تأخذك إلى أعماق الفكر

رواية التحوّل لفرانز كافكا كما يقرأها نيتشه والمسيح، عندما تتحوّل العائلة والقارئ

رغم أنّها تعدُّ قصة طويلة أو رواية قصيرة، لكن سنشير إلى هذه القطعة الأدبيّة بكلمة رواية، ولا أعلم إذا ما كان يجوز نعتها كذلك بالرعب فهي لا تقدم لنا أشباحًا بل تفاصيل واقعيّة نفسيّة ستشعرك ربما بالذعر، ظلام سيلفك منذ الكلمات الأولى التي تنهال على إثرها بعض من التساؤلات المحيّرة.
فهل يمكن لعقلك مثلًا أن يتحمل فكرة الاستيقاظ يومًا متحولًا إلى مخلوق آخذا صورة حشرة؟
أم روحك وهي ترى جسدك ينزوي وحيدًا في الغرفة منهكًا ومجروحًا؟
حيث الجميع يفر منك بعد أن يرمقك بنظرات تقزز ونفور، وربما ينتظرون موتك، وحيث لا تستطيع المشي كما كنت وذلك كان أبسط شيء يفعله الجميع، يُقدَّم لك الأكل كل يوم في غرفة محبوسًا هناك كسفاح حكم عليه بالمؤبد وتتدهور فيه حالتك وأنت تجهل ما سيحدث في الأيام القادمة. هل سينتهي الأمر على يد الموت أم ترجع كما كنت آدميًا من جديد؟ أم تعيش بشكل جديد مع أفراد سيتقبلونك؟
ما هي التغيرات التي ستطرأ عليك وهل ستؤثر في الآخرين؟ كان هذا السؤال الأخير هو أهم ما في هذا النص الأدبي الذي سيُسرَد باختصار حسب طريقتنا، ويُقدَم له من وحينا قراءتين خيالتين لنيتشه والمسيح من منظوريهما الفلسفيّ واللاهوتيّ حسبما ارتأينا، مع تفكيك هذا التحوّل.

في هذه الأسرة المجهدة، المرهقة بالأشغال من ذا الذي كان له الوقت للاهتمام بغريغور؟
-التحوّل،فرانز كافكا (1)

التحوّل

-البدايات:
استيقظ غريغور ذات يوم من نومه ليجد نفسه قد صار حشرة، ذاك الإنسان حسن التقويم كما يخيل إلينا، كان قد وجد نفسه على شاكلة مخلوق غامض من صنف الحشرات رغم كل وعيه وذكرياته التي بقيت مثل الأطعمة المعلّبة سالمةً، إنّ غريغور الآن في وضع قد يبدو أسوأ من وضع رجل فيكتور هوغو أحدب نوتردام بمسافات بعيدة.
لقد كان التحول عنوانًا برواية كافكا بترجمة عربية من منشورات الجمل رأت أنّ هذا العنوان هو أنسب وأدّق من كلمات أخرى مثل المسخ أو الانمساخ فغريغور لم تمسخه ساحرة شريرة ولا لعنة حلّت عليه ولا حتى غضب إله عنيف. (2)
لقد كان نائمٍا كما أيّ شخص ليجد نفسه عند استيقاظه على الشكل الذي أشرنا إليه. أليس هذا محض عبثٍ أم حقيقة علينا الإقرار بها منذ الكلمات الأولى للرواية حتى يتسنى لنا بذلك رؤية آثارها الجانبيّة مستقبلًا؟
بطن منتفخ بخطوط مقوّسة وظهر قاسي كالمعدن وقوائم نحيفة لا تكاد تناسب شكله الجديد. كان هذا هو ما صار عليه غريغور، وأثناء تلك اللحظات لم يجد بدًا في ضرورة النوم كأفضل حل لمأزقه، كما كان يعتقد بأنّ ذلك مجرد تخيلات فحسب يرافقه رشح، لكنّه كحقيقة قد صار حشرة وبهذا فلم يعد النوم على الجانب الأيمن يسعفه كما كان وكما رغب فالحشرات لا تنام على جنبها على الأقل كما أعتقِد.
