تأخذك إلى أعماق الفكر

كيف تؤثر الموسيقى على المشاهدين ؟

1 – ما يعتقده الناس

قد يبدو هذا سهلاً، أحضر مشهد حزين و شغل معه موسيقى حزينة، وها هو ! مشهد حزين قد يجعلك تبكي مثل الأطفال ! أليس كذلك؟
لا للأسف لا يوجد شيء بتلك البساطة، بل يجب عليك ان تضع موسيقى سعيدة على مشهد حزين،  أو على أقل تقدير تجعل الموسيقى توضح ما يحدث في المشهد أمامك عن طريق تضادها معه، وشركات الرسوم المتحركة مثل بيكسار مثلاً محترفة في ذلك

لكن أولاً دعنا نعرف ما الذي يدفعنا لقول أن تلك المقطوعة الموسيقية حزينة أو سعيدة، معظم الناس يظنوا أن الموسيقى الحزينة تُعزف علي السلم الصغير (minor scale) وإذا أرادت موسيقى سعيدة فقط العبها علي السلم الكبير (major scale)، وهؤلاء الناس مخطئون !.

حسنا! للشرح يجب أن تعرف أنه يوجد بعض العناصر العالمية في الموسيقى يتفق كل البشر عليها، علي سبيل المثال إذا سمعت صوت ذو تردد منخفض فستفترض بشكل تلقائي أنه قادم من كائن ما كبير، أما إذا سمعت صوت ذو تردد عالي سوف تفترض تلقائياً أنه قادم من كائن ما صغير، وهذا بسبب طبيعة الأصوات فى الفيزياء !

ولهذا كل المفترسون الضخام صوتهم غليظ بينما مثلا الجراء تصدر هذا الصرير الحاد، وهذا السر وراء نكتة الكلب alpha  الضخم فى فيلم UP .. كلب ضخم ومخيف صوت حاد وصغير.

لكن فكرة أن السلم الصغير (minor scale) و السلم الكبير (major scale) مرتبطين بالحزن أو السعادة تكونت لدينا من إرث الثقافة الأوروبية سواء أن كنت أحد سكان تلك الدول الأوربية أو كنت مُستعمراً منهم في فترة ما من تاريخك.

إعلان

لكنها ليست فعلا فطرة فيك على سبيل المثال أسمع المقطوعة الموسيقية بالأسفل وحاول ان تستدل من صوتها ما تريد توضيحه

المقطوعة

في الواقع أنها مقطوعة موسيقية تستعمل لتهدئة الطفل (تهويدة) للنوم تم تسجيلها عام 1950 لجدة تدعى Lanaiditsa من قبائل الزوني من السكان الأصليين لأمريكا، بالطبع بعيدة تماما عن تهويدة فيروز المحببة لقلبي مثلا “ريما” أو التهويدة الأشهر عالمياً ” twinkle twinkle little star”، ما قد يكون رد فعل أحد سكان تلك القبائل فى رأيك إذا استمع لتلك التهويدة؟ هل ستبدو له تهويدة للأطفال؟

على أي حال لا يمكنك أن تجعل الموسيقى تبدو حزينة ثم تتوقع من الجميع أن يفهم إنها حزينة بالتباع ! هذا مجرد كسل.

2- حسناً ما الذي يجعلنا نبكي إذاً؟

في الواقع ما يعتمد عليه ملحنون الموسيقى التصويرية هو تعيين مقطوعة مخصصة او مقدمة معينة لكل شخصية أو فعل محدد حيث تتكرر تلك المقطوعة مع كل ظهور لهذه الشخصية او هذا الموقف مما يؤثر علي تطور القصة

وأسهل مثال على ذلك أنك إذا كنت من محبي أفلام الغرب الأمريكي فبالتأكيد قد رأيت فيلم الطيب والسيئ والقبيح (the bad, the good, and the ugly) من إخراج سيرجيو ليون و موسيقى العظيم دائماً وأبداً إنيو موريكوني، وبالتأكيد أيضا لاحظت أن لكل شخصية من الثلاثة صوت معين يظهر وقت ظهوره على الشاشة، يمكنك أن تسمعهم

ثيم كل شخصية

 

 

 

دعنا الأن نأخذ مثال آخر وهو فيلم الرسوم المتحركة الأقرب إلى قلبي ” شركة المرعبين المحدودة ”

في نهاية هذا المشهد
مشهد 1

عندما يحاول شلبي سولفان أن يجعل بوو تنام سوف تسمع مقطوعة موسيقية محددة، بالطبع يمكنك أن تحددها في أكثر من مشهد آخر خلال مدة عرض الفيلم، لكن السؤال هو متى وأين ولماذا؟

يمكنك أن تسمع تلك المقطوعة مرة أخرى في هذا المشهد بعد أن أخاف زئير سولفان المرعب بوو المسكينة
مشهد 2

وفي الواقع هذا يوضح فكرة أن الموسيقى قد تكون متضادة مع المشهد إلى حد ما، حيث أنه في أول مرة اشتغلت بها تلك المقطوعة كان شلبي يوعد بوو أنه لن يخيفها وأيضا قام بطمئنتها حيث جلس أمام باب خزانتها للتطمئن أنه لن يخرج منها أي “مخوفاتي”، بينما فى المشهد الثاني قام سولفان بإخافتها حد الذعر !

