تأخذك إلى أعماق الفكر

تحفة عميد الأدب العربي الروائية: عقدة “أديب”

نعم عزيزي القارئ … “أديب”، وليس “أوديب” سوفوكل، الذي تناوله مؤسس مدرسة التحليل النفسي سيجموند فرويد. و رواية أديب (1935) رواية قصيرة، لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، لم تحظ إلى يومنا هذا بالتناول النقدي الذي تستحقه. فقد كُتِبَت المئات من المقالات عن إسهامات طه حسين الفريدة والمتنوعة في النقد والفكر والترجمة، وما زالت سيرته الذاتية “الأيام” من أهم الكتب العربية التي صدرت في القرن العشرين.

شهدت الرواية العربية إنجازات متميزة لعبقريات فَذَّة، كنجيب محفوظ وجمال الغيطاني وبهاء طاهر مثلًا، فتتناول الرواية –فيما أَعُدُّه سَبْقًا– إشكالية طالب العلم العربي أو المصري، عضو البعثة التعليمية، عند التقائه مع حضارة غربية، ومحاولته الاندماج فيها أو التكيف معها، طالبًا العلم، ومجابهًا ثقافة غير مألوفة له، بل وغريبة عنه، بإيقاع لم يعهده من قبل وأسلوب حياة وفلسفة ما كان ليتوقعها.

يُسجِّل طه حسين في هذا العمل الريادي المُستمَد من تجربته الشخصية كطالب من أعماق ريف مصر، محاولتَه جاهدًا أن يتفهم هذا العالم المُعقَّد “المتقدم”، الذي يضطر إلى معايشته وقبول تحدياته، دون أن يبتلعه. وقد تناول هذه الإشكالية كبار كتاب الرواية والقصة القصيرة من العرب، من أمثال توفيق الحكيم في “عصفور من الشرق”، ويحيى حقي في “قنديل أم هاشم”، و”موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح، وأخيرًا وليس آخرًا، بهاء طاهر في “الحب في المنفى”.

تتمحور رواية أديب حول شخصية طالب علم لم يتجاوز الثلاثينيات، يمتاز بالذكاء الحاد، مولع بالأدب، ويسعى دائمًا لاكتساب المزيد من العلم، فيواظب على حضور محاضرات الجامعة الوليدة، تمامًا مثل الراوي، الذي يماثله في الكثير من الصفات، وتجمعهما صداقة فريدة، أُهِّل الراوي ليكون شاهدًا على سيرة هذا البطل، الذي نراه من منظور يجمع بين الصداقة والإشفاق، وإن اختلف عنه تمامًا في المزاج وفلسفة الحياة الأكثر تواضعًا، والأقل تطرفًا في طلب العلم، وارتباطه بأرض الوطن، وإدراكه لأهمية الدور الذي ارتضاه، عندما قرر استكمال دراسته العليا بعالم التمدن والتنوير ما وراء البحار.

وقد لا نحسن صنعًا إن اعتبرنا أن الراوي هو المؤلف طه حسين ذاته، على الرغم من التشابه البيِّن بينهما. ونتذكر دائمًا أن الراوي ذاته شخصية روائية، تلعب دورًا حيويًا وأساسيًا في حياة أديب، مدركًا لأهم العناصر المأساوية التي ينفرد بها البطل.

إعلان

في تناوله للبطل المأساوي في “البويتيقة”، يعرّف أرسطو المأساة على أنها أنها تصوير لسقوط شخصية بطولية من علياءٍ شاهِق، بسبب نقطة ضعف لا يستطيع البطل منها فكاكًا، فتودي بحياته بعد صراع مرير مع الأقدار. وكان أرسطو قد اتخذ من الملك أوديب النموذج المثالي للبطل المأساوي، الملك الذي قاده غروره، وقدرته في الماضي على إنقاذ طيبة من الوحش الأسطوري الذي كان يتهددها، في بحثه البائس عن سر مقتل الملك السابق لايوس، زوج الملكة جوكاستا، ليفاجَأ بأن قاتل أبيه وزوج أمه لم يكن غير الملك المغرور عينه. ولعل أعظم ترجمة لهذه المسرحية الكلاسيكية كانت بقلم طه حسين ذاته.

