تأخذك إلى أعماق الفكر

فيلم Good Will Hunting: الخوف من الهجر وكبح الحياة

يحتوي المقال على حرق لأحداث الفيلم.

أنت طفل صغير، لا تملك أي فكرة عما تتحدث عنه. لم تغادر بوسطن قط، فإن سألتك عن الفن فعلى الأرجح ستعطيني نبذة عن كل كتاب يخص الفن قُمتَ بقراءته. مايكل أنجلو! قد تعرف الكثير عنه: أعماله الشهيرة وتطلعاته السياسية وقصته مع البابا والتوجه الجنسي وكل الأعمال، أليس كذلك؟! ولكني أراهنك أنك لا تستطيع إخباري كيف تبدو رائحة كنيسة السيستاين، فأنت لم تجلس هناك قط ولم تنظر للأعلى لتشهد ذلك المنظر البديع!

وإن سألتك عن النساء فمن المُحتمل أن تعطيني منهجًا دراسيًا عن مفضلاتك الشخصية، ربما تكون قد ضاجعت إحداهن بضع مرات، لكن لا يُمكنك إخباري ماهو شعور الاستيقاظ إلى جانب امرأة وتشعر أنك حقًا غارق بالسعادة.

بتلك الكلمات يخترق الطبيب النفسي د/ شين مجواير(روبين ويليامز) ذلك الفتى الصعب والعنيد ويل هانتينج (مات ديمون) الذي تولى مجواير مسؤولية تأهيله النفسي ووضع تقرير عن حالته وصحته النفسية. يُعد فيلم Good will hunting أحد أفضل الأفلام في حِقبة التسعينيات التي تكتظ بالأعمال السينمائية العظيمة. الفيلم من كتابة الثنائي بين أفليك ومات ديمون واللذين حازا على جائزة الأوسكار لعام 1998 لأفضل نص سينمائي أصلي وإخراج جوس فان سانت.

وفاز الراحل روبين ويليامز بجائزة أفضل ممثل بدور مساعد عن أداءه المميز المعتاد لشخصية د/ شين مجواير بذلك الفيلم.

قصة فيلم Good Will Hunting

يتتبع الفيلم شخصية ويل هانتينج، شاب يعيش بجنوب بوسطن ولديه 3 أصدقاء يتسكع معهم يوميًا أبرزهم صديقه تشاكي (بين أفليك). يمثل ويل حالة فريدة، فهو يتمتع بمستوى تفكير عبقري وذاكرة تصويرية قوية وموهبة لامعة بعلم الرياضيات ورغم ذلك فهو يعمل كحارس وعامل نظافة بمعهد MIT الشهير ويمكث وحيدًا بشقة ذات وضع مذرٍ بأحد أحياء جنوب بوسطن.

يكتشف موهبته عن طريق الصدفة أحدُ أساتذة المعهد: البروفيسور جيرالد لامبو حيث قام ويل بحل إحدى المعادلات الرياضية شديدة التعقيد كان البروفيسور لامبو قد وضعها لطلابه ولم يستطع أي منهم حلها.. عدا ذلك الحارس المجهول!

إعلان

وبعدما يقتفي لامبو أثر الشاب ويل هانتينج يكتشف أنه قد تعارك مع شاب كان قد قام بالتعدي عليه منذ 15 عام في الروضة، ويواجه ويل السجن المؤبد لتعديه على أحد الشرطيين والذي كان يحاول فض العراك. يذهب لامبو لجلسة محاكمة ويل ويبدي الوقوف بجانبه مقترحًا عليه خيار: إما أن يُزج به في السجن وإما أن يُطلق سراحه تحت رقابة لامبو الشخصية لدراسة الرياضيات وخضوعه لمعالج نفسي، يفضل ويل الاختيار الثاني على الرغم من عدم اقتناعه بحاجته للعلاج النفسي.