ورغم إدراك غريغور ما حصل فنحن نجده منزعجًا، ليس من هيئته أو عدم قدرته على النوم بل من عمله المنهك الذي يتذمر منه في صورة يُخيل إليك وكأنّ منظره لا يهمه على الإطلاق بل يهمنا نحن، نحن من نفكر به الآن وليس غريغور، فهل هذا ما أراده كافكا من ذلك؟
يفكر غريغور مجددًا حول عمله، الشغل الذي سيحول شكل صاحبه بينهما، بعد أن بقي فيه لخمس سنوات كاملة لم يتغيب فيها إطلاقا وهو التاجر المتنقل فيه. وأثناء تفكيره العملي هذا يمكن لأيّ قارئ أن يلعن كافكا لهذا ويتساءل في صخب “أما يهم هذه الشخصية غير العمل؟”. وبسبب العمل ربما أو تبعات شكله لم يتفطن غريغور لصوت المنبه على ما جعله يفوت موعد القطار مرتين، لكنها الآن الساعة السابعة إلا ربع ولم يغادر مخدعه أيضًا، وأثناء ذلك يحاول غريغور النهوض من السرير الذي كان مرهقا عليه فما بالك بالمسير.
كان يجاهد في مغامرة السرير قبل مجيء السابعة والربع والتي ربما سيأتي فيها موظف من العمل يستفسر عن تفويته القطار وقد أتى فعلًا في تلك الدقائق مدير الشركة، وحينذاك لم يجد غريغور طريقة إلا في الخروج بسرعة مرتميًا على الأرض بعد ارتطامه بالسرير وإصابته.
يدور حوار بين العائلة ومدير الشركة الحاضر وغريغور وراء باب غرفته من دون فتح الباب الذي تعود على قفله كل ليلة، إنّ المشكلة الآن هو غياب غريغور عن العمل ،تبدو وكأنها مشكلة وجوديّة متعلقة به، فلماذا فوّت موعد قطاره؟ هل هو مريض؟ لما لا يتحدث عن السبب؟ ولما لا يفتح الباب لمدير الشركة؟ ناهيك عن بكاء أخته غريتا وذعرها من فكرة طرد شقيقها من عمله الشيء الذي ستنهك الأسرة بتسديد الديون لرب عمل غريغور وبأزمة مالية تقصم ظهورهم.
-التحوّل الفعليّ:
يبدو كل شيء إذن متعلق بعائلة غريغور خاصة أنّ حالة الابن المجهولة بالنسبة لهم تعد من أسباب كل هذا القلق. وعند ذلك يمسك المسيّر أطراف الحوار ويوجه كلمات قاسية لابنهم يؤنبه على صمته ثم يتوغل في الحديث عن عمله ونشاطه الأخير الذي يصفه بالضعف وغريغور يصغي بصمت، “هذا العمل اللعين مجددًا”. أقول أنا والقارئ.
يدافع غريغور عن نفسه لكن لا أحد يفهم ما يخرج من فمه بسبب ما صار عليه، فالكلمات تنهمر بشكل مشوّه وناقص وغامض، أما المسيّر فيخاطب العائلة قائلًا: “لقد كان ذلك صوت حيوان”. (3)
إنّ حل هذه الورطة إذن لن يكون إلا باحضار طبيب كما رأت الأم، بينما رأى الأب الحازم ضرورة إحضار فاتح أقفال، فالحشرة لا يمكنها فتح الباب كما أعلم وغريغور الآن حشرة، لكنه رغم ذلك ليس بحشرة، ولو كان قفل باب صعب عليه جدًا إلا أنّه استطاع فتحه في الأخير بعد أن أذى فكه من دون إحضار الرجلين. فهل حقًا هو حشرة الآن، حشرة تستطيع فتح الأقفال!
وبعد لحظة من خروجه وسط تعجب الجميع خاطب غريغور في تلك اللحظة المسيّر حول رغبته في اللحاق بالعمل وكأنّ المشكلة الآن عمليّة وهي كذلك عند بطل كافكا.
كانت كلماته غير مفهومة مجددًا، كما لم يصغي إليه حتى المسيّر الذي فرّ هاربًا، ولا أحد الآن غير غريغور من تدور في ذهنه أفكار العمل، ويبقى غريغور مع العائلة المذعورة من تحوّله المرعب هذا والتي أقحمته مباشرة بعد فترة وجيزة من خروجه إلى غرفته مجددًا بعد دهشة ممزوجة بالخوف، على يد الأب الذي أذى جسد ابنه وهو يحشره فيها.
