تأخذك إلى أعماق الفكر

ماذا لو لم تسافر جوخة إلى إدنبرة؟

“الأجسام السماوية” أو “سيدات القمر” ربما سمعت عن هذين الاسمين أو أحديهما، بل وربما قرأت الرواية التي تحمل الاسمين أو بالأحرى النسخة الأصلية منها سيدات القمر. ولمَ لا وهي الرواية الأشهر هذا العام فهي الرواية العربية الأولى التي تحصل على جائزة المان بوكر الدولية.

جوخة الحارثي مؤلفة الرواية هي كاتبة وأكاديمية عُمانية. تعلمت في عُمان والمملكة المتحدة. حصلت على الدكتوراه في الأدب العربي الكلاسيكي من جامعة أدنبرة، وتعمل حاليًا أستاذة مساعدة بقسم اللغة العربية بجامعة السلطان قابوس. وتعد رواية سيدات القمر سادس عمل أدبي لها، وثالث رواية حيث نشرت قبلها ثلاث مجموعات قصصية وروايتين هما “منامات” و”نارنجة” التي حصدت بها جائزة السلطان قابوس للرواية سنة 2016.

ورواية سيدات القمر ليست رواية جديدة كتبت أو نشرت بالأمس القريب حيث إن الطبعة الأولى منها صدرت عن دار الآداب ببيروت عام 2011 أي منذ تسع سنوات، أما الطبعة الثانية فصدرت هذا العام متزامنة مع الترجمة الإنجليزية. والجدير بالذكر أن جوخة قد أتت إلى ملتقى القاهرة الدولي للإبداع الروائي العربي ومع ذلك لم نسمع شيئًا عن هذه الرواية التي لم تكن قد حصدت البوكر بعد.

ترجمت رواية سيدات القمر لجوخة الحارثي من قبل المستعربة المخضرمة الدكتور مارلين بوث التي تخرجت بامتياز من جامعة هارفارد وحصلت على الدكتوراه في الأدب العربي وتاريخ الشرق الأوسط من جامعة أكسفورد. وقامت بالتدريس في عدة جامعات كان من ضمنها جامعة إدنبرة حيث التقت هناك لأول مرة طالبة الدكتوراه العمانية جوخة الحارثي. وهذه الترجمة ليست الأولى لمارلين لأعمال عربية فقد ترجمت العديد من الأعمال العربية لحسن داود وإلياس خوري وعالية ممدوح وهدى بركات ولطيفة الزيات ونوال السعداوي وآخرين.

وقد لعبت ترجمة مارلين للرواية -والتي من الواضح حتى من عنوان الرواية المترجمة “الأجسام السماوية” أنها كانت ترجمة بتصرف كبير من قبل المترجمة- دورًا محوريًا في حصد الجائزة حيث قالت بريتني هيوز، رئيس التحكيم في مان بوكر لعام 2019، خلال حفل توزيع الجوائز في لندن: “ترجمة مارلين بوث دقيقة وغنائية، وتنسج في إيقاعات الشعر والكلام اليومي”. وأضافت: “شعرنا أننا نصل إلى الأفكار والخبرات التي لا يتم تقديمها عادة باللغة الإنجليزية”.

إعلان

في سيدات القمر تأخذنا جوخة إلى هناك

في رواية سيدات القمر تأخذنا جوخة إلى هناك حيث العوافي العمانية في الفترة من مطلع القرن العشرين حتى مطلع القرن الحادي والعشرين، لنستكشف عوالم جديدة على قدمها ورسوخها فعالم سيدات القمر هو مزيج جميل بين الماضي البعيد وبدايات الحاضر. بين القدم والحداثة، بين المادية والروحانية، بين الرضوخ والتمرد. هذا هو الـ”هناك ” الذي ستذهب إليه لو أنك قررت أن تبحر في صفحات الرواية إلى عمان وبالتحديد إلى بلدة (العوافي).