يحاول لامبو عرض ويل على العديد من الأطباء النفسيين غير أنهم جميعًا لم يستطيعوا معه صبرًا كونه متمردًا عنيدًا وشديد الفظاظة إلى أن يعرضه لامبو على د/ شين مجواير الذي تشاجر معه في أول لقاء بينهم لأن ويل قد أثار غضبه بحديثه الفظّ عن زوجته التي ماتت إثر مرضها بالسرطان منذ سنتين، لكن مجواير يُقرر مواصلة مهمته مع ويل.

يتسلل مجواير بخفة إلى بواطن ويل الداخلية ويصل إلى أعمق النقاط التي لم يصل إليها غيره.. فهل تتغير حياة ويل بوجود مجواير؟!

الخوف من الهجر

يتعرف ويل على سكايلر، تلك الفتاة التي تدرس بجامعة هارفارد والتي قابلها بحانة الجامعة ويؤسس معها علاقة عاطفية تبدو لوهلة مستقرة وتتجلى أجواء الحب اللطيفة لقاءاتهم. غير أن ويل لسبب ما يكذب عليها فيما يخص ماضيه وحياته ولا يخبرها عن حقيقة أموره ويتردد كثيرًا في أن يعرفها على أصدقائه، بل إنه يرفض تمامًا أن يناما سويًا بشقته!

تطلب سكايلر ذات يوم من ويل أن ينتقل معها إلى كاليفورنيا وأن يترك حياته ببوسطن.. لكن ويل ينتفض ويشعر بالخطر فيرفض طلبها بل إنه ومع اشتداد الجدال بينهم يقرر أن ينهي العلاقة فورًا! ليحمي نفسه من الهجر وفقدان سكايلر فإنه يهجرها هو قبل أن تتمكن هي من كسر قلبه! لإن ويل “يخاف من هجر الأشخاص القريبين منه

وهنا علينا أن نطرح سؤالًا مهمًا: ماذا يعني الخوف من الهجر بوجه عام؟ من أن يأتي؟ ولماذا؟

إنه القلق الطاغي حيال هجر الأحبة والمقربين لنا وهو أمر قد يجعل تواجد العلاقات الصحية بحياة الفرد أمرًا شديد الصعوبة، وقد يصيب ذلك الشعور العديد من البشر على مختلف تركيباتهم النفسية ويساهم بشكل كبير في تطور العديد من الأمراض العقلية كاضطراب الشخصية الحدية أو اضطراب الشخصية الانطوائية وإلخ.

يسبب الخوف من الهجر العديد من المشاعر السلبية التي تلوي الإنسان تحت وطأتها، كاللوم الزائد للنفس والخوف الدائم من التعلق والمحاولات البائسة لإرضاء الجميع وعدم قبول فكرة أنك قد لا تُعجِب أحدهم أو إحداهن وأن ذلك أمر عادي! وكذلك الهجوم العارم وعدم تقبل الانتقاد والغيرة والشك وتوجيه الانتقاد للآخرين وغيرها من العادات المُرهقة نفسيًا.

ولكن كيف ينشأ ذلك الشعور بالخوف؟! ومتى؟!

ما يحدث هو كالتالي:

غالبًا ما يكون الأشخاص اللذين يعانون من ذلك الشعور مرّوا بصدمة معينة في الطفولة كالإهمال، إساءة معاملتهم أو وفاة أحد الوالدين أو تعرضوا لرفض من أقرانهم، أو تم هجرهم بشكل شديد الأذى مما ترك لديهم انطباعًا مُدمرًا عن أنفسهم!

فويل هانتينج كان يتيمًا في صغره وتعرض للهجر ممن يعتبرون أقرب الناس إليه وتعرض للتنمر والإيذاء الجسدي لذلك فهو يدفع الناس بعيدًا عنه قبل حتى أن تأتيهم الفرصة لأن يقتربوا بالفعل منه.

