تأخذك إلى أعماق الفكر

هل للعنف علاقة بالمرض النفسي؟

0

“كنت أشعر منذ اللحظة الأولى أن الكشف عن غوامض هذه الجريمة لا يحتاج إلى البحث والتحري عن الشواهد والأدلة الظاهرية، وإنما عن الدلائل الحقيقية الناشئة عن الشخصيات، والكامنة في أسرار القلوب.” أجاثا كريستي.

في البدء نطرح سؤالًا: ما هو الشيء المشترك بين هذه الأفلام (psycho, halloween primal fear, friday the 13th
ستكون الإجابة كالآتي: تصويرها لشخصية مريض نفسي يتسم بـ “العنف” ويقوم بجرائم بشعة.

تمثل هذه الأفلام القاعدة لا الاستثناء لما يقرب 75% من الأفلام التي تدور حول شخصية تعاني مرضًا نفسيًا؛ تصوَّر هذه الشخصية على أنها تتسم بالعدوانيّة الجسديّة بل والميل إلى ارتكاب جرائم مثل القتل.
فبسبب ظاهرة “توافر وسيلة الاسترشاد” وهي ميلُنا إلى الحكم على معدّل وقوع الأحداث عن طريق مقدار السهولة التي نتذكر بها تلك الأحداث، فإن تلك الأفلام تضمن فعليًا أن يفكر العديد من الأفراد في “العنف” كلما سمعوا عبارة “المرض النفسي”. يمكن أن يؤدي هذا المنطق الاستدلالي إلى إيجاد علاقات وهمية بين ظاهرتين، هما في هذه الحالة: المرض النفسي، والعنف.

بالرغم من أن الأبحاث تشير إلى أن النسبة المئوية لحالات القتل المرتكبة بواسطة المرضى النفسيين قد انخفضت على مدار الأربعة عقود الماضية، فمع ذلك لا تتفق اعتقادات عامة الأفراد حول ارتباط المرض النفسي بالعنف مع الأدلة البحثية الكثيرة.

فأغلب الدراسات تقرّ بوجود زيادة طفيفة في احتمال اللجوء للعنف بين الأفراد المصابين بأمراض نفسية شديدة، مثل الفصام والاضطراب ثنائي القطب مثلًا.

إعلان

هنا نحتاج أن نقف لاستيضاح عدة أشياء خاصة بالعنف.
ونقتبس جزءًا من رسالة فرويد لأينشتاين -نصوغ به نسقًا صلبًا  لهذا الأمر.

“يلجأ الناس إلى استخدام العنف بغية حلِّ النزاعات فيما بينهم حول مصالح معينة. وهذا ينطبق على مملكة الحيوان كلِّها، تلك التي لا يستطيع الإنسان فَصْلَ نفسه عنها. لكن مما لا شكَّ فيه أنه، بالنسبة إلى الإنسان، تحدث أيضًا صراعاتٌ في الرأي، صراعات قد تصل إلى أعلى درجات التجرد، وتبدو وكأنها تقتضي أسلوبًا آخر لحلِّها. بيد أن ذلك تعقيد يأتي فيما بعد. فمنذ البداية، كانت القوة العضلية المتفوقة هي التي تقرر، بين أفراد جماعة بشرية صغيرة، لِمَن تعود ملكية الأشياء أو مَن ينبغي أن يسيطر. هذه القوة العضلية لَحِقَ بها سريعًا، وحلَّ محلَّها، استخدامُ الأدوات: غدا الفائز مَن يملك السلاح الأفضل، أو مَن يستخدمه استخدامًا أبرع. ومنذ اللحظة التي دخل فيها السلاحُ عالم الإنسان، بدأ التفوق الفكري تقريبًا يحلُّ محلَّ القوة العضلية البهيمية؛ لكن غاية القتال النهائية بقيت هي ذاتها: أن يُجبَر هذا الطرفُ أو ذاك على التخلِّي عن دعواه أو اعتراضه، وذلك بإيقاع الضرر به وتحطيم قوته. وكانت تلك الغاية تتحقق على أتم وجه إذا ما استطاع عنف المنتصر أن يقضي على خصمه قضاءً مبرمًا، أي أن يقتله. فلهذا العمل ميزتان: أولاهما أنه لن يستطيع تجديد مقاومته، والثانية أن مصيره يمنع الآخرين من احتذاء مثاله. زِدْ على ذلك أن قتل الخصم يُرضي ميلًا غريزيًّا -الغريزة التدميرية-. فنيَّة القتل يمكن لفكرة أخرى أن تقابلها، هي أن الخصم يمكن أن يُستخدَم لتأدية خدمات مفيدة إذا ما أُبْقِيَ على قيد الحياة وفي حالة شديدة من الضعف والذعر. في هذه الحالة، يقنع عنف المنتصر بإخضاع الخصم بدلًا من قتله. وهذه هي البداية الأولى لفكرة الإبقاء على حياة الخصم. لكنْ، فيما بعد، تعيَّن على المنتصر أن يأخذ في حسبانه تعطُّش الخصم المنهزم إلى الانتقام وأن يضحِّي بشيء من أمانه ،هكذا إذن، هذه هي الحالة الأصلية للأشياء: السيادة لِمَن يمتلك القوة الأكبر، السيادة للقوة الوحشيِّة أو للعنف الذي يدعمه التفكير”.