وفي الأيام التي لحقت بتحوّله المفاجئ، لم يكن بوسع أي أحد وقتها التجرأ على دخول غرفة غريغور باستثناء أخته التي كانت تهتم به، وبغرفته مع تغيّر في تصرفات العائلة التي أصبحت هادئة على عكس ما كانت، وتغير روتينها وما كانت تفعل سابقا، كما لم يغب عن لسانهم موضوع الابن وتم تسريح خادمة المنزل وجلب خادمة غير مقيمة بسبب مشكلتهم الماديّة ورجوع الأب إلى العمل كعامل في البنك، إنّه وضع محرج حقًا لأجل تسديد الدين لرب عمله الذي كان يدين له به بعد إفلاس مؤسسة الأسرة منذ خمس سنوات، وإلى حد هذه اللحظة لا يزال الشغل الشاغل لغريغور هذا الموضوع، بحيث كان يقضي يومه في الإصغاء إلى عائلته ومراقبة ما يحدث في المنزل. فلا يزال لدى الأب مثلًا مبلغ مخبأ من السنوات السابقة لكن هو متروك للمستقبل فقط احتياطًا، والحل هو العمل من جديد وتغيير حياتهم من اقتصاد في النفقة ونبذ الملابس المكلفة والحليّ التي تمتعت بها نساء البيت.
كما أنّه وأثناء ذلك كان قد لاحظ غريغور تغير ميوله نحو الطعام بما في ذلك ذوقه الذي بات يفضل الأطعمة الفاسدة وهجر الحليب الذي كان يحبه مع اشتهاء وتوق غريب لطعام مجهول ظل يلازمه، ناهيك عن متعة كان يجدها في تسلّق الجدران وتحكمه بجسده الحشري لكن مع خفوت نظره، فما الذي تغير فيه عدا هذه الأمور التافهة. لا شيء إطلاقا. فهل نحن البشر معَدون لفقدان انسانيتنا بمجرد اختلافنا عن الآخر؟
كانت أخته هي المسؤولة عنه رغم اشمئزازها منه فلم تكن حتى تستطيع رؤيته أما هو فقد كان يفهم و يخبئ نفسه تحت الأريكة. وكم كان الأمر مربكًا له في أحد الأيام التي قررت فيها تفريغ غرفته من الأثاث حتى يتسنى له تسلّق الجدران بارتياح وقتها. لكن ما في الأمر إلا انتهاكًا له ولتاريخه البشريّ. فهل يمكن أن يفقد فيها غريغور إنسانيته؟ وهو يرى غرفته تفرغ من أثاثه، ماضيه الذي كان يعيش معه داخل الغرفة منذ أيام دراسته وذاته وبسبب هذا التهديد وفي حركة سريعة ستكتب له بقاء ذكرياته وهويته لم يجد غريغور بدًا إلا أن يلتصق بإطار صورة كانت معلّقة على الحائط كآخر شيء في الغرفة حتى لا تمس، كما أنّه ولسوء حظه تلقى في نفس اليوم عنفًا مُوّجهًا له من والده نتيجة تركه غرفته تحت وطأة اقتحام الأخت والأم لها، حين رماه الأب بعدها بأعداد من فاكهة التفاح ظلت إحداها مغروسة في جسده.
كما تم تغيير الخادمة الثانية وجلب خادمة أخرى قوية الجسد ومتسلّطة، وقد اكتشفت غريغور في غرفته حيث صار ساكنا أكثر وقابعًا في مكانه بسبب جروحه وحيث كانت تزعجه هذه الخادمة بدخولها غرفته وبكلماتها كل يوم مثل مناداته بكلمات “اقترب قليلا يا خنفس الروث”. (4) ومعاملته كحشرة.
-النهايات:
لا أود من هذا العنوان القول بأنّ التحوّل سيختفي، إنّه تحول آخر يبشر بأوضاع جديدة لا غير لكل فرد في العائلة بما في ذلك غريغور الذي وجد غريتا، تلك الأخت التي كان يحبها وكان يخطط لأجل إلحاقها بأحد المعاهد الموسيقية لعزف الكمان كما كانت تريد وإعلامها بذلك لولا ما حدث له، كانت قد قررت أن تعمل كبائعة مع والدتها التي أصبحت تخيط الملابس. ما جعلها يوما بعد يوم تهمله بل وتمل من وجوده.