وقد اختار المؤلف لـ “رواية أديب” أسلوبًا أدبيًّا حديثًا، يقترب من تيار الوعي -وإن لم يتطابق معه- عن طريق مراسلات كاشفة بين بطله أديب وراوي الرواية. وقد اقترب هذا الأسلوب كثيرًا من روايات كلٍّ من هنري جيمس ووليام فولكنر، وهما من أهم رواد التحديث في الفن الروائي في اللغة الإنجليزية خلال النصف الأول من القرن العشرين. كما ركز عميد الأدب العربي في تصويره للسقوط المأساوي لبطل روايته على أسلوب يقارب التحليل النفسي لفهم دوافع سقوط أديب المأسوي ومراحله في سلاسة وحنكة، لعله أول من أدخلها لكتابة النثر العربي.

ويصف الراوي بطل روايته قائلًا: “كان قبيح الشكل، نابي الصورة، تقتحمه العين ولا تكاد تثبت فيه، وكان إلى القصر أقرب منه إلى الطول، وكان على قصره عريضًا ضخم الأطراف مرتبكها كأنما سُوِّيَ على عجل” (ص 9)[1]. انعكس هذا القبح الظاهري والدمامة على السمات النفسية، فكان أديب شخصًا عدوانيًّا، جهير الصوت، لا يأبه لنقد ناقد، أو مجاملة فرد أو جماعة. ويحكي الراوي أنه وأصدقاءه وزملاءه بالجامعة، كانوا ينخرون من ضجه وضجيجه، بالذات داخل قاعات المحاضرات التي كانوا لا يقربونها إلا بتواضعٍ جَمٍّ، محرابًا للثقافة والعلم. وكان أديب لا يتورع عن القهقهة بصوت عالٍ في قاعات الدرس، بل ولا يأبه مطلقًا بمشاعر الأستاذ المحاضر مهما كان.

كان أديب -إضافة إلى ذلك- مغاليًا متطرفًا في كل ما يَعِنُّ له، فكان يشارك الراوي كل تحفظاته عن الأزهر الذي كان طالبًا فيه، بل وتعدى هذا النقد إلى السخرية اللاذعة من أساتذته وطلابه على وجه سواء. أما الذي جمع الراوي بأديب، فقد كان إعجابه بذكاء الأخير، وعشقه للشعراء من المحدثين والأقدمين، وقدرته الفائقة على التحصيل والاستذكار، فيصف الراوي صداقته لأديب على الرغم من تحفظاته التي ذكرناها قائلًا: “وهو رغم هذا كله كان أحب الناس إليّ، وأكرمهم عليّ، وآثرهم عندي، وأحسنهم مسلكًا إلى نفسي، ومنزلًا من قلبي؛ كان يزورني فأنصرف إليه عن كل شيء وأقضي معه الساعات” (ص 10).

كما كان أديب متطرفًا مغاليًا في طلب العلم، فما أن يبدأ في قراءة كتاب أو مبحث علمي، حتى يأتي عليه كاملًا، وإن كلفه ذلك السهر لساعات طويلة، على الرغم من التزاماته كموظف بالديوان الحكوميّ. ونشأت الصداقة بين الرفيقين، إذن، على حب العلم وطلب المعرفة، على الرغم من أنها كلفت الراوي جهدًا ليس باليسير، ونقاشات لا تنتهي مع هذا الباحث الفريد. وكان أديب مسرفًا في غذائه ومشربه، كما كان مسرفًا في كل شيء، إذ كان يطلب إبريقًا من الشاي بدلًا من الاكتفاء بكوب، ليبقى يقظًا قادرًا على استيعاب المزيد.

