تأخذك إلى أعماق الفكر

كيف نلحق بالركب الحضاري؟ قراءة في كتاب عصر العلم للدكتور زويل

يعتبر الدكتور زويل من الشخصيات العلمية التاريخية فهو من أنشأ فرع الفيمتوكيمياء، وساهم في تصوير منشأ التفاعلات الكيميائية، وهو ماخلق تطورا هائلا في علم الكيمياء، ومع هذا فهو مهتم بقضايا أمته العربية والإسلامية، وكان دائما مايحاول القيام بأي دور للمشاركة في كسر الجمود وتحريك الأمم العربية .

نقدم لكم رؤية الدكتور زويل لتنمية الدول النامية عموما والعربية خصوصا من خلال بعض الاقتراحات التي قدمها في كتابه عصر العلم والأفكار النمطية السائدة التي حاول تفكيكها وهدمها، ونحاول عرض آراء الدكتور زويل وبلورتها لمحاولة الاستفادة منها .

يقول الدكتور زويل في كتابه عصر العلم :
إن الدول النامية لديها علماء قادرون في الداخل والخارج، ولكنها مستمرة في دفع بعض هؤلاء إلى الدول المتقدمة كجزء من ظاهرة نزيف العقول، وإلى عدم الإستفادة منهم داخل البلاد إن الإستفادة من هؤلاء العلماء أساسية، ولكن الإستفادة تتطلب اصلاحات رئيسية ونظرة جديدة وشاملة، وهذا ليس ممكنا في يوم وليلة، ولكن يجب أن يبدأ البناء وبشكل مناسب وسلوك منضبط .

إن الشعارات الجوفاء أو انتظار الدول المتقدمة لكي تحل المشاكل، أو حتى لوم شعوب العالم المتقدمة بتكريس نظرية المؤامرة لن يمد بالوسائل أو يسبب التطور ، نعم للسياسة الدولية دور، ولكن إرادة الشعب أقوى من أي قوة بشرط أن تكون هذه القوى متماسكة ولاتمزقها السياسات الداخلية وضعف العقيدة في النظام الوطني.

إن الخيار أمام الدول النامية واضح، فعليها ترتيب البيت الداخلي والعمل على حيازة مكان في النظام العالمي، كما يجب بناء الثقة من أجل التحول إلى وضع الدول المتقدمة، إن التحول ممكن، ففي لقائي مع رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد في زيارة لماليزيا لمست الدور الخطير لنظام التعليم الجديد الذي تم تطبيقه، خلال التحول السريع لبلاده من اقتصاد يعتمد على العمالة الرخيصة إلى اقتصاد قائم على المعرفة ومتماشيا مع معطيات العالم، إنه التحول الذي دفعه وموله وجود الرؤية والإدارة في بناء القاعدة المناسبة للتكنولوجيا الحديثة .
الاحتياجات الأساسية للتنمية :
1 – تنمية بشرية : تستهدف التخلص من الأمية وتأمين مشاركة فعالة للمرأة وتطوير الثقافة الإجتماعية، وإلى إطلاق حرية الفكر وتقليل حجم البيروقراطية، مع رفع كفاءتها والقضاء على الفساد أو تقليصه، وتطوير نظام من الحوافز والترقيات في إطار لوائح وقوانين متزنة وقابلة للتطبيق .
2 – بناء قاعدة علمية : تعمل على الاستثمار في الموهوبين، وإقامة مراكز للتميز وإيجاد الفرص للحصول على المعلومات عن الأسواق الصناعية والإقتصادية داخليا وخارجيا، وتلاحم المعرفة العلمية مع القاعدة الصناعية.
3 – تطوير التعليم : من خلال خطة عامة شاملة لتطوير التعليم العام في المدارس وجامعات الدولة.
من خلال ماسبق نستنتج أهمية المثلث اللازم لتحقيق نهضة علمية ومن ثم اقتصادية وسياسية وثقافية وأركان هذا المثلث العلم والتكنولوجيا والمجتمع .

