تأخذك إلى أعماق الفكر

كورونا والمدينة

منذ بداية أزمة الفيروس المستجد كورونا أو كوفيد-19 في مقاطعة ووهان الصينية مع مستهل 2020 عاد شبح المدنِ المقفرة والخاوية على عروشها ليطل برأسه من جديد في واحدة من أكثر المناطق المأهولة بالسُّكان حول العالم. هذه الصورة النمطية التي لطالما رسختها سينما الأبوكاليبس والأزمات في وعينا الباطن ساهمت عبرَ العديد من السلاسل التليفزيونية والأفلام -التي في الحقيقة كانت وما زالت تسر الناظرين- في خلق تصورٍ محددٍ ومميزٍ لنهاية العالم التي في سابقة ستكون صينيةً لا أمريكية، وفي هذا السياق نسوق اثنين من روائع السينما؛ لما فيها من عمق وتمحيص على مستوى الإخراج والمحتوى في العموم: I Am Legend للمخرج فرانسيس لورانس، interstellar لكريستوفر نولان.

وعي إنسان القرن الحادي والعشرين هو وعيٌ تمثيليٌّ بالضرورة، أي أن الصورة والتمثلات هي ما يحركنا وما يغذي إرادتنا الكامنة في الفعل والحركة، نتيجة لكوننا كائنات لا تهوى الفراغ والمجهول، وهنا عادت الذكريات لتغوص بالكثيرين للتفكير في مصيرنا كبشر، مصيرنا الذي لطالما تنبأنا به أو على الأقل كنا مستعدين لمواجهته بطريقة أو بأخرى.

مَثَّلت كورونا صدمةً للأقوياء قبل الضعفاء والحديث هنا عن الأمم لا الأفراد، صدمة لعلها هي الإنذار الأخير لماضٍ قد نسينا أن ننساه أو لربما صرخة لبداية جديدة تذكرنا بأنا نسينا أن لكل بداية نهاية ولكل نهاية بداية، بمعنى أنها مثلت قطيعة جذرية مع كل التراكمات البيانية التي تساعد في التخلص من الأزمات التي لحقت إنسان القرن العشرين فقرعت أجراس الحرب أنِ الزموا بيوتَكم و جاء حماة الديار من قريب ليس ببعيدٍ أنِ انزعوا الخوذ والبسوا الأبيض فاليوم يوم الامتحان وفيه تكرم الأمم أو تُهان.

إنه القرن الواحد والعشرون، قرن البيانات الضخمة والتكنولوجيا فائقة الذكاء حيث لا مكان للمستحيل كما أنه لا مكان لأساليب الماضي في الحياة وحتى في الممات؛ من العبث بمكان أن نقف باستغراب على ما نحن فيه الآن من اكتظاظٍ للامعنى واللاقيمة في حياتنا، فسباق التسلح والتلاطم الأعمى في زمن الـ HD لم يكن لينتهي بقنابل مضيئة كما أنه أيضًا من التغابي الظن بأن مآل كل ذلك حرب يكون فيها السلاح العاديُّ سيدَ الموقف.

المدينة هي ذروة الاجتماع البشري فلماذا إذن انفرط عقدها بين عشية وضحاها في غمرة من الهلع والحيرة المجانية التي تصاحب الكل من حولك؛ أهو عصر الفردانية الجماعية أم تراه إعلانًا تسويقيًّا عما سيكون عليه شكل المدينة في القرن الحادي والعشرين؟
لا يختلف عاقلان على أنه سيكون هناك ما قبل كورونا وما بعدها لما ستُحدِثه من شروخٍ وصدوعٍ حقيقيَّةٍ على صرح الحضارة الإنسانية، ولعل ذلك ما سيتَجَّلى خاصةً على مستوى الريادة الاقتصادية والسياسية للعالم؛ فكثيرٌ من المؤرخين والمحللين السياسيين يرون بأن ما تقوم به الصين اليوم من “استنفار حقيقي” لمواجهة هذا الوباء الجارف إنما عائد في الأصل إلى محاولة افتكاك مشعل الحضارة والزعامة من الولايات المتحدة الأمريكية.

إعلان

بكين اليوم ليست بكين السبعينات؛ فقد باتت مصدرًا للمساعدة والدعم الحيوي الفعال للعديد من حكومات العالم وشعوبه، في حين يترنح ترامب “الزعيم الشعبوي” داخل أروقة البيت الأبيض، بعدما تحول لرائدٍ في التنمية البشرية محاولًا إقناع العالم بضرورة التآزر والتلاحم في هذا الوقت من خلال رفع معنوياتهم لا رفع العقوبات عنهم أو مدِّ المساعدة الفعلية.

ما نعيشه اليوم هو انقلابٌ ناعمٌ تقوده الصين صلب النظام بعد الرأسمالي بهدف قلب موازين القُوَى على المستويَيْن السياسيِّ والاقتصادي، وهو ما سيظهر للعلن طال الأمد أو قصر، خصوصاً في ظل حالة الانقسام التي يعيشها البيت الأوروبي وتخبط السياسة الأمريكية بين المحلي والإقليمي والعالمي، ولكن شاءت أقدار العولمة أنَّ نتائجَ المصير البشري واحدٌ والموتَ واحدٌ في ظل عدم ظهور أي بوادرَ لانفراج الأزمة التي حلت على العالم منذ ما يزيد على الثلاثة أشهر.

للعرب رصيدٌ حافلٌ من الدمار على جميع المستويات وخاصة على المستويين القيمي والسياسي، فالقريحة العربية ألفت خراب المدن على عروشها (فلسطين، العراق، سوريا، اليمن، ليبيا) منذ زمن ليس بالهيِّن، ورغم ذلك لا تستطيع إلا الوقوف إجلالًا لشعوب اختارت الحياة وقاومت الذاكرة لأجل غدٍ أفضل ومستقبل خالٍ من الحروب والتهجير والأوبئة والمجاعات.

«من المؤكد بأن كورونا ستمضي ولكن كيف ستكون الحياة من بعدها؟»

بهذه العبارة افتتح المؤرخ يوفال نواه حراري مقالته في الفايناشل تايمز، وبها أختم وأضيف بأن كل ما أتمناه أن نجد الإنسان فينا بعد هاته الأزمة في ظل الكم الهائل من الحزن الممزوج بالألم والحسرة على أمانة لم نحافظ عليها كالرجال «إنها الأرض وما عليها».

نرشح لك: التسلسل الزمني لأكاذيب الصين حول فيروس كورونا

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: فهمي الورغمي

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.