تأخذك إلى أعماق الفكر

لا تقلق، لا أحد يهتم!

نبدأ حياتنا بتجربة حميميّة للغاية، محاطين بمن يهتمون بنا لأبعد درجة، نفتح أعيننا الصغيرة من أحلام الطفولة المبكرة لنجد وجهين مبتسمين لنا بحنان واهتمام بالغيْن. يشاهدنا المحيطون بنا واللعاب يسيل من جانب شفتينا ليسرعوا ويمسحوها بحنان، ثم يربتون بحب على الشعرات الرقيقة على رؤوسنا. ينظرون إلينا كما لو كنا كائنات خارقة عندما نتمكن من انتزاع أول ضحكة لنا. وينطلق التصفيق لنا بحرارة عندما نخطوا أولى خطواتنا، أو نسقط لنحاول الوقوف من جديد، كما نستقبل المديح الحار عندما نتمكن من كتابة أحرف اسمنا على نحو سيء. خلال السنوات الأولى في حياتنا، يبذل المحيطون بنا جهدًا كبيرًا في دفعنا نحو أكل الخضروات أو ارتداء المعطف عندما تمطر، ويضعوننا في السرير ويحكون لنا القصص قبل النوم.

لا يقتصر الأمر على من هم في البيت، في المدرسة أيضا، يُشجعنا المدرسون ويساعدونا عندما نواجه أمرًا صعبًا، ويتفهمون أننا قد نخجل، كما يعملون على تطوير مهاراتنا، حتى الغرباء عنا قد يظهرون قدرًا كبيرًا من الاهتمام بنا، والميل للعب معنا وجعلنا نضحك.

بعد ذلك نصبح بالغين لنصطدم بالحقيقة المروعة بأننا نعيش في عالم يغرق في اللامبالاة وعدم الاهتمام تقريبًا بكل ما نفكر أو نفعل أو نقول أو حتى نكون. قد نكون في آخر مرحلة المراهقة عندما تصدمنا هذه الحقيقة. ربما نكون في السرير أو الجامعة أو نمشي في الطريق عندما يخطر ببالنا كم نحن لا شيء في الصورة الكلية. لا أحد نمر به في الشارع يعرف أي شيء عنّا. لا أحد يهتم بسعادتنا. يتجنبوننا على الأرصفة ويتعاملون معنا كمجرد حواجز في طريقهم. لا أحد سيربت على رؤوسنا أو يمسح لعابنا الآن. نبدوا ضئيلين أمام الأبراج العالية وشاشات الإعلانات الضخمة. قد نموت ولن يلاحظ أحد حتى.

قد تكون هذه الحقيقة، ولكننا في الواقع نركز فقط على جانبها السيء. نفكر في كم أننا حزينون بسبب كوننا غير مرئيين، ولكننا لا نلاحظ كم أن ذلك ينقذنا من مشكلة أخرى تقض مضاجعنا باستمرار: الإحساس المستمر بالخجل.

إعلان

في جانب آخر من عقولنا وعلى الرغم من عدم تقبلنا للامبالاة الناس عنا، إلا أننا نعاني بشدة من كثرة تفكير الناس فينا، أو كما نتوهم. نقلق كثيرًا من كيف أن صوتنا بدا مضحكًا عندما طلبنا الطعام من النادل، أو نكون متأكدين تمامًا من أن البائع لاحظ كم أن أجسامنا غير رياضية، أو أن الناس في المطعم تحدثوا كثيرًا عن سبب أننا نأكل وحيدين، ولا بد من أن الناس في الشركة لا يزالون يتحدثون عن المزحة التي قلتها الشهر السابق. لا نمتلك أي دليل على أي من ذلك، ولكننا نشعر أن كل هذا حقيقة شعورية. نشعر دائما أن الناس يلاحظون أي جانب سيء فينا ويتحدثون عنه طوال الوقت.

