تأخذك إلى أعماق الفكر

فيلم الأصليين “الخيال أهم من المعرفة”

فيلم الأصليين من إخراج مروان حامد وسيناريو أحمد مراد وتمثيل ماجد الكدواني وخالد الصاوي وكندة علوش ومنّة شلبي وهناء الشوربجي.

أحمد مراد كاتب روايات شاب له شهرة واسعة نسبيًا وتتميز رواياته بطابع سينمائي، منها تراب الماس والفيل الأزرق. هذه المرّة لم يكتب رواية بل، مباشرة، كتب سيناريو لفيلم سينمائي. يقدّم أحمد مراد دائمًا فكرة جيّدة في رواياته ولكنه يمر عليها بشكل سطحي ولا يحاول التعمّق في بحث فكرته ودراستها. أما مروان حامد فهو مخرج شابّ من الواضح أنه يحب الإخراج ويمتلك فكرًا وأدوات وفّرتها له الدراسة مع موهبة يظهر أثرها في الفيلم.

عندما تريد أن تضع عنوانًا للفيلم تجد صعوبة لأن القصة مفتوحة على مستويات عدة مما يؤدي لقراءات وتأويلات مختلفة لفكّ ترميزها حسب رؤية الفرد وحسب عدد مرات المشاهدة. وبالرغم من ذلك، يضع أحمد مراد بنفسه عنوانًا للفلم وهي جملة لآينشتاين “الخيال أهم من المعرفة”، وربما يقصد منها أن يقدّم الخيال كحلّ للإشكاليات التي طرحها في الفلم.

بدأ فيلم الأصليين بعد مقولة آينشتاين بمونولوج، هو صوت خارجيّ لرشدي أباظة (خالد الصاوي) يتحدث فيه عن تدجين الدجاج وتسليعه وتجهيزه للاستهلاك، في إشارة لتعرض الإنسان الحديث لهذه المحاولة من التدجين. ويأتي الفلم بعد ذلك في محاولة لشرح الكيفيّة التي يتمّ فيها تدجين الإنسان والتحكم به حتى دون أن يدري والأدوات المستخدمة لذلك، ومحاولة طرح رؤية تخلّص الإنسان من محاولة تدجينه.
يقدم فيلم الأصليين خطوطًا متوازية تحوي ثلاثة طرق رئيسية لمحاولات تدجين الإنسان والتحكم به واستغلاله وتسليعه، وسوف نشرح كلّ طريقة من خلال ما قدمه الفيلم.

الحداثة في فيلم الأصليين

سمير (ماجد الكدواني) محاسب في بنك من عائلة فوق متوسطة من الناحية المادية؛ وهي الطبقة الأكثر تعرضًا للتنميط في العصر الحديث. يستسلم هو وأسرته المكونة من زوجته وابن وابنة لمحاولة التنميط الحداثية، يطرحها الكاتب والمخرج من خلال أساليب الاستهلاك وأسلوب حياتهم. فزوجة سمير (كندة علوش) مدمنة تسوُّق وشراء وتضغط دائمًا على ميزانية الأسرة لشراء شاليه في الساحل الشمالي وعمل عمليات تجميل وتدبيس للمعدة، وتبالغ في طلبات السوبر ماركت، حتى أنّ سمير، في أحد المشاهد، ينبهّها أنّ كمية كبيرة من الطعام تم إلقاؤها بالأمس.

إعلان

تصنع الحداثة للبشر نظامًا يلبّي شهواتهم ويعظمها من خلال أساليب التسويق والمراقبة المباشرة وغير المباشرة. أمّا المراقبة غير المباشرة فمثلًا عن طريق عامل البيتزا الذي يعرف بعض المعلومات عنهم وينقلها للأصليين، كما يقول رشدي أباظة (خالد الصاوي)؛ حيث يمكن معرفة عدد الأفراد في المنزل وبعض رغباتهم وعاداتهم مما يساعد في فهم طرق تفكيرهم. وأمّا المراقبة المباشرة فتتمثّل في تصوير حياة الأفراد عن طريق كاميرات المراقبة أو استخدام كاميرات الهاتف الذكي الشخصي أو كاميرات الكومبيوترات واللابتوب لمراقبة الأشخاص.

قَدَّم مروان حامد مشاهدًا لتأكيد هذه الصورة، مثل مناظر البنايات الحديثة من أعلى والسيارات الفارهة وابنته التي لا تترك الموبايل أبدًا سواء في المنزل أو السيارة أو النادي. وقدّم صورة لآلية الحياة، وكأنّ الإنسان آلة أو نمط متكرّر وتَسهُل من خلال هذا النمط مراقبته والتحكم به. حتى أنهم استعانوا بسمير لمراقبة غيره من خلال جلوسه في غرفة بها شاشات كمبيوتر تمكّنه من متابعة أي شخص من خلال كتابة اسمه على الكمبيوتر. وأبدع مروان حامد هنا في بعض المشاهد، مثل منظرٍ عُلوي لغرفة سمير في العمل، التي تشبه ثقب الباب، وكأنّ ما يقوم به سمير مِن تلصّص على البشر مثل من يقوم بالنظر من ثقب الباب. بالإضافة إلى أنه كان يصوّر سمير دائمًا وكأنه جزء من هذه الشاشات وليس مراقبًا خارجيًا لها فقط.

وبالتالي فإن رشدي أباظة ومن يمثلهم، ويطلقون على أنفسهم الأصليين، هم الرأسمالية المتوحشة. ويقدم الفلم الحلّ في نهاية الفلم للتخلص من هذا الخطّ عن طريق إلقاء الموبايل والخروج للواحات (قطعة أرض تركها له والده)؛ أي الخروج للطبيعة بعيدًا عن المدينة ومشاكلها.