ويمكننا مقارنة جوع أديب ونهمه للمعرفة ببطل مسرحية كريستوفر مارلو “دكتور فاوست”. فكان د. فاوست في مسرحية مارلو طبيبًا حاذقًا، وعالمًا فذًّا، درس اللاهوت، وتلقى التقدير والإعجاب من تلاميذه بالجامعة. إلا أن شغف فاوست بالمعرفة لم يكن ليعرف له حدًّا، وطاقت نفسه للمعرفة المحرمة عن طريق السحر، ووصلت إلى التضحية بروحه للشيطان مفيستوفيليس، نظير فتح آفاق حُرِّمَت على البشر، مما أدى إلى سقطته المدوية في غياهب الجحيم.

شارك بطل طه حسين فاوست ذلك النهم اللامتناهي للمعرفة (insatiable hunger)، وحلم بتحقيقه لحلمه المستحيل بالسفر إلى فرنسا، التي كانت قد أمست مصدر إلهامه الشيطاني، وجنة المعرفة المنشودة. وشارك الراوي، مثلما رأينا، “أديب” افتنانه بالأدب، وسعيه الحثيث لاستكمال دراسته، وإن تطلب ذلك الحج إلى عاصمة النور ما وراء البحار. فبينما تبرم الراوي من جمود الدراسة بالأزهر، ورفضه للأخذ بأفرع العلم الحديثة، إلا أنه أظهر امتنانًا للشيخ محمد عبده، رائد التجديد بالجامعة العتيقة.

انتمى الراوي وبطله إلى ذات الأصول الريفية، وقد اختلطا سويًا بنفس الشخصيات من الرجال والنساء الذين يقطنون القرية، ويستمتعان بذات المعالم الطبيعية من حديقة غَنَّاء مجاورة لمياة النهر المتدفقة. كما شارك أديب صديقَهُ الضِّيقَ بحديث الريف الساذج، وتقاليده العتيقة، وضيق آفاقه الفكرية. إلا أن فرقًا واضحًا يميز لنا نظرة كل منهما إلى مهد طفولته، وأرض آباءه وأجداده.

لم يكن أديب يرى في القرية سوى سجن كبير، يحول بينه وبين تطلعاته الأدبية والفكرية. بل ولم يكن يرى في أهرامات مصر الخالدة، وهرم خوفو بالتحديد، إلا بناءً عملاقًا يجثو على صدره، ويكاد أن يحرمه من التنفس. واعتقد في نزوحه إلى فرنسا طريقًا لانطلاقه إلى الحرية، وانفلاتًا من القبر إلى الهواء الطلق، فيقول: “اذهب إلى الأهرام .. وانفذ إلى أعماق الهرم الكبير، فستضيق فيه بالحياة وستضيق بك الحياة، وستحس اختناقًا وسيتصبب جسمك عرقًا، وسيخيل إليك أنك تحمل ثقل هذا البناء العظيم وأنه يكاد يهلكك، ثم اخرج من أعماق هذا الهرم واستقبل الهواء الطلق الخفيف، واعلم بعد ذلك أن الحياة في مصر هي الحياة في أعماق الهرم، وأن الحياة في باريس هي الحياة بعد أن تخرج من هذه الأعماق” (ص 89).

كتب طه حسين في دراسته لإشكالية الثقافة ومستقبل التربية والتعليم في مصر، مرجعًا في منتهى الأهمية، وإن استنكره عند ظهوره الكثير من المفكرين والنقاد. فرأى طه حسين أن مصر تنتمي حضاريًا إلى حوض البحر المتوسط، الذي شهد تأثير الحضارة الفرعونية القديمة علميًا وفلسفيًا، في الحضارة الإغريقية القديمة التي تجلت في كتابات مؤرخها العظيم هيرودوت، ومفكرها الرياضي فيثاغورث، وأعظم فلاسفتها أفلاطون. وبالمثل، فقد تأثرت الحضارة المصرية عن طريق فتح الإسكندر الأكبر لمصر -وهو تلميذ أرسطو- في حوار حضاري متصل الحلقات إلى يومنا هذا.

