فلسفة اللامبالاة: كيف تجعلنا اللامبالاة أقوياء؟

يصور بيتر برويغل في إحدى لوحاته الشهيرة “مشهدًا طبيعيًّا مع سقوط إيكاروس” كيف تقع كارثة سقوط إيكاروس وغرقه في البحر دون أن يلحظ ذلك أحد، حتّى إنّه يعمد إلى رسمه في زاوية اللوحة حيث بالكاد تظهر قدماه على سطح الماء فلا أحد من الأشخاص الذين يتوزّعون في أرجاء اللوحة ينظر إليه، فلا الفلّاح الذي يحرث الأرض يلتفت لما حدث ولا راعي الأغنام ينظر باتّجاه إيكاروس بل إنه يسير بالاتّجاه المعاكس، وحتّى الصيّاد الّذي يبدو قريبًا جدًّا من الواقعة لا يلتفت ولا يبدي أيّ اهتمام، وكذلك السّفينة الّتي تبدو على مقربةٍ قد فتحت أشرعتها لتسير باتّجاه المحيط دون أن تعبأ بما حدث.
هذه اللامبالاة القاسية هي ما أصبحت فيما بعد موضوعة قصيدة الشّاعر الأمريكي أودن التي رثى فيها لحال الإنسان الحديث حيث غدت اللامبالاة سمة أساسيّة في حياته.

إلّا أنّنا جميعًا نعرف بشكلٍ أو بآخر أنّ هذا النوع من اللامبالاة يكون نتاجَ قسوة الحياة والإحساس بالعجزِ والضآلة أمام كمّ المعاناة والظلم الّتي نراها من حولنا ولا نملك إزاءها أن نفعل أي شيءٍ للتخفيف منها. يُضاف إلى لامبالاة البشر ما صوّرته اللوحة من لامبالاة الطّبيعة؛ فأمواج البحر تضرب الشاطئ برتابةٍ والشّمس تشرق وستظلّ تشرق مع كلّ ما يجري من أهوالٍ على الأرض، هل يمكن إذًا أن نعتبرها نقطة قوة عندما نتمكن من تجاوزِ الألم الذي يتولد عن رؤية الظلم؟ أم أنها لا تعدو كونها طريقة لغضّ الطّرف عن المآسي والفظائع لتسيير شؤون الحياة؟  لابدّ وأن اللامبالاة تتخذ أشكالاً أخرى مختلفة.

يقال أنّ أفلاطون كان يدعو ديوجين الكلبي بـ “سقراط المجنون”، وذلك لأنّه كان يبدو في سلوكه وتصرفاته شبيهًا به غير أنّه بلغ حدًّا متطرّفًا لم يبلغه سقراط، فقد كان يتسكّع في الشّوارع يأكل ويمارس أفعالًا مشينة، وقد يحمل مصباحَه في وضح النهار قائلًا أنّه يفتّش عن الإنسان، وينام في برميل ويأكل مع الكلاب..
تبدو هذه الحياة أقرب ما يمكن إلى الطّبيعة، خالية من التّعقيد، مفرطة في البساطة وضاربة بعرض الحائط كل القوانين والأعراف الاجتماعيّة، إلا أنّ هذا الإسراف في اللامبالاة تجاه القوانين الاجتماعيّة كان سببًا في سوء فهم هذه الفلسفة لأنّ هذه الدعوة إلى اكتساب الفضيلة من خلال نبذ الشؤون الدنيويّة حتّى الصّغيرة منها والاكتفاء بالذات وبالطبيعة جعلها تبدو فلسفة كارهة للبشر تمقت الطّبيعة البشريّة ولا توليها الثقة، لكنّها في واقعِ الأمر لم تكن دعوة إلى احتقار البشر بل إلى تحرّرهم من أسر الرّغبة والشهوات. هل يمثل هذا الموقف صورة متطرّفة من صور اللامبالاة؟

على الجانب الآخر نجد أن الرواقية التي انحدرت عن المدرسة الكلبية تمثل صورة أقلّ تطرّفًا عنها في اللامبالاة، فها هو ماركوس أوريليوس يقول: ” أن نحيا حياةً طيبة أمرٌ ممكن، فيما لو تعلمنا كيف نكون لامبالين تجاه الأشياء التي لا تصنع فرقاً”، ما هي إذن الأشياء التي لا تصنع فرقًا؟ قد يجيب أحد هؤلاء الرواقيين بأنّ اللامبالاة تكون في أمور كالثّروة والشهرة والكسب وحتّى الألم والمعاناة، ولكن هل هذه الأمور لا تشكّل فرقًا بالفعل؟ ما الذي يتبقّى إذًا إن كان الإنسان لامبالٍ تجاه الكسب والفقد، تجاه الفرح والحزن، وتجاه الثروة والفقر؟ وما هي الحياة بمجموعها إذا لم تكن التّأرجح بين لحظات ومواقف تتّسم بالحزن والفرح والألم والفقد والفوز والسعادة، حياة حافلة بالتجارب المتنوّعة والكثيرة وحتّى الغريبة؟