حاول مجواير تشجيع ويل على التغلب على الخوف من الهجر بأن أخبره أنه قد فوتّ إحدى أهم مباريات البيسبول على الإطلاق من أجل مواعدة فتاة! وهي التي أصبحت بعدئذٍ زوجته.. وأخبره أنه لم يندم أبدًا على تفويت تلك المبارة من أجلها، وحينما سأله أصدقاؤه لماذا قد ترك تلك المباراة العظيمة رد ببساطة: ” لقد ذهبت لمواعدة إحداهن!

ما استطاع د/مجواير أن يلمسه بداخل ويل هو أنه خائف، بكل بساطة، خائف دون أن يعلم ذلك وهو يظن أنه يبلي حسنًا بحياته، فلديه من الأصدقاء من يُغنيه عن الكثيرين وكما يقول مجواير للبروفيسور لامبو الذي انتقد ويل على إهماله لموهبته والتسكع مع بعض الغوريلات “واصفًا بذلك أصدقاءه” أن ويل يجد مع هؤلاء “الغوريلات” ما يُسمى بالولاء فهم على أتم الاستعداد للإطاحة بأي شخص في سبيل ويل ويشعر بأنه أبدًا لن يفقدهم!

وبعد أن رأى مجواير صور الإصابات التي أصيب بها ويل في طفولته على إثر اضطهاده اقترب منه وظل يكرر له أنه ليس خطؤك، إلى أن انهار ويل وبكى!

أعراض الشخصية الحدية (ويل هانتينج): كيف يكبح الخوف من الهجر الحياة ؟!

نستطيع أن نرى عبر ويل تلك الأعراض التي قد يعاني منها ذلك النوع من الشخصيات فهو دائمًا ما يسلك سلوكًا عدوانيًا تجاه الآخرين مثل مشهد عراكه مع ذلك الشاب الذي اعتاد أن يؤذيه منذ 15 عامًا في الحضانة، ودائمًا ما ينظر لنفسه نظرة قليلة فهو على الرغم من كونه عبقري رياضيات، إلا أنه يعمل كحارس بالمعهد الأشهر للرياضيات بالولايات المتحدة! دون أن يُقدم على محاولة الوصول لما هو أعلى، كذلك يعاني من تقلبات مزاجية وعواطف كثيفة ففي مشهد طلب سكايلر منه الانتقال معها إلى كاليفورنيا نراه ينتقل من مرحلة السكون والارتخاء التام إلى الانتفاض والثورة العارمة والخوف والغضب والقوة في آن واحد، وهو من المشاهد التي أبدع ديمون في تجسيدها على الشاشة!

حينما يخاطب مجواير ويل وهما جالسان أمام بحيرة البجع يلقي مجواير تلك الكلمات التي استهللت بها مقالي، فيُسقِط بتلك الكلمات أن ويل قد يعرف الفن ولكن لا يشعر به، ويسمع عن الحب ولكنه لا يفهم معناه، ويعرف النساء ولكنه لا يقترب حقًا منهن ويستكشفهن! فالخوف من الهجر يجعل الإنسان في حالة من التشكك والهروب تارة وفي حالة من الاحتياج الشديد والضعف تارة أخرى، ويظل الإنسان متذبذبًا باذلًا قصارى جهده في أن يستقر دون جدوى حقيقية خاصة مع عدم إدراكه لذلك النمط الشخصي الذي يحمله! فهانتينج لم يستطع قط أن يغادر بوسطن بسبب خوفه، ولم يستطع أن يُسلِم قلبه إلى امرأة لإنه -في نظره-  إن فعل ذلك فما هي إلا مسألة توقيت حتى تهجره تلك المرأة.. وبهذا لن يبلغ ويل أبدًا رائحة كنيسة السيستاين بل والأسوأ أنه لن يصل أبدًا إلى ذروة الحُب والسعادة الناجمة عن استلقاءه إلى جانب امرأة جميلة حينما يستيقظ! وبهذا يعيش ويل كالطيف المنسي.. يحيا بلا روح حقًا!