وما جعل الأمر أسوأ في خضم كل هذا قدوم مستأجرين صارمين تم معاملتهم كأسياد والمبالغة في إعلاء شانهم. الشيء الذي سارع في تحويل غرفته إلى مكان ترمى فيه الأثاث القديم أو غير مستعمل في غرف المستأجرين من دون أن يكتشفوا غريغور.
وجاء اليوم الذي انطلق فيه لأول مرة صوت كمان في البيت، حيث كان مصدر ذلك من كمان غريتا وموسيقاها التي أعجبت المستأجرين لكن مؤقتا فقط فسرعان ما شعروا بالملل عكس غريغور الذي كان سعيدا بها إلى آخر نهاية، تلك النهاية التي تجعل غريغور بارك غرفته و يتقدم إلى غرفة الجلوس ليصغي أكثر لعزف أخته لكن رؤيته كانت صادمة المستأجرين الذين قرروا الذهاب وعدم دفع المال لقاء بقاءهم في البيت بل الشكوى بعائلتهم.
لقد أفسد غريغور كل شيء بعدما كان الوضع فاسدًا مسبقًا، قالت الأخت مكتفية “أنا لا أريد أمام هذا الوحش أن أتلفظ باسم أخي لذا أكتفي بأن أقول علينا التخلص”. (5)
كما لم تجد الأسرة أيّ حل باستثناء تكرار كلمات تعبر عن تمنياتهم في إدراك غريغور لما يقولونه وما يعانونه. فعائلة غريغور لم تكن تدرك أنّ ابنهم يفهم كلماتهم وقد فعل وأدرك أنه ما من حل إلا بموته لإنقاذهم ونيل رضاهم. لقد كان جسده هزيلًا ومريضًا جدًا وذو جروح كذلك، حيث في تلك الليلة عاد إلى مكانه بعد أن انهكه الزحف والدوران مرات عديدة لأجل دخول الغرفة التي سارعت شقيقته إلى قفل بابها بعنف شديد، كان ذلك آخر صوت سمعه غريغور، باب يغلق بشدة يظهر غضبا مسلّطا عليه، وجوع يلاصق جسده، ورغم هذا شعر غريغور بالارتياح رغم الألم وهناك لفظ آخر أنفاسه، وكانت الموسيقى هي القطرة التي أفاضت كأس تحول بطل كافكا.
“تعالوا لتروا ما وقع ، لقد نفق، إنّه هناك على الأرض نافق تمامًا”. (6) كانت هذه أولى كلمات الصباح من خادمة المنزل للعائلة، فبإمكانها أخيرًا أن ترتاح، حيث نجد أفرادها قد شكروا الرب راسمين بذلك اشارة صليب وكأنّهم تخلّصوا من شيطان كان يرمي لعناته عليهم، قبل أن يجتمعوا في أحد الغرف ويذرفوا الدموع على ابنهم، تم طرد المستأجرين بعد ذلك وخرجت العائلة وقتها لنزهة، وأثناءها كان الوالدان يوجهان نظرات إعجاب لغريتا التي تكبر يومًا بعد يوم وتزداد نشاطًا وحيوية، لقد رأيا فيها شابة قد وصلت إلى عمر الزواج الذين هم في حاجة إليه، رجل يحملها ويحمل عائلتها كما كان غريغور يفعل! إنّها البطل الجديد.

هناك من لم يوفق في الحياة: في قلبه دودة سامة تنخره، فليعمل إذًا على أن يكون أكثر توفيقًا في مماته.
-فريدريك نيتشه (7)

نيتشه يقرأ كافكا

كان بودي من نيتشه قراءة رواية التحول التي كتِبت تقريبًا قبل سنة [1913م] ونُشرت سنة [1915م] لولا أنّ الحياة لم تفارقه قبل ذلك، لهذا أرغب باختلاق قصة يكون نيتشه قارئها ويقرأ رواية كافكا، أنا أتخيل نيتشه وعدة تساؤلات سأرميها في المقال تلف لا عقله فحسب بل جسده.