السرد واللغة

استخدمت جوخة طرق سرد متنوعة لترسم هذا العالم فما بين الراوي العليم وما بين ضمير المتكلّم الذي أنطقت به شخوصها ظهرت العوافي بتفاصيلها الدقيقة. ولم تهتم جوخة كثيرًا بالتحاذق بالكلمات لإظهار مهارات لغوية فاستخدمت لغة بعيدة عن التعقيد وأدخلت فيها بعض المصطلحات والأمثال المحلية التي ساعدتها في رسم البيئة.

البيئة وتفاصيلها بين الماضي والحداثة

وهناك في العوافي نتعرف على البيئة والتضاريس والمناخ والعادات والتقاليد التي تغير بعضها بفعل الحداثة مثل هجرتهم إلى البساتين في أيام الحر الشديدة أو الطريقة التي كانت تلد بها النساء قديمًا. نتعرف على تقاليد الولادة والوفاة والأعراس بتجهيزاتها. ولم يقف الأمر هنا فنحن نتعرف أيضًا على الحياة الاقتصادية ازدهارها وانحسارها، وعلى طبيعية هذا المجتمع في أيام الحادثات والكروب فيما ذكر على لسان “منين المسكين” عندما جاء السيل وكادوا يموتون لولا التاجر سليمان الذي فتح داره للناس. وعلى طبقات المجتمع ما بين السادة والعبيد وما بينهما. ولم يفوت جوخة أن تعبر بنا في عالم هؤلاء العبيد ومن أين أتوا وكيف؟ وحتى إلى خلجات نفسهم المتضاربة والمختلفة باختلاف الأشخاص ففي الوقت التي تظهر فيه (ظريفة) ممتنة إلى حد كبير كونها من عبيد التاجر سليمان نجد أن زوجها (حبيب وولدها سنجر) ضجّا بإحساس العبودية وطاقا أن يكونا حرّيْن.

شخصيات حية

خلقت جوخة في روايتها شخوصًا مكتملي البنية من الناحية النفسية والشكلية والاجتماعية وجاءت تصرفات كل منهم متسقة مع بنيته، ولذلك لا تستطيع أن تكره أحدهم حتى أبشعهم في السلوكيات لأن هناك وعيًا ولد لديك كقارىْ بالظروف التي دفعته لذلك.

ليست نسوية بل ثورية

الكثير من النقاد حين تناولوا رواية سيدات القمر تناولوها من منطلق أنها رواية نسوية ولم أستطع أن أفهم لماذا صنفوها باعتبارها رواية نسوية، هل لأن الكاتبة امرأة أم لأن بطلات الرواية من النساء؟ وبالأساس ما معنى أن ننعت رواية بأنها نسوية؟ هل الرواية النسوية هي تلك التي تناقش مشكلات النساء، أم هي التي تنتصر لهن؟ أم هي التي يكتبها نساء؟ ما هو مفهوم الرواية النسوية على وجه الدقة؟ وإن كنت هناك روايات نسوية فهل ثمة روايات ذكورية؟

رواية سيدات القمر ليست رواية نسوية على الإطلاق -على الأقل من منظوري- فهي رواية تنتصر للتمرد وليس لتمرد النساء على وجه الخصوص هي تنتصر أيضًا لتمرد العبيد (حبيب وسنجر)، ولتمرد الرجال أيضًا عزان الذي تمرد على زواجه من امرأة أجبرت على الزواج منه بعلاقته بنجية القمر التي تمردت على مجتمعها بعلاقتها بعزان، وعندها الشديد لتشفي أخيها المريض الذي يئس منه الجميع حتى شفي.