إعلان

بعض الأفكار النمطية التي تؤخر من عملية التقدم :
1 – نقص الموارد في الدول العربية
2 – استحالة المنافسة والحركة في عالم زاد فيه تقدم المتقدمون وتخلف المتخلفون، والبعض يتحدث عن عدم رغبة الولايات المتحدة وأوروبا في تطوير العالم العربي، وأن الغرب لايريد لمصر والعرب النهوض وأنه يتآمر معظم الوقت من أجل ذلك.
3 – تعديل مسار الدول النامية يحتاج لسنين طوال لايمكن التخطيط لها أو الانتظار لنتائجها .
4 – هناك بعض المسئولين يذهب إلى أن الوضع القائم هو وضع مقبول، وأن المؤسسات العلمية تسير على مايرام،وأن اسهامنا في حالة العلم في العالم ليس هو الاسوأ .
5 – هناك أولويات تحتاجها الدول والشعوب النامية مما يفوق الحاجة للبحث العلمي، أو لتطوير مؤسسات البحث والدرس فيها .

إجابات الدكتور زويل على هذه الحجج :
أولا : إنه من المدهش أن ينسب البعض أسباب التخلف الشديد إلى نقص الموارد في العالم العربي، والأكثر إثارة للدهشة أن المرء يسمع ذلك في مصر كما يسمعه في دول الخليج بالغة الثراء، ولا يستطيع المراقب أن يفهم كيف يرى ذلك الثراء في الحياة اليومية للناس “من سيارات فاخرة ومنتجعات وشواطئ وقصور” واستخدام للسلع الاستهلاكية الحديثة والتكنولوجيا، ثم يجد ذلك الحديث الايدولوجي الثابت والمكرر حول نقص الموارد .

والمؤكد أن العالم العربي يصنف من بين مناطق العالم الثرية أو غير الفقيرة، كما أن هناك دولا تفتقر للموارد إلى حد كبير وبعضها يفتقدها تماما ولكنها أنجزت وتجاوزت، ولعل المثال الصيني والياباني والكوري والماليزي هو الأكثر حضورا في هذا السياق، مما يجعل الحديث عن أسطورة نقص الموارد ضربا من الاسترخاء .

ثانيا : بخصوص تآمر الغرب واستحالة المنافسة يقول الدكتور زويل أن هذه الرؤية التآمرية هي رؤية محدودة وقاصرة ومثل هذا القول يؤدي إلى راحة اليأس، الدول تتعامل مع بعضها من خلال مصالح مشتركة ولا يمكن لدولة أن تمنع أخرى من التقدم والتطور والدليل موجود في تجربة اليابان والصين وغيرهم .

ثالثا : أما بخصوص أسطورة أن التقدم العلمي يحتاج لقرون وهي أسطورة لاتحتاج لجهد كبير في المناقشة، فالكثير من دول العالم المتقدم قد حققت انطلاقاتها الراهنة في غضون سنوات أو عقود لا قرون. إن التجربة الماليزية وقد تابعتها والتقيت بصاحبها الدكتور مهاتير محمد هي نتاج حوالي عشر سنوات لاعقود طوال، كما أن التجربة الصينية نفسها لايزيد عمر تألقها وامتيازها على العشرين عاما، وكوريا الجنوبية وقد تابعتها واستمعت إلى ملامح تجربتها من رؤساء الحكومة، ورؤساء الشركات الكبرى هناك قد صعدت من التخلف لصدارة الصناعات في آسيا، وإلى موقع بارز في العالم في غضون سنوات، وليست شركة سامسونج إلا نموذجا لذلك الصعود القوي والسريع إلى حد المفاجاة، وفي الهند الىن يندهش المرء من القلاع الصناعية العملاقة التي تنتج ” السوفت وير ” في بنجالور، وفي سنغافورة التي تخطت إلى أفق غير منظور، وفي سؤال لي لأحد الوزراء هناك إلى أين أنتم ذاهبون ؟ قالوا .. عندنا الىن الاسواق العالمية الرئيسية للاكترونيات الدقيقة وقد خصصنا 40 مليارا من الدولارات للتركيز على البيوتكنولوجي في السنوات العشر القادمة، وأيضا عندما ننظر لتجربة إيرلندا الحالية نجد نهضة وتقدما . ففي حوالي عشر سنوات أصبحت ايرلندا أو عدد أفرادها 4 ملايين من أكبر بلاد العالم تصديرا للتكنولوجيا الحديثة، وباستدعاء التاريخ على نحو أوسع فإن فرنسا كانت حتى قرب عام 1800 م دولة متخلفة في أوروبا ، حتى جاء نابليون الذي نقلها من عصر الظلمات إلى عصر التقدم، وقد أسهمت مؤسسات البحث العلمي فيها التي تاسست، أو أعيد تاسيسها في تحقيق هذه النهضة ، وقد كانت الايكول بلوتيكنيك والكوليج دي فرانس في طليعة هذه المؤسسات .