فهل يمكن مثلا لمحبة الأم أن تتعلق بمجرد شكل خارجيّ أم هي أعمق من مجرد غريزة بيولوجيّة أو عاطفة اجتماعية حتميّة، أمومة مطلقة تتحدى الأشكال المشوّهة وتدوس على كل تنميط للمظهر الإنسانيّ وسلطة مفاهيميّة تتحكم في تعاملنا مع الغير. وكيف نشرح الإنسان أمزيج من مادة بشريّة وذات لا يمكن فصلهما؟ أم كل الإنسانية تكمن في الأنا نفسها حتى لو أصبحنا على شاكلة حيوانات وعفاريت ألف ليلة؟.
هذا إذا اعتبرنا وجود الأنا من أساسه كما ينكرها نيتشه على الأقل كما قدِمت إلينا مع الذات. (8) فما هو الحب حقًا؟ هذا الحب الذي لم نجده في هذه الرواية نقيًّا مثله مثل الأمومة، حب ملوثٌ وناقصٌ يحب الراحة والجاه والمظهر الآدميّ أما الأبوّة التي تحتل مرتبةً أقل من الأمومة ولا أوّد إهانتها فهي الأخرى في شكلها الجديد في التحوّل أكثر صرامة وقساوة، ولنتحدث عن الأخوة التي تتأرجح دوما بين دفتين، تتناقض وتمزّق نفسها ووجودها كآخر حدث عظيم. فالأخت لا تريد أن تنطق اسم أخيها أمام الوحش بلسانها متقمصة بذلك روحها مع روح الأم والأب في جملة واحدة تنذر باكتفائهم من غريغور بل وبموت غريغور وبقاء مجرد وحش قابع في غرفته يحمل اسمه وإنكار كونه هو مع علمهم بأنّه هو/هو.
ربما سيستبدل نيتشه مقولته “موت الإله“. (9) وينادي بموت غريغور، نعم لقد قتلوه بنكرانه وإزاحته عنهم ومعاملته كشيء خارج نطاق الإنسان وفي النهاية سيموت غريغور لتحيا عائلته.
حتى اللّغة ستستحوذ على نيتشه هنا، هذا الأخير الذي كان يراها دومًا تتماشى مع السلطة التي تتحكم بها وبنا. (10) تكرّس لثنائيات الخير والشر، تحقير الآخر، وإلباس المرء شخصية تتماشى مع بلده وهويّته.
سيسعد محطم الأصنام من دون شكّ إذن وهو يرى في غريغور كائنا لا يقدر على التحدث بها والتخاطب مع عائلته التي هي بدورها تظنّه قد أضحى غير مدرك لمعنى أي حرف من كلماتهم. لا يوجد معرفة، لا يوجد اتصال فلا يوجد أي زيف إذن.
لاحظنا كذلك في أنّه ما من إرادة هنا. ولا حتى إرادة حرة كان يرفضها نيتشه ويراها مدعاة للكذب ومبررًا لمعاقبة الإنسان على ما اختار. (11) فرغم ما حاولت الأسرة بذله في سبيل الاستمرار في الحياة بعد هذا التحوّل إلا أنّ شيء أعظم من الإرادة كانت تقهرها على مواصلة ذلك فالحياة تجبرنا على فعل أشياء لاإراديًّا، إنّ كافكا ينكل بالإرادة إذن وبكل قيّم الأسرة التي تدّعي الصدق والإنسانيّة.
ربما سيلحظ نيتشه كذلك غرائز العائلة تتصارع من دون إمكانية تصالحها حيث تغلب واحدة على أخرى، لتحقق إرادة الاقتدار التي تجسد الصحة والنمو متخلّصةً بذلك من غريغور الذي كان أيام مجده أشبه بتابع وعبد يخدم أسياده -والديه- أما الآن، وإضافة إلى ضعفه في الماضي فهو أضعف، كما قد صار منبوذًا و معيقًا لهما ولو كانت أخلاقه لا تزال نفسها أخلاق العبيد الارتكاسيّة.
