تأخذك إلى أعماق الفكر

سُحب الظلام السوداء فوق البحر الأحمر!

شهدت مصر في السنوات الماضية نقصًا حادًا في الطاقة، خاصةً بعد ثورة 25 يناير 2011، فقد زاد استهلاك مصر للكهرباء من 60.5 تيرا واط/ ساعة في عام 2000 إلى 169.4 ساعة في نهاية عام 2017. ويُعزى ذلك الارتفاع الكبير في الاستهلاك بشكل رئيسي إلى زيادة القطاع السكنيّ، ونمو القطاع الصناعي وأيضًا إلى زيادة استخدام الأجهزة الإلكترونيّة والمعدّات الكهربائيّة بشكل لافت فى السنوات الماضية.

وبينما كان حجم الطاقة الكهربائية في مصر عام 2000 حوالي 15 جيجا واط، فإن مصر قد زادت من طاقتها الإنتاجيّة للكهرباء ثلاثة أضعاف وهو ما يقارب من 42 جيجا واط مع مطلع عام 2018. لكن تظل الطاقة الكهربائيّة المُنتجة حاليًّا غير كافية لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء، في ظلّ طموحات وخطط الحكومة المصرية في زيادة معدلات التنمية الشاملة، وهو ما يتطلّب زيادة قُدرات توليد الطاقة بشكل كبير بسبب زيادة معدلات الطلب عليه.

صفقة المحطة الكهربائيّة المُضرّة:

في أواخر يونيو الماضي أعلنت الحكومة المصرية عن فوز تحالف صيني مكوّن من شركتيِّ شنغهاي إليكتريك ودونج فانج إلكتريك بإنشاء محطة كهرباء تعمل بالفحم في منطقة الحمراوين بمحافظة البحر الأحمر وقبول العرض المالي المقدم منهما والذي بلغ 4.4 مليار دولار للمرادف الأساسيّ مقابل 4.58 مليار دولار للمرادف البديل.

سُتنتج محطة الحمراوين 6 آلاف ميجاوات، و يستغرق بنائها حوالي 6 سنوات. وعلى الرغم من أنّ العالم يتجه إلى التخلّص من تلك المحطات الكهربائية التي تعمل بالفحم والمؤثرة سلبيًا على تغير المناخ، وجدنا الحكومة المصرية تُنشئ تلك المحطة الملوِّثة للبيئة، رغمًا أنّها قد وقَّعت على اتفاقية باريس للمناخ “كوب 21” في عام 2015.  وربما لا يعرف الكثيرون منّا أن المحطة الكهربائية تلك ستقع فى منطقة الحمراوين والتي تبعد 20 كم شمال مدينة القصير الساحلية، والتي تعتبر من أجمل مدن البحر الأحمر في طبيعتها الساحرة، وإن كان الإعلام لا يركَّز عليها سياحيّا بكثرة مثل مدينة الغردقة ومرسى علم التي تلقى اهتمامًا كبيرًا.

في العام الماضي، تم تخصيص مبلغ 385 مليون جنيه مصري من أجل تحديث ميناء الحمراوين القديم حتى يلائم السفن التي ستنقل الفحم الذي ستستورده مصر واللّازم لتشغيل المحطة الكهربائية. وللأسف الشديد، فقد أهملت الحكومة المصرية كل الدراسات والبحوث البيئية التي تؤكد على خطورة وتأثيرات استخدام الفحم، المصدر الأساسي لتلوث الهواء، والأكثر استهلاكًا للمياه خلال عملية حرقه، والذي يحتوي على 76 ملوثًا مختلفًا بخلاف المادة الصلبة نفسها، والمتسبب في الاحتباس الحراري الناتج بدوره عن الغازات الضارة التي تحيط بالمجال الجوي، وهو ما يمنع الانعكاس الحراري الصادر من الأرض من انتقاله إلى خارج كوكب الأرض، مما يسبب ارتفاعًا ملحوظًا في درجات حرارة الأرض، ويزيد من التصحر والجفاف.

إعلان

وللأسف فقد ساقت الحكومة المصريّة مبررات واهية وغير مقنعة بأنّ محطة الحمراوين الكهربائية ستعمل بالفحم النظيف قليل الرماد، وأنّ تلك المحطة ستحوي تكنولوجيا متقدمة لتقليل الأضرار الناجمة للبيئة. بينما لا يُنكَر أن السبب الرئيسي هو أن الحكومة المصرية قد تعرضت فى السنوات الماضية لحملة حنق وغضب شديدة من بلد يسكن فيه أكثر من 60 مليون نسمة يعتمدون كليًا على أسعار مدعمة ومنخفضة للطاقة قبل عام 2011. وهو ما دعا الحكومة إلى استخدام الفحم، لإنه أقل تكلفة مقارنة بالمصادر الأخرى التي يتم استيرادها حاليًّا مثل السولار، حيث يبلغ سعر توليد الكيلواط/ ساعة من الفحم حوالي 2.4 سنت وهو ما يعادل حوالي 40 قرش، بينما سعر توليد الكيلوواط/ساعة من الغاز الطبيعي والسولار يتراوح ما بين 6-8 سنت حاليًا. وتجاهلت الحكومة المصرية عن عمد تحذيرات خبراء البيئة حول تكلفة معالجة الأثار الضارة والجانبية جرّاء استخدام الفحم على كل من البيئة والإنسان في منطقة تتصف بطبيعة خاصة وهي منطقة ساحل البحر الأحمر.

وهو ما يدعونا للحديث عن أهمية موافقة السكان المحليّين لمدينة القصير الواقعة بالقرب من محطة الحمراوين والتي سيتضرر سكانها بلا شك من الانبعاثات الضارّة المتوقعة من هذه المحطة، رغم التأكيدات الحكومية بأنّها آمنة.