رابعا : ليس صحيحا أن الوضع العلمي لمصر والعالم العربي وضع مقبول، ذلك أن العالم العربي قد بات في أدنى درجات السلم الدولي للعلم، ولاتقارن اسهاماته بأي اسهام لمنطقة أخرى فاعلة في العالم، فنسبة الأمية تزيد على 50 % وتزيد نسبة السيدات إلى 60 % وهي النسبة الأعلى في العالم، وإذا كان هذا على الصعيد القراءة والكتابة وحدها، فإن النسبة الباقية من غير الاميين لاتشكل قاعدة لمجتمع علمي فعال ولايوجد إلا أولئك الأفراد المتميزون ونوابغ العلماء والمثقفين وهم عدد قليل من الباحثين والدارسين والخبراء وأساتذة الجامعات والمخترعين، وجميعهم أفراد متفاوتوا الموهبة لايعملون ضمن نظام متكامل، وأما اسهام هذه القلة المتميزة فإنه هو الآخر محدود إذا ما قورن بالوضع العالمي للعلم .

خامسا : من الاخطاء الشائعة في العالم العربي الاعتقاد بأن حيازة العلم والتكنولوجيا مقصورة على البلدان الغنية أو أنها من الكماليات، بل إن البعض يعتقد أنه يمكن شراء العلم والتكنولوجيا من البلدان المتقدمة كما تشتري المنتجات المستوردة الاخرى مثل السيارات وأجهزة التلفزيون . وللأسف لايدرك كثير من الناس في المنطقة العربية أن تقدم ورخاء أي بلد يرتبط ارتباطا وثيقا بوجود قاعدة متينة للعلم والتكنولوجيا في هذا البلد .

يرجع بعض المفكرين الغربيين تخلف العالم العربي للثقافة العربية والدين الاسلامي بل إن البعض الآخر يعتقد في مايسميه صامويل هنتنغتون ” صدام الحضارات ” أمر وشيك الوقوع بسبب تعارض القيم الثقافية والدينية للعالم الغربي والغرب، وأنا أعتقد أن هذه النظريات ليست أساسية ولا علمية وأن ” حوار الحضارات ” أمر يمكن تحقيقه شريطة توزيع الفوائد الاقتصادية على الدول توزيعا عادلا مع وجود سياسات عالمية متوازنة، لاسيما إذا انزاح الستار عن الجهل بالحضارات لمعرفة القيم الحقيقية بالثقافات .
وتخلف العرب لايعود لأسباب جينية ولا وراثية ويشهد التاريخ أن العرب قد حققوا في الماضي أعظم الانجازات كما يبرهن العرب الذين هاجروا للدول الغربية المتقدمة للعمل هناك في بيئة ملائمة على أنهم قادرون على التفوق في شتى المجالات .

خطوات عملية لتحقيق النهضة :
1- إنشاء نظام تعليمي جديد والتركيز على التفكير الناقد والمنطقي وذلك أمر لايمكن إنجازه دون تغيير وضع المعلمين وتحسين ظروفهم .
2 – إنشاء مراكز تفوق جديدة في نفس مستوى نظيراتها في العالم المتقدم .
3 – إنشاء صناعات جديدة وينبغي أن تستند على العلم والتكنولوجيا المستحدثة والمتطورة محليا لا على التكنولوجيا المستوردة من الخارج، وينبغي أن تكون لهذه الصناعات صلة قوية بحدائق التكنولوجيا Technology Park، وذلك لاشراك الاجيال الجديدة من المتخرجين، ونجاح هذه الصناعات الجديدة مرهون بمشاركة القطاع الخاص وبإزالة العقبات البيروقراطية تماما .
4 – إنشاء مؤسسة وطنية للعلم والتكنولوجيا ومن شأن ذلك أن يساعد البلدان في التعرف على أفضل الباحثين وتقديم الدعم لهم وسيشجع مؤسسات شتى على المشاركة الجادة في حل المشاكل الوطنية الهامة .
5 – إنشاء الأكاديمية العربية للعلوم ويجب أن تضم أفضل الخبراء في مجال العلم والتكنولوجيا في العالم العربي .

الدكتور زويل كتاب عصر العلم 

في حالة أعجبك المقال، ربما ستعجبك مقالات أخرى، نرشح لك

رواية العمى .. الجانب المظلم للنفس البشرية

الحدود الأخلاقية للأسواق .. ما الذي لا يمكن أن تشتريه النقود ؟

مراجعة كتاب مستقبل العقل لميشيو كاكو ” نظرية زمكان الوعي “

 

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.