ومن هنا نستطيع استخراج عدة أشياء منها تعريف العنف فنقول إن العنف هو تعبيرٌ عن القوة الجسديِّة التي تصدر ضد النفس أو ضد أي شخص آخر بصورةٍ متعمدة.
أو إرغام الفرد على إتيان هذا الفعل نتيجة لشعوره بالألم بسبب ما تعرَّض له من أذى. ويستخدم العنف في جميع أنحاء العالم كأداة للتأثير على الآخرين.

يتخذ العنف عدة أشكال منها:

-الإيذاء البدنيِّ: 

وهو نوعٌ من أنواع السلوك المتعمد الذي ينتج عنه ضرر جسديٌّ سواء للإنسان أو الحيوان (كالضرب أو الحرق أو الخنق أو الحبس أو الربط)، أو أي أعمال أخرى غير مباشرة من الممكن أن تسبب في حدوث ضرر (كعدم توفير العلاج له أو إيقافه عنه، أو عدم إعطائه غذاءً كافيًا أو تسميمه) وهذا يؤثر على النفس بشكل كبير ويُمارَس من قبل العائلة أو الأزواج أو الأطفال.. إلخ.

-الإيذاء النفسيِّ:

اختلفت التسميات حول مفهوم هذا النوع من الإيذاء، فهناك من يطلق عليه الإيذاء النفسيّ، أو الإيذاء العاطفيّ. ويشير البعض إلى أن الإيذاء النفسيّ يتضمن التهديد أو التخويف أو الإيذاء اللفظي أو المطالبة بالقيام بأشياء غير واقعية أو جنسية أو بجرح مشاعره ومعايرته، ويُعرِّف بعض الأساتذة الإيذاءَ النفسي بأنه “أيُّ سلوك أو عمل متعمد، يصدر من قبل أحد الوالدين أو كليهما أو الآخرين المحيطين بالفرد أو من غرباء، تجاه الفرد، ويتسبب في إحداث أي نوع من أنواع الضرر والأذى للفرد، وذلك باتباع الأساليب التي تسبب ألمًا نفسيًا كالسخرية منه، أو إهماله، أو نبذه، أو تهديده، أو تخويفه، أو توجيه العبارات الجارحة له، أو معاملته معاملة سيئة، أو التفرقة بينه وبين إخوته مثلًا أو حرمانه من العطف والمحبة والحنان، إلى غير ذلك من الأعمال التي تتسبب في الأذى النفسيِّ للمرء كنتيجة لها.

وللأشخاص العدوانيين عدة خصال أهمها -أو يمكن القول أنها خصال سطحية يمكن ملاحظتها ولا تحتاج لعين خبير- وهي:
ارتفاع معدلات الشك والغيرة؛ تقلبات مزاجية مفاجئة وعنيفة؛ وانعدام ضبط النفس؛ مع معدلات تفوق النسب المتوسطة في قبول العنف والعدوان عندما يحدث أمامه. ونضيف على هذا أن الرجال المعادين للمجتمع يقومون بشكلين متباينين من أشكال العدوان بين
الأشخاص (أحدهما ضد الغرباء، والآخر ضد زوجاتهم مثلًا أو أحد أفراد الأسرة). بينما على الجانب الآخر نجد أنه نادرًا ما تمارس النساء المعاديات للمجتمع عدوانيتهنّ على غير الأفراد المقربين جدًا منهم، أي لا يمارسن عدوانيتهنّ على الغرباء.

وهنا نصل لنقطة أخرى تعتبر جوهرية فيما يتعلق بالعنف ألا وهي أسبابه التي سنذكر بعضها:

  • قد يكون هناك عنف داخل الأسرة من ضرب وشتم وتحقير سواء أكان له أو لغيره من أفراد أسرته مما يؤثر سلبًا على هذا الشخص الذي يتولد عنده مثل هذا العنف الذي قد يبحث عن مكان خارج البيت لينفس فيه عما يجول بخاطره وفكره.
  • الثقافة التي ينشرها الإعلام لها دور صارخ، وفي رأيي الشخصي هي سبب لهذا العنف، فإعلامنا لا يبث برامج توعية ولا يبث برامج تنمي لدى الفرد روح المبادرة والإيثار والحث على العمل التطوعي ولا يخصص برامج تنمي روح التفكير والإبداع لدى جيل الشباب الذي يمثل شريحة كبيرة وواسعة من المجتمع، ناهيك عن الأفلام، والمسلسلات البرامج التي لا تعطي القيم ولا تحث على غرس الفضيلة والنزاهة، وأما عن الأغاني التي تمجد القبيلة وتحث على العصبية وتؤثر الإقليمية.
  • ضعف الفهم للدين وهذا من ضمن الأسباب، فقد يكون هناك ضلال في فهم الشاب كما في بعض الجماعات المتطرفة والتي تتخذ من العنف وسيلة للتعبير عن أفكارها وآرائها.