هل يمكننا أن نتغلب على الخوف؟

في ذروة أحداث الفيلم يشتد الصراع فيما بين الطبيب مجواير وعالم الرياضيات لامبو الذي يبذل قصارى جهده في أن يبسط الطريق لويل هانتينج من أجل جعله أحد أفضل علماء الرياضيات بعصره ويأتي له بوظائف من شتى الشركات الضخمة والتي على استعداد أن تقدم الكثير والكثير من الأموال لويل هانتينج بل إن الأمر قد وصل إلى أن قام لامبو بتقديم فرصة له للانضمام إلى وكالة الأمن القومي الامريكية “ NSA: National Security Agency”، غير أن ويل يرفض الالتحاق بأيٍ من تلك الوظائف.

يُمثِل جيرالد لامبو الأشخاص الذين ينكرون وجود مثل تلك الحالات والأمراض الشديدة كالأهل أو بعض الأصدقاء، فهو لا يرى أي مكان لويل غير عالم رياضيات دون الاكتراث بحقيقة كونه شخصًا ذا تاريخ نفسي عنيف وشديد، في حين أن شين مجواير يدافع بكل ما لديه عن حرية هانتينج في أن يُحدد مسار حياته لنفسه دون أي تدخل إجباري من أحد، ويبلغ الصراع بينهم أشده حينما ينعت لامبو الطبيب مجواير بالـ “فاشل” حيث يرى أن ما يفعله هو تسميم لأفكار ويل هانتينج وإبعاده عن مساره المناسب بالحياة.

مع الاقتراب من نهاية أحداث الفيلم نرى تشاكي صديق هانتينج وهو يؤنبه على إهمال موهبته ورغبته في إكمال حياته ببوسطن كعامل بناء لا قيمة لما يقوم به في حين أنه يملك عبقرية قد تؤهله لأن يكون بأعظم الأماكن ويخبره أنه مدين لكل أصدقائه بتحقيق كل الفرص التي لن يحصلوا عليها يومًا حتى وإن كان على حساب ابتعاده عن بوسطن! ثم يستطرد قائلًا:

إن أفضل جزء في يومي هو عندما أنتقل بسيارتي من بيتي إلي بيتك وينتابني شعور أنك قد هجرت ذلك البيت سعيًا خلف ماهو أعظم.

يُنكر العديد من المحيطين بنا أننا قد نعاني يومًا من مشاكل خطِرة وأن المرض النفسي ماهو إلا نوع من التدلل أو الادعاء أو محاولة استجداء للتعاطف عفى عليها الزمن ودهستها أقلام المؤلفين والكُتاب، غير أن ذلك الأمر هو ما يُصعِب أي تعافٍ لإنه إن أردنا أن نحل مشكلة علينا أولًا أن نعترف بوجود مشكلة! وانطلاقًا من ذلك فعلينا اتخاذ مشورة الأطباء المتخصصين والمتابعة على مدى طويل من أجل التحسن، وضرورة اختيار الطبيب الأنسب لتلك المهمة وكذلك المداومة على العادات اليومية التي قد تساعدنا في التخفيف من حدة التوتر الناجم عن تلك الاضطرابات.

لذلك فالإجابة هي نعم، يُمكننا التغلب على ذلك الخوف.

في نهاية المطاف حينما يصل ويل هانتينج للحظة القرار فإنه يرحل عن بوسطن إلى كاليفورنيا خلف سكايلر تاركًا خلفه ذلك الماضي الذي لطالما أرقه دون أن يعلم، وأرسل لمجواير رسالة يخبره بها أنه ترك أخّر وظيفة رتبها إليه لامبو لإنه “ ذهب ليقابل إحداهن

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: حازم عماد

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: ندى حمدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.