فهل يمكنك أن ترى ذلك؟ تلك ليست مقطوعة شلبي سولفان، ليست مقطوعة بو، بل مقطوعة تمثل العلاقة التي تربطهما معا.
حتي أن المرة الثالثة التي سوف تسمع بها تلك المقطوعة ستكون فى المشهد حيث سولفان يضع بوو أخيرا فى غرفتها ويودعها قبل أن تقوم روز الرائعة بتدمير الباب إلى أشلاء
مشهد 3

في هذا المشهد يظن شلبي أنه لن يرى بوو مرة أخرى فتخرج تلك المقطوعة المحددة لتذكرنا بأفضل المواقف التي مرا بها معاً بينما يحضن شلبي بوو حيث أيقن أنه لم يعد يخاف منها وبالتبادل أيقنت بوو أنها لم تعد تخاف من شلبي – بسبب المشهد السابق – وبينما نظن أن تلك نهاية العلاقة، فتخرج تلك المقطوعة مرة أخري فى نهاية الفيلم بعدما وضع مارد آخر قطعة من الباب الذي قام بتجميعه فيقوم شلبي بفتح الباب ويرى بوو مرة اخري
مشهد 4

 

ومن الأمثلة الرائعة الأخري التي احبها علي هذا النوع من المقطوعات موجود في فيلم نيمو – finding nemo-

اول مرة تسمع تلك  المقطوعة مع هذا المشهد في الفيلم، المشهد المدمر أقصد

مشهد 1

حيث تم التهام أم نيمو وكل إخوته من السمكة الشريرة ولم يبقي إلا نيمو ووالده، تلك المقطوعة لا تمثل فقط العلاقة بين نيمو ووالده او الرابطة بين الأب والأبن، لكن توضح أيضاً تأثير الصدمة علي الأب ودفعه للتفكير بأنه مهما يحدث فيجب عليهم أن يبقوا سوياً، لأنهم لا يملكون من العالم إلا بعضهم البعض.

وكل مرة تظهر فيها تلك المقطوعة تكون موضحة لتفاعل ما بين نيمو وأبيه
مثل هذا المشهد الذي تم إنقاذ أبيه فيه من قنديل البحر وكان آخر كلمة ينطقها قبل أن يفقد الوعي هي نيمو

وأيضا عندما كان النورس يحكي لنيمو مغامرات أبيه في محاولة إنقاذه
مشهد 3

وأيضا في المشهد حيث يخبر مارلين دوري بوعده لنيمو بحمايته وأنه لن يحدث له شيء أبداً

وأيضاً في مشهد تجمعهم الأخير
مشهد 4

وفي آخر مشهد حيث يحضن نيمو أباه قبل الذهاب إلى المدرسة

مشهد 5

إذا لم تكن تلك المقطوعة تعبر عن الرابطة العائلية والقوية بين نيمو وأباه فلا أعرف صراحة عن ماذا تعبر !

 

بالطبع فى بعض الأفلام الأخري لا يتمسك الملحن بتلك الفكرة حيث تظهر الموسيقي العرضية – incidental music- فلا يتم تأسيس أو ربط هذا اللحن بأحداث سابقة وتحتاج ملحن عبقري، على الرغم من أنه يفوت فرصة عظيمة لأثراء الفيلم وكمثال على هذا، المشهد من big hero 6 حيث لم تظهر تلك الموسيقى الفيلم مسبقاً

مشهد 1

هذا الخليط من المشاعر المتضاربة مثل أن أخيه موجود وغير موجود فى آن واحد، الموسيقي التي يخالطها نوع من الأمل مع مشهد حزين وعلمك التام أن أخاه لن يرجع مرة أخرى
تلك هي الوصفة التي تدفع مشاعرك حد البكاء

 

لكن بطبيعة الحال لا يمكنك أن تقول مثلا ان الموسيقى التصويرية بفيلم نيمو افضل من الموسيقى التصويرية بفيلم big hero 6 فالأمر يشبه سؤال القطر أسرع أم البحر اوسع!
الموضوع يتعلق فقط بكيف تم توظيف الموسيقى وهل ادت غرضها أم لا.

في حالة أعجبك المقال، ربما ستعجبك مقالات أخرى، نرشح لك

خمسة أفلام ستقضي على كلمة مستحيل في حياتك

إلى أين يذهب انبهار المرات الأولى ؟!

مراجعة فيلم After the dark استخدام ذكائنا للنجاة في حياتنا

 

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.