية لا يُدخل إليها إلا بكلمة سرية (Symbola) وقد كانت له خليلة تُدعى ألكساندريا (Alexandria) تعلم هي الأخرى داخل الطائفة. كانت الطائفة تبجل الفلاسفة الإغريق كڤيثاغور، وأفلاطون، وأرسطو، وقالوا بنفس قول معلم كاربوكراتس أن يسوع إنسان وُلد من يوسف ومريم، لكن له سمةٌ إلهية لذلك نزلت عليه قوة المسيح. وكانت لدى الطائفة أنجيل سري لمرقس (Mark) يختلف عن الإنجيل القانوني يحتوي على طقـوس إيروتيكية/ شهوانية (Erotic Rites) وأيضًا يُعتبر كاربوكراتـس من أوائل من كانت له رؤية مشاعية/ اشتراكية في داخل الطوائف المسيحية.

وبلا شك ذلك من أثر الأفلاطونية في الطائفة، لذلك كانت الطائفة تزدري الشريعة الموسوية لأنها تحتوي على المُلكيـة في حين في رؤيته أن الملكية الخاصة يجب أن تُتاح إلى الجميع من ثمار الأرض وممارسة الجنس الحر بلا قيود لذلك قالوا بواجب الزنا وكره الزواج بالعقد؛ وإذا كان معلمه سرنثيـوس يقول بالإباحة في جنة الألفية السعيدة عند عودة المسيـح، فقد جعلها تلميذه عمليةً داخل الطائفة، وكما يقـول إكليمنـدس السكندري أن طقوسهم تنتهي بوليمة عشاء وخمر وتُطفأ الأنوار.
وسعيًا لنعمة الرب يتحد جنسيًا مع أي فرد من الطائفة في الظلام؛ وأيضًا الطائفة كانت تقدس (السائل المنوي) كشرارة إلهية ترتبط بتجسد الرب (God Incarnate) لذلك قالوا أن قوة المسيح (Christ Force) تحل عليهم فيصبحُون مشابهين ليسوع الناصري، لذلك عندما مات ابن كاربوكراتس المدعو إيبفانس (Epiphanes) اعتقدوا أنه صعد ليكون أيون (Aiôn) خالدًا في أحد درجات السماء وبُني له معبد تقدم له القرابين في بداية كل شهر قمري. (8) 9) (10)

ومن كبار الغنوصيون في الإسكندريـة بازيليدس (Basilides) من المدرسة السمعانية (أتباع سمعـان المجوسي)، والذي انتقل من أنطاكيا إلى الإسكندرية ليؤسس مدرسته الخاصـة، والتي كانت رؤيتـه النشكونية (Cosmological) أن المُتعالي فوق الخلق موجود عدمي (Non Existent)، والذي خلق سلسلـة فيوضات تتنزل سفليًا حتى تكونت ٣٦٥ سماءً، والتي أدناها يحكمها إله اليهود والذي سماه أبراكسـاس (Abraxas)، والتي أعلاها سماء تسمى (Ogdoad) المجال الثامن، والأخيرة تُسمى (Hebdomade) “سماء ما تحت القمر” عالم الكون والفساد الذي نعيش فيه والذي يحكمهُ كما قلنا إله اليهود الذي أعطى الشريعة الموسوية ولذلك الملأ الأعلى أرسل من العُلى (اللوغوس) العقل الكلي (Nous) المسيح ليحرر المؤمنين من عبودية المادة ويحرر الشرارة الإلهية (The Divine Spark)؛ رؤيتهُ لعملية الصلب دوسيتيـه (Docetic) حيث وقع شبه يسوع في حامل صليبـه “سمعان القيرواني” المذكـور في (مرقس ١٥: ٢١) الذي صُلب عوضًا عنه وارتفع يسوع بقوته الغير جسدانية إلى السماء ساخرًا ممن لم يقدروا الإمساك به وصلبه؛ أما الغنوصي الآخر هو ڤالنتينوس (Valentinus).

وفي الوقت الذي كان يتعلم في الإسكندريـة كان بازيليـدس يدرس فيها لذا يفترض الباحثون أن ڤالنتينوس تأثر بأفكاره. كانت رؤيتُه الكونية تقارب البازيليدية في أن الإله** ماقبل موجود (Pre Existent God) في الملأ الأعلى (Pleroma) خلق سلسلـةً من الأيونات (Aeons) فاضت مُشكلة فيوضات بحالة اقتران ذكري-أنثوي (Androgyny) وتسلسلـت حتى الحكمة (Sophia) التي كانت في حالة جهل (Ignorance/ Agnosia) بماهيـة قرينها أو النصـف الذكري منها، ومن جلها فاضت الظُلمة** التي منها خُلق الديمورج (Demiurge) والعالم المادي لذلك كما جاء في (The Gospel of Truth) الڤالتنينـي الذي ذكرهُ ايرنئيـوس أن عالم المادة كابـوس والمعرفة (Gnosis) هي اليقظه والخروج من عالم الكوابيـس هذا.

وقسّم العالم إلى عالميْن (Ogdoad) المجـال أو الفلك الثامن الأصل الملأ الأعلى (Pleroma)، وعند البوابة (Horos) الحد بين العالمين سقطت صوفيا إلى العالم المادي المُسمّى (Hebdomad) من (Hebdomos) بمعنى سبعة المجالات أو الأفلاك السبعـة؛ ورحمة من الإله الأعلى أرسل الأيونات (Aeons) الروح القُدُس  (Holy Spirit) والمسيـح (Christ) لإنقاذ صوفيا من عـالم المادة.

وهو أيضًا رؤيتـه لطبيعة المسيـح دوسيتيـه أنه ظهر فقط كجسد لكنه لم يتجسـد من لحم ودم على وجه الحقيقة، وقال فقط الروحانيـون  (Pheumatics) يفهمون حقيقة المسيـح، وأن البذرة الروحانية (Spiritual Seed) معلومةٌ لديهم، حيث يعتبرون أن أغلب الناس ماديون (Hylics) لا يعرفون من رسالة المسيـح إلا الظاهر منها.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: زهراء زكي

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.