فيقول فولتير في مثل هذا الشأن:

“إن العنف المسعور الذي يدفع إليه العقل اللاهوتي المغلق، والغلو في الدين المسيحي المُساءِ فهمه، قد تسببا في سفك الدماء وفي إنزال الكوارث بألمانيا، وبإنجلترا، بل حتى بهولندا، بقدرٍ لا يقل عما حدث في فرنسا. ولكن على عكس واقع الحال في فرنسا، فإن تباين الأديان ما عاد اليوم يؤدي إلى حدوث اضطرابات وقلاقل في تلك الأقطار. فاليهودي، الكاثوليكي، والأرثوذكسي، واللوثري، والكالفاني، وداعي تجديد المعمودية، والسوسيني، والمينوني، والمورافي، وسواهم، غدوا يعيشون بتآخٍ في تلك الأقطار، ويساهمون على قدم من المساواة في خدمة مجتمعهم”.

  • قلة الوعي بالأساليب المناسبة للتعامل مع المواقف، ووقوع الظلم على بعض الأشخاص يجعلهم أكثر عنفًا وعدوانيةً.
    وعند تلك النقطة نرجع للمرض النفسي؛ فنجد أن أغلب الدراسات توضح الآتي:

أن الأفراد المصابين بالذهان ويعانون من الضلالات -الأوهام البارانويدية؛ أي اعتقاد المريض الزائف بأن وكالة المخابرات تتعقبه مثلًا واضطرابات إدمان المواد المخدرة والمرضى الذين يعانون من هلاوس سمعية آمرة (وهي أصوات تأمر الشخص بارتكاب فعل ما مثل القتل)؛ معرضون لزيادة احتمال الميل للعنف.

ومع ذلك تشير التقديرات إلى أن 90% أو يزيد قليلًا من الأفراد المصابين بأمراض نفسية خطيرة لا يقدمون على ارتكاب أفعال عنيفة!

وانطلاقًا من تلك الدراسات يمكننا أن نضع نسبة 3:5% من جرائم العنف سببها المرض النفسي الحاد.

ومن المحزن أنه بالرغم من وجود هذا الكم من الدراسات العلمية فإن وسائل الإعلام تصر على رسم صورة للمريض النفسي بأنه يشكل تهديدًا للآخرين، وعلى ربط الجرائم بالمرض النفسي. وفي حقيقة الأمر، الأفراد المصابون باضطرابات نفسية حادة هم ضحايا أكثر من كونهم مرتكبي أحداث عنيفة.. هم من يتعرضون للعنف -بشكل شبه مستمر- من قِبل أفراد المجتمع سواء كان هذا العنف يتخذ شكل ضرب أو استغلال جنسي أو إهمال أو تنمر.. إلخ، وذلك بسبب قدراتهم العقلية الضعيفة وقدراتهم النفسية المتهالكة.

وهناك زاوية نتجاهلها حتى أصبحنا لا نعترف بوجودها وهي زاوية المريض نفسه، فلو تخيلنا للحظة مريض الزهايمر وهو يرى أناسًا أغرابًا عنه لا يتذكرهم لا يتذكر نفسه حتى ماذا عساه أن يفعل؟ يتوتر، يسب ويلعن من الخوف بالطبع.
أو مريض الذهان يعاني من هلاوس سمعية وبصرية بل وشمية يسمع أصواتًا، يرى أشخاصًا ليسوا موجودين ويشم روائح كذلك. يعيش في عالم موازٍ يختلط مع الواقع. ماذا عساه أن يفعل أيضًا عندما يحاول شخص ما أن يقنعه أن هذا غير حقيقي مثلًا؟ سيكسر شيئًا أمامه، يصرخ؛ أعتقد أن الهدوء هو آخر شيء سيحافظ عليه.

في النهاية، نقول أن الإنسان عدواني بطبيعته ولا يمكن تقليل آثار تلك العدوانية أو التحكم فيها إلا بالوعي وحدَه.

“إذا قلت إن العنف في السينما لا يعجبك فإن هذا لا يختلف عن كونك لا تحب مشاهد الرقص. العنف جزء من بنية هذا العالم” -كوينتين تارنتينو

فريق الإعداد

إعداد: مي المغربي

تدقيق لغوي: ندى حمدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...