لندرك كم أن هذا التفكير سخيف، يمكننا فقط أن نفكر في كم الوقت الذي نستغرقه في الحديث عن الجوانب الغريبة في الغرباء، أو نفكر في كم التفاصيل التي نلاحظها في زملائنا في العمل. بالنسبة لكل العالم، نحن أيضًا نفس الغرباء أو المعارف الذين نتعامل معهم يوميًا، وهنا تظهر النتائج مفاجئة. تخيل أنك في مصعد مع غريب عنك، تفكر أنه من المؤكد أنه يلاحظ كم أن معطفك وبنطالك لا يتناسب لونهما، أو أن قميصك غير مكويّ بعناية. في الحقيقة، لم يلاحظ أنك وُلدت حتى، أو أنك ستموت يومًا ما.

أو قد تكونين في آخر دقيقة من اجتماع طويل وتلاحظين أن شيئا ما يبدو مختلفًا في شعر زميلتك، ولكنك لا تعرفين ماذا تحديدًا. على الرغم من أنها أنفقت كل مالها تقريبًا على هذه القصة الجديدة.

بعبارة أخرى، عندما نترك الزمام لعقولنا تأخذنا بعيدًا عن الحقيقة وعن واقع ما يدور حقًا في عقول الغير والذي هو في الواقع –وفي أفضل الأحوال- ليس كثيرًا.

في القرن السادس عشر، رسم بيتر بروغل الكبير لوحة مشهد سقوط إيكاروس، المعلقة حاليًا في متحف الفنون الجميلة ببروكسل. تُظهر اللوحة اللحظات الأخيرة في حياة الشخصية الأسطورية إيكاروس. ولكن الدرس العبقري الخالد من اللوحة هو أن مصير إيكاروس الذي يغرق ليس محورًا رئيسيًا في اللوحة رغم أنه عنوانها. عليك أن تدقق كثيرًا في أسفل يمين اللوحة حتى تلحظ يد إيكاروس وهو ينازع الغرق في المياه، إلا أن اللوحة تسلّط الضوء على الفلاح الذي يحرث حقله ويقود حصانه، وعلى راعي الغنم وهو يرعى قطيعه. في الخلفية نرى مدينة حيّة وسفنًا تدخل وتخرج من الميناء. يبدو أنه لا أحد يلحظ دراما إيكاروس، الأخبار جيدة وسيئة في نفس الوقت: من ناحية، قد لا يلحظ أحد أننا متنا، ومن ناحية أخرى، فهم لن يلاحظوا أيضا عندما نسكب العصير أو عندما ننسى أن نصفف شعرنا.

مشهد سقوط إيكاروس. إيكاروس يغرق في أسفل يمين اللوحة دون أن يلحظه أحد

لا يعني هذا أننا -أو غيرنا- سيئون. عدم اهتمامنا ليس مطلقًا، فإذا رأينا غريقًا فعلًا في المياه، فإننا سنساعده. وعندما نرى صديقًا يبكي، فإننا نواسيه. الأمر أننا نحتاج فقط إلى التصفية. عدم اهتمامنا اليومي له سبب عقلاني وجيه: هو أننا ننفق معظم طاقتنا اليومية على اهتماماتنا فقط، مع اهتمامنا بعلاقتنا ووظيفتنا وحالتنا المادية وصحتنا وأصدقائنا وأقربائنا وأبنائنا لا يتبقى طاقة كافية للاهتمام بصوت العميل أو تناسق ألوان ملابس الزميل في العمل.

هنا نرى الجانب الإيجابي من الحقيقة التراجيدية. لا يجب علينا أن نعاني بسبب لامبالاة الآخرين، بل علينا أن نبادلهم ذلك. لا يجب أن نعاني من إهمال الغير لنا، بل علينا أن نقبل التحرر الضمني في حقيقة أننا مهمَلون. ومن ثمّ، نُقبل بشجاعة أكبر على هذه المواقف والمغامرات حيث تكون بعض الأخطاء والسخافة أمرًا طبيعيًا. قد نفشل، ولكننا نقبل بثقة أن أحدًا لن يهتم. وهي الفكرة ذاتها التي قد تساعدنا في النجاح، وهو الشيء -كما نعلم- الذي لن يلاحظه أو يهتم به أحد كذلك.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.