إعلان

حتّى لا نسيء فهم الفلسفة الرواقية فقد كانت الدعوة إزاء تحقيق نوع من التوزان فلا ينفعل الإنسان بشدّة تجاه مجريات الحياة وتقلباتها، إلّا أنّ ذلك لم يجعلها بمنجى من النقد اللاذع خصوصًا ما قاله نيتشه من أن الرواقيين في زعمهم أنّهم يعيشون وفقًا للطّبيعة يتناسون أنّ الطبيعة تتّسم باللامبالاة الفظّة والعنف وانعدام الرحمة والعدل والصّرامة وهذا كما يرى نيتشه لا يمكن أن يتوافق مع الإنسان في محدوديته وضعفه وعجزه.

ما هي حقًّا تلك اللامبالاة التي تكسبنا القوة؟

كان ديوجين الكلبي يرى أنّه ما من جدوى في إعمال الفكر بأفكار مجردة والتأمل بما يتجاوز اللحظة الحاضرة، لأنّ ذلك يسرق الإنسان ممّا يملكه بين يديه يقينًا إلى ما هو قائم في عالم الأفكار والأوهام، وقد عُرف عنه ازدراءه للجدالات الفلسفيّة التي لا نتيجة ملموسة تنتج عنها.

إن ديوجين مثل سقراط مارس فلسفتَه ولم يدوّنها أو ينظّر لها، وقد أراد بحمله المصباح في النّهار وبحثه عن الإنسان أن يُظهر أن البشر أشقياء حتى لو لم يبدُ ذلك عليهم صراحةً، وأنه لم يعثر على الإنسان الذي يدرك معنى العيش ببساطة بل كان يرى بشرًا تعساء تكبلهم الأعراف والقوانين التي وضعوها لأنفسهم، إنّ لامبالاته التي قد تبدو متطرفة جدًا تحمل في طيّاتها معنى ما نحتاج إلى ممارسته في حياتنا اليومية عندما نواجه النّاس والمجتمع، فهنالك قدرٌ كبير من اللامبالاة تتطلبه مواجهة مواقف حياتية يومية لا تحصى لا يجدي معها سوى اللامبالاة! وحتى الآلام الكبيرة يمكن أن تُواجه باللامبالاة التي تكون صورة من صور الموضوعية التي يمكن أن نتعامل بها مع المصائب والأحزان الجسيمة.

يقول شاعر الهند طاغور:

“إنّ أبلغ درس يتعلمه الإنسان من الحياة هو أنه ليس هناك ألم لايستطيع المرء أن يتخلص منه بعد فترة معقولة من الزمن، أو أن يصادقه ويتعايش معه أو يحيله الي أنس وسعادة؛ بشيء من سعة الأفق وعمق البصيرة، والنّظرة الشاملة للحياة التي تُري كل مافيها من جوانب، فالسّعادة والألم لا يتركزان فقط على جوانب الإنسان الخاصة.”

هذا إن كنا نريد للامبالاة أن تعيننا على الألم في الحياة. أحيانًا تكون اللامبالاة أشبه باللعبة التي يمكن أن نلعبها مع الحياة والكون، فعندما تكون أحزاننا الصغيرة مهيمنة على عقولنا، مطبقةً على أنفاسنا يمكن أن ننظر إلى سعة الكون وغموضه لنلتمس العزاء بأن هناك كونٌ شاسعٌ يدور فيما نظن بأنّ كل شيء متوقف في لحظة الألم والحزن تلك. أما إن أرهبتنا سعة العالم وشعرنا بالتعب من تناهي عقولنا أمام هذا اللامتناهي أمكننا أن ندير ظهورنا بلامبالاة صارخة تجاه كل ما في الكون لننشغل بشؤوننا الصغيرة التي قد تحقق بمحدوديتها شيئًا من الرّاحة والأنس.

وهكذا يمكن أن تكون اللامبالاة في أكثر صورها عمليّةً، استراتيجة أو فلسفة أو لعبة يمكن أن نلتمس بها القوّة، ولعلّ أفضل ما أنهي به هذا المقال ما قاله الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي: “أقول لك (عدم المبالاة) فافهم عنّي فإني أريدُ أن تحفظَ هذه الكلمة وتعيها من بوادي هذا الحبّ إلى تَواليه إلى أعقابه. إنَّ عدمَ المبالاةِ يكون في بعض الأحيان، وفي بعض الأمور هو كل ما تكلّفنا بهِ الطّاقة البشرية من المبالاة”.

إعلان

فريق الإعداد

تدقيق لغوي: أمل مصري

اترك تعليقا