أما أديب في روايتنا تلك، فلم يكن قادرًا على استيعاب مثل هذا المفهوم السامي، ولم يدرك إطلاقًا استحالة شخصنة الحضارات، ولم يفقه أن الحضارة الغربية في أوروبا وفرنسا على وجه التحديد، جاءت نتيجة تراكم فكري امتد منذ عصر النهضة إلى عصر التنوير، وانتهى إلى ثورة فرنسية عظيمة، آمنت بالمساواة والأخوَّة والحرية، وضمنت للمواطن حريات دستورية وشخصية. بالإضافة إلى أن أديبًا لم يكن ليفقه أن السبب الحقيقي وراء التخلف الذي طالما كان يشكو منه، إنما كان النتيجة الطبيعية للسبات الحضاريّ لعدة قرون، وأن المسئول الأول عن هذا الجمود (المماثل للخمول الفكري لأوروبا أثناء القرون الوسطى) هو الحكم العثماني.

وسارع بطل الرواية، بمجرد الإعلان عن بعثة إلى فرنسا، فكان من أول المتقدمين لنيلها، وما كان من الصعوبة على أديب اجتياز جميع اختبارات الجامعة المصرية لاختيار بعثتها التعليمية إلى فرنسا. وبذلك أصبح أديب قاب قوسين أو أدنى من تحقيق حلمه بالحج إلى مدينة النور، التي كان يظن واهمًا أنها الطريق الأوحد لتحقيق كل ما كان يحلم به من مجد شخصي وتفوق فكريّ.

وآمن أديب إيمانًا راسخًا بأن الشمس لا تشرق إلا من الغرب، على الرغم من تناقض تلك المقولة مع أبسط قواعد المنطق واللغة، بل لعله لم يدرك بعبقريته الفذة أن الشمس تشرق على الشرق والغرب جميعًا، وأن الأمل الذي حدا بالجامعة لإرسال بعثات علمية إلى فرنسا كان يصدر عن إيمان بحتمية التطور والضرورة لاكتساب وسائله وأسبابه.

لم يعلم القائمون على البعثة -ولا الكثير من زملاء أديب وأصدقائه- بأن سرًا خطيرًا كان يهدد حلمه الكبير. فقد كانت الجامعة تشترط ألا يكون طالب البعثة متزوجًا أو مسؤولًا عن أسرة، بما قد يعنيه ذلك من عدم التفرغ التام للتحصيل والدراسة بالخارج. ويفاجأ القارئ -تمامًا كما فوجئ الراوي- باعتراف أديب بأنه كان بالفعل متزوجًا من حميدة، تلك المرأة الريفية البسيطة التي قبلته على كل عِلَّاته، ورضيت به زوجًا على الرغم من فظاظته وانشغاله تمامًا عنها بطموحاته ودراساته دون أي تقدير أو مساندة.

أما فهيمة -خطيبة البطل الرسمية منذ الطفولة- فكانت قد رفضت الارتباط به لدمامته، بل وثارت وتحدت مشيئة والديها في مجتمع محافظ، كان يرى أن من واجب المرأة الامتثال لإرادة وليّ أمرها، والمجتمع الريفي المحافظ الذي تعيش فيه: “جهرت [فهيمة] بالرفض جهرًا وأعلنت الإباء إعلانًا، وخرجت في ذلك عما هو مألوف من أمثالها من فتيات الأسر في الريف، فنبت على أمها نبوًّا وامتنعت عن أبيها امتناعًا، وأعلنت أنها تؤثر الموت على أن تكون زوجًا لهذا الشاب الدميم” (ص 73).

لا شك أن رفض فهيمة كان من أهم مصادر إحباط أديب، وقبوله بالارتباط بحميدة، التي قرر تطليقها والانفصال عنها نهائيًّا، دون أن تقترف ذنبًا أو ينال منها أية إساءة. ولعل قراره بالانفصال عن حميدة لا يعكس عقوقًا فحسب، بل تجاوز ذلك إلى نهم لممارسة ألوانٍ من الفسق والمجون، تقدمها باريس لكل من أراد إليها سبيلًا، دون أية تحفظات من تقاليد أو شرف، فاعتقد أنه بانفصاله عن حميدة قد تحرر منها إلى الأبد.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: عصام الدين فتوح

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: جميل سليمان

تدقيق علمي: دينا سعد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.