بالتأكيد فإن غياب الوعي العام لمعظم السكان المحليين في محافظة البحر الأحمر، يشكِّل حاجزًاعقليًّا واجتماعيًّا أمام فهم السكان المحيطين والقريبين من محطة كهرباء الحمراوين حول خطورة تلك المحطّات على حياتهم وبيئتهم، ومن ثم لا نجد اعتراض جديّ نحو المحطة أو محاولة إيقاف بنائها.

الغريب في الأمر، أن مصر لديها مقومات عظيمة لإنتاج الطاقة الكهربائية من مصادر متجددة وبديلة عن الفحم مثل طاقة الشمس والرياح، وفي ظل التطور الرهيب في تقدم تكنولوجيات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والتي تتوائم مع طبيعة ساحل البحر الأحمر والصحارى الشاسعة التي يقطنها أعداد قليلة من السكان. لكن بنظرة سريعة على نسب الطاقة الكهربائية الحالية والناتجة عن استخدام الطاقة الشمسية والرياح نجد أنها تمثل حوالي 8% فقط من إجمالي الطاقة الكهربائية، وهي نسبة قليلة جدًا، ويقال أن الحكومة المصرية لديها خطة لزيادة تلك النسبة الضئيلة لكي تصل إلى 20% بحلول عام 2022 .

وفي ذات الوقت نجد الحكومة المصرية تهرول بسرعة كبيرة نحو إنشاء محطة كهربائية تعمل بالفحم ستولد 6000 ميجاوات أي ما يقارب من 13% من الطاقة الحالية وتتباطئ في الدخول إلى عصر الطاقة المتجددة والنظيفة، وهو ما يذكرني بالمسرحية الشهيرة لوليام شكسبير ” أسمع جعجعة ولا أرى طحنًا “.

ولا أدري ما السبب في هذا التباطئ حتى الآن بالرغم من توافر جميع مقومات إنتاج الطاقة من الشمس والرياح في ساحل البحر الأحمر والصحراء؛ فالإشعاع الشمسي الأفقي يبلغ 2450 كيلو واط / ساعة / متر مربع في السنة، والإشعاع الطبيعي المباشر 2800 كيلوواط / ساعة في السنة وأيضًا ساعات الرياح الكاملة عند 3.015 ساعة وهي أعلى النسب بين الدول العربية.

وعلى الرغم من أنّ استخدام الطاقة الشمسية تعتبر مكلفة بعض الشيء في البدايات، إلّا أن العوائد الاقتصادية كبيرة؛ فإنتاج طاقة كهربائية من الممكن أن يتم من خلال إنشاء محطة شمسية صغيرة سعرها حاليًا حوالي 60 ألف جنيه فوق سطح منزل مساحته 60 متر مربع، ومصروفات صيانة وتشغيل المحطة الشمسية لا يتجاوز 1600 جنيه سنويًا. بينما تنتج تلك المحطة الصغيرة حوالي 13200 كيلو وات سنويًا وتدر عائدًا استثماريًّا لصاحبها بنسبة 17% سنويًّا أي 930 جنيهًا شهريًا، وسنويًا حوالي 11 ألف جنيه بالأسعار القديمة. وهو ما يجب أن تشجعه الحكومة، لكننا على النقيض من ذلك نرى أن صانعي القرار في الحكومة المصرية يقبلون عرضًا ب 4.4 مليار دولار وهو مبلغ كبير، ربما كان من الأفضل تخصيصه واستثماره في الطاقة المتجددة.

ويتخذون قرارًا شاذًا نحو الاستثمار في إنتاج الطاقة القذرة بسبب رخص ثمنها فقط، غير عابئة بالتصحر والجفاف وسلامة كوكب الأرض، وصحة المواطن المصري الذي سيتعرض بالتأكيد لمشاكل صحية خطيرة على المدى الطويل.

وللأسف الشديد نقف كمواطنين مكتوفي الأيدي عن إثناء الحكومة المصرية للتراجع عن قرارها ببناء تلك المحطة الملوثة للبيئة المحلية لأسباب كثيرة، ولعل أهمها من وجهة نظري هو تدني الوعي العام لمعظم السكان المحليين، كما ذكرت في الأعلى، خاصة سكان محافظة البحر الأحمر أصحاب المصلحة الحقيقية في إيقاف بناء تلك المحطة الكهربائية التي ستعمل بالفحم و ستلوث بيئتهم كما ذكرنا.

هذه الحقيقة يجب أن تحفزنا جميعًا على تظافر الجهود والعمل بجد من أجل تصميم حملات توعويّة لإيقاظ الوعي العام للسكان المحليين نحو قضية استخدام الفحم في توليد الكهرباء وأثاره الضارة والسلبية على البيئة والصحة العامة فى محافظة البحر الأحمر، لأنني على يقين تام أن رفع الوعي العام للمواطنين هو جوهر التغيير الإيجابيّ للسكان المحليين.

فى النهاية، أتسائل كمواطن مصري محبّ للبيئة، ما مدى حرص الحكومة المصرية على سلامة كوكب الأرض، وهي إحدى الدول التي وقَّعت اتفاقية باريس للمناخ عام 2015؟ وهل حقًا أنّ الحكومة المصرية حريصة على صحة مواطنيها في منطقة البحر الأحمر؟ و ما هو مفهوم التنوع في مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة لدى الحكومة المصرية التي تُنشِئ حاليًّا محطة كهربائية تعمل بالفحم؟

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: عاطف محمود

تدقيق لغوي: فاطمة الملّاح

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.