وخالد بن عيسى المهاجر زوج أسماء الذي تمرد بلوحاتة على تصور أبيه للحياة ووضع فيها تصوره هو، وتمرد أسماء التي رفضت أن تنصهر وتذوب في عالم خالد. وتمرد ناصر بتمسكه بالحداثة وبالعالم الجديد في كندا ومحاولة التنصل من عالمه القديم وحتى من حب خولة التي انتظرته طويلًا. وتمرد خولة بأن طلبت الطلاق من حبيبها الوحيد الذي هجرها لأكثر من عشر سنوات بعد أن عاد إليها بعشر سنوات أخرى. وتمرد ميا التي أسمت ابنتها لندن، وتمرد لندن التي أصرت على الزواج من حبيبها الأقل منها في المستوى الاجتماعي. وتمرد سنجر على أمه وعلى مجتمعة بالاسم الذي أعطاه لابنته ثم بسفره مع زوجته شنة إلى الكويت وتمرد شنة على ماضي أمها الذليل بهجرها لها. ففي النهاية هي رواية تحاول الانتصار للمتمردين أو بمعنى أدق لمحاولات التمرد سواء الناجحة منها أو التي باءت بالفشل وليس للنساء.

أما على مستوى التعاطف الإنساني فأنت كما ستتعاطف مع النساء (سالمة وبناتها ميا وأسماء وخولة) ومع ظريفة وعنكبوتة وحتى مع نجية القمر، فأنت أيضًا لن تستطيع إلا أن تتعاطف مع عبد الله ولد سليمان الذي ماتت عنه أمه طفلًا وعامله أبوه بقسوة طيلة حياته وتجاهلته حبيته ميا التي عشقها حد الجنون فلم تخبره يوما أنها تحبه، لأنها على الأرجح لم تحبه يومًا. ومع عزان الباحث عن ذاته التي لم يجدها في سالمة ولا في نجية. فعلى أي أساس يمكننا تصنيف الرواية على أنها نسوية؟

اقرأ أيضًا: الحركة النسوية: رحلة في 5 كتب

جوخة في النص

يمكننا أن نجد جوخة في الرواية من خلال كلاسيكيات الشعر العربي للمتنبي وأبو نواس وابن الرومي وغيرهم من شعراء العرب الفطاحل، وكذلك من خلال الشاعر العماني أبي مسلم البهلاني الذي ذكره خالد بن عيسى المهاجر. وأيضًا في طريقة وصفها لكتب أسماء وما تحويه، والهوامش والحواشي وغيرها مما لا يعرفه غير الذي مر على المخطوطات وأمهات الكتب.

ماذا لو تجد نصوصنا غريبًا ليحلق بها؟

بعد فوز سيدات القمر بالجائزة انبرى الجميع في الكتابة عن النص الأصلي الذي عاش بيننا تسع سنوات فلم يلتفت إلية أحد حتى المشتغلين بالنقد الأدبي، والمثير للدهشة أن ما من أحد من أولئك المتخصصين وبعضهم ضليع في اللغة الإنجليزية قرأ النسخة المترجمة (أجسام سماوية) وقدم لنا عنها أي مقال نقدي أو مقارن يقارن فيه بين النص الأصلي والنسخة المترجمة لنستطيع أن ندرك ما إذا كانت جوخة استطاعت بنصها الأصلي سيدات القمر من اغتنام جائزة البوكر أم أن نص أجسام سماوية هو الذي فعل؟

إن كان نص سيدات القمر بالجودة التي تمكنه من حصد مثل تلك الجائزة وقد بقي بيننا نحن أهل اللغة الأصليين تسع سنوات فلم نلحظه حتى، فهذا ذنب لا يمكن اغتفاره. وإن كان الأجانب أقدر منا على فهم لغتنا والشعور ببيئتنا فهذا قبح فينا. وفي هذه الحالة سيظهر لدينا سؤال ماذا لو لم تسافر جوخة إلى إدنبرة وتتعرف على مارلين هناك؟ ماذا كان سيكون مصير هذا النص؟ كم نص مثله أو يفوقة مدفون بيننا ولم يجد غريبًا يحلق به إلى القمر؟أما إن كان كل هذا الاحتفاء هو مجرد انسياق منا في تيار الجائزة الشهيرة وأن الرواية الأصلية على جودتها العالية لا تستحق كل ذلك وهناك ما هو أفضل منها لكنه لم يصادف ذلك الغريب الذي يمكنه أن يحلق به إلى هناك فذلك إحدى آفات حاراتنا.

نرشح لك: مرتفعات وذرينج: قراءةٌ في الجمالِ الخَشِنْ

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.