فيلم الأصليين والأديان الإبراهيمية

تمّ تكليف سمير بمراقبة الدكتورة ثريا (منة شلبي). ومع تتابع الأحداث نجد منة شلبي ترمز للآلهة القديمة عندما كانت أنثى. فتلقي بعض الكلمات “أنا القوة وأنا الضعف..” وهي كلمات الإلهة البابلية عشتار، وتسمى عند الإغريق فينوس وعند اليونانيين أفروديت. وعشتار كانت إلهة الجنس والحبّ والجمال والتضحية. كما يحيلُنا دور منة إلى غايا وهي أمّ الأرض وترمز للطبيعة في الأدبيات الحديثة. ويحيلُنا أيضًا إلى ماعت في تاريخنا الفرعوني، وهي إلهة الحق والعدل والنظام، وتشير للحضارة الفرعونية كأول حضارة تؤسّس للضمير.

في هذا الخط نجد رشدي أباظة يمثّل الأديان الإبراهيمية من خلال الأماكن التي يقابل فيها سمير، مثل المسجد والمولد المسيحي، وطريقة تنميط الإنسان كما في الرّقصة الصوفية عندما يدخلون وسط الناس ويرقصون بحركات آلية تكرر نفسها، وكما يقدّم في المولد المسيحي طريقة لإلهاء الناس وتغييبهم، حتى تتمّ معاقبة سمير في هذا المولد لِمخالفته التعليمات دون أن يشعر أحد. والمعاقبة تتم بناءً على وجهة نظر رشدي أباظة، أحد أفراد الأصليين، حتى أنّ أحد أفراد الأصليين الآخرين يحاول الاعتذار له على هذه المعاقبة. ويظهر ارتباط الأصليين بالأديان أكثر من خلال الحوار بين سمير ورشدي أباظه حول مراقبة الله لعباده والثواب والعقاب من منظور الديانات الإبراهيمية.

ومن مساوئ رجال الأديان، كما يوضّحها الفلم، هو الحفاظ على الخرافة وترويجها، مثل “النداهة”، بالرغم من معرفتهم أنها خرافة، وذلك لتخويف البشر للتحكم فيهم. وأيضًا التفريط والاستهانة بالتاريخ وتدميره بسبب فتاوى شاذة مثل التي قدمها رشدى أباظة عندما قال لسمير أنّ تهريب الآثار لا يوجد به خطأ بل من الممكن أن يكون تصرفًا جيدًا.

في مقابل ذلك ينبّه أحمد مراد أنّ أصل الدين والأخلاق والضمير كان في الحضارات القديمة وليس مع الأديان الإبراهيمية التي حاول رجال الدين فيها تشويه الأمور وتنميط الإنسان للسيطرة عليه.

فيلم الأصليين والذكورية

يقوم هذا الخط بإبراز دور الذكورية في التفكير، وتنتج عن التفكير الذكوري أفكار مثل الحداثة واستغلال الدين للمصلحة الشخصية والتضليل وتدمير البيئة، كما أنه يسعى دومًا للسيطرة على الآخرين من خلال مراقبتهم للتحكم فيهم، مثلًا كما حدث مع سمير عندما بدأ بمراقبة أولاده وزوجته بإيعاز من رشدي أباظة، وكان الدافع من هذه المراقبة ليس حلّ مشاكلهم بل مهاجمتهم والتحكم فيهم. ويقدّم، مقابل ذلك، المراقبة النسوية من خلال ثريا وأمه. من خلال ثريا عندما جعلها رمزًا للآلهة القديمة الأنثى وكانت تراقب البشر أيضًا (عين حورس وزهرة اللوتس)، ولكنها تراقب مراقبة عناية وحماية.. ورأينا ذلك من خلال الإلهة جايا التي تحمي الطبيعة والإلهة عشتار،  إلهة الحب والجمال والإلهة ماعت التي قدمت القوانين والضمير والنظام. ومن ناحية أمّه يقدم صورة من المراقبة النسوية من خلال أم سكير (هناء الشوربجي) التي ذكرت موقفًا كان يبكي فيه في الحمام، وتعجّب سمير كيف عرفت أنه كان يبكي، فقالت الأم أنّ الأم تراقب أبناءها لتحميهم وتدفعهم للأمام، وبعد هذه المناقشة أعطته أمه فكرةً تخلّصه من أزمته وانتفض سمير وطلّق زوجته ورمى الموبايل من زجاج السيارة وذهب للواحات بعيدًا عن المدينة، وتخلّص من سيطرة من يسمّون أنفسهم الأصليين وهم ليسوا بأصليين.

وضع أحمد مراد لـ فيلم الأصليين نهاية مفتوحة تتناسب مع الرمزية التي يقدم بها الفلم، ربما خوفًا من مقص الرقيب الفني أو الاجتماعي أو الديني. وكانت النهاية تشير إلى استمرار الصراع بين من يدّعون أنّهم الأصليين وأصحاب البلد وبين الإنسان. ووضع أحمد مراد الحلّ في نهاية الفلم من خلال التخلّص من الخطوط الثلاثة التي قدمناها والاتجاه للطبيعة والعيش فيها. وقدّم مشهد النهاية أيضًا مفتوحًا عندما قابل “سمير” الدكتورة “ثريا” في المطار وتعرّف عليها، وظهر “رشدي أباظة” في الكادر ليشير أنّ الصراع لم ينتهِ وسيظلّ قائمًا.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.