أما مرض غريغور والجروح التي بجسده فربما سيدركها الفيلسوف الألمانيّ الذي كان يشكو من آلام جسديّة عديدة وأمراض أرهقته، كم كان هذا الأخير يرفض قابلية أن يكون عالة على الآخرين مثله مثل غريغور فهو يقول: تلك الصرامة مع النفس التي جعلتني أرفض أن أكون مكفولًا ومخدومًا ومطبَبًا. (12) وربما كان سيشفق على غريغور ولو كان يحتقر “الشفقة” ويراها من أخلاق العبيد. (13)
لقد كان غريغور يتناول الطعام مثله مثل أي شخص غير أنّ نظامه الغذائيّ قد تغيّر بعد تحوله وصيامه عن عدة أطعمة، وتركِ نفسه للجوع مرات عديدة وقد اهتمت الرواية بموضوع الطعام ومعدة غريغور بصفة بالغة.
أما نيتشه فقد تحدث لنا عن التغذية في آخر كتبه، وما يحب من الطعام، لقد قال أنه كان يتناول الطعام بشكل غير صحيّ لسنوات قبل أن تتغير عاداته الغذائيّة ويبتعد عن عدة مأكولات وأطعمة. (14) أو ليس بالأمر تشابه؟
إنّ غريغور الأخ المسيحيّ التقليديّ كان محبًا للعمل لأجل أسرته رغم صعوبته عليه و نفوره منه، وللمسيطرين عليه إلا أنّه كان راضيًا بالركض وراءه ومن خلال الركض وراء العمل هو يفعل كذلك مع عائلته كعبدٍ لهم.
هذا الإنتاج العمليّ الذي أفرزته الحداثة التي احتقرها نيتشه وكان ناقدًا لها. (15)
يقول نيتشه: “نبجِّل ونرثي الشاب الذي أضنى نفسه في العمل.. وهكذا إذن، نحزن على ضياع هذا اليافع ليس عليه هو بالذات ولكن لأنّ وفاته حرمت المجتمع من أداة متفانية ودون مراعاة خاصة من إنسان خدوم مزعوم”، وكذلك يقول عن إيثار النفس الذي يجده في ذاته رغم فكره النقدي: “إنّ حب ذوي القربى والعيش من أجل خدمة الآخرين… إنها الحالة الاستثنائية الوحيدة التي انتصرُ فيها خلافًا للقاعدة ولقناعاتي إلى الغرائز الغيرانية إنّها هنا تخدم إيثار النفس”. (16)
سيتذكر نيتشه شقيقته إليزابيث التي كانت تعتني به في آخر أيام حياته حين كان عليلًا ومريضًا، وإقدامها رغم ذلك على تعديل كتاباته فكان نتيجة ذلك أن قدِم بمثابة عراب للنازيّة وملهم أتباعها. (17) كان يمكن أن يرى نيتشه غريغور كما أراه قد خاض الذي خاضه فها هي شقيقة غريغور التي رعته في البداية واعتنت به قد خذلته متخلّية بذلك عنه، فهل نيتشه هو غريغور أيضا؟
نيتشه الذي كان منذ أيام طفولته طفلًا حسن السلوك مطيعًا للجميع وللقوانين بشكل صادم وكأنّه رجل بالغ. الطفل الصغير الذي تمنحه والدته قصاصةً ورقية بأهم القواعد التي ينبغي فعلها وعدم فعلها مثل رسالتها هذه: “احرص على أخذ مظلتك في حال أمطرت… وإذا حصل وتبللت، قم بتبديل ملابسك فور عودتك إلى المنزل” و كذلك: “احمل هذه الصفحة معك وضعها في مكتبك واقرأها بين حين لآخر.. هذه هي قواعد السلوك”. (18) ألا يمكن أن يوازي في ذلك غريغور المطيع لعائلته والوديع قبل وحتى بعد تحوله؟
ولكن، ودومًا توجد -لكن- على ما يبدو وكأننا نصر على الثنائيات المتضادة دومًا، رغم حب غريغور لشقيقته إلا أنّ أسرته قد قامت قوائمها ربما على تسلّط الذكر ومركزه المهم في العائلة منذ أولى الخطوات التي خطاها رب الأسرة.
أما كان هذا سيعجب نيتشه الذي يوصم أحيانا بالميسوجينيّة أو حساسيته من المرأة سواء كان ذلك سوء فهم أم حقيقة أم أنّه مجددًا سيقف ضد هذه العائلة ويصيح: لا أحد منكم يفهم فلسفتي أيّها الحمقى.
أما شخصية الأب الذي صوِّر بمنظر قاسٍ ومع ذلك خصصت لشخصيته الرواية حصة كبيرة من الحديث عن تعبه وإرهاقه ومعاناته بسبب الذي حصل، فأؤكد عن يقين من دون أن أحب اليقينيات شفقة نيتشه على هذا الرجل الصارم وهو يقرأ معاناته، وهو -نيتشه- الفيلسوف والشاعر الذي كان يحب والده ويحترمه لدرجة لا يمكن تصورها على حساب والدته وأخته. (19)
فلا أظن إذن أنّ علينا قراءة نيتشه أو أفكار ما بعد الحداثة وهو عرابها إذا كنا نود تحطيم القيّم السائدة، قراءة واحدة لرواية كافكا ستجعلنا نهزأ بكل ما قدَم لنا بل ونشكّك ونتخوف من عائلاتنا ومن أجسادنا أيضا. سيفتح نيتشه فاها ويقول عن كافكا: لقد تغلب عليّ اللعين. لقد دمر البشر، ليس القيم فحسب.

ادخلوا من الباب الضيق، لأنّه واسع ورحب الطريق الذي يؤدي إلى الهلاك.
-يسوع المسيح (20)

المسيح يقرأ كافكا

المسيح، عدو نيتشه، ذاك الرجل المؤمن السماويّ الذي تحدّاه الرجل الملحد الأرضيّ -نيتشه- ، لَكَم وددت لو قرأ هذه الرواية باللغة العبرية أو الآرامية ولما لا تكون اليونانيّة فالرب يعرف جميع اللغات. لكنّه الآن قد مضى على صلبه أكثر من 2000 سنة، وهو فوق، على يمين الأب، فهل يمكن للسماء أن تقرأ الكتب كما يفعل سكان الأرض؟
لقد حلّ المسيح وهو الكلمة في جسد مولود من مريم العذراء، في جسدٍ كُتِب له فقط، لكن ليس جسده الحقيقيّ مثلما كان غريغور قد وجد نفسه في جسد غير الذي كان به ولو بالأمر اختلاف؛ فالمسيح هو الكلمة الذي لا ينتعل أي جسد مدنّس، لكن على الأقل سيستطيع تقدير شعور غريغور وما تعرض له في محنته تلك.
لم يعبأ المسيح بجسده البشري الضعيف وتواضعه ذاك الذي أنزله إلينا متخليا عن مجده، فهو قد: “أخلى ذاته آخذا صورة عبد صائرا في شَبَه الناس”. (21) لقد حافظ رغم ذلك على طبيعته اللاهوتيّة وقدرته، فاللاهوت كان يعمل فيه مثلما كانت تعمل ذات ووعي غريغور البشريّ في جسده الجديد.
لقد كان المسيح نجارًا وكان غريغور بائعاً، لقد كان المسيح متنقلًا ينشر كلمته ومعجزاته مجانًا وكان غريغور كذلك يبيع السلع متجوّلّاً لأجل أسرته.
أقول لو كان المسيح حاضرًا بيننا لنصح كل يهوديّ وأمميّ، عاقلًا أو مجنونًا بقراءة رواية التحوّل أو سماعها على الأقل. فلا أحد يحبك حقًا سوى الله، هذا ما سيقوله، أما البطل فهو مخلص العائلة والشخص الذي سيرى فيه المسيح شيئًا من اللاهوت يعمل فيه، ولا يمكن بتاتًا أن يكون منا نحن الخطاة الناقصين؛ “فالجميع زاغوا وفسدوا”. (22)
سيتغاضى المسيح أثناء مطالعته لكافكا عن ارتجاج القيّم والتشكّك من الأمومة وسيهم بالقول أنّ الحب المطلق فقط نابع من اللاهوت، ولا أحد يستطيع تحمل التعب ومسؤولية أحد غيره هو فلا بأس بما فعلته العائلة.
فالمسيح نزل من السماء من فرط محبته وسعيه للمصالحة بيننا وبينه. ثم أليست هذه طبيعة الخليقة الخاطئة والناقصة؟ وما العائلة إلا بشر من آدم وفساده فيهم.
ورغم الجسد الذي كان به فقد ظل يواصل نشر كلمته ورسالته بل هو الكلمة والإنجيل الحقيقي الذي له قَدَمان، لم يعبأ المسيح بشيء، وكان ذلك نفس الأمر الذي فعله غريغور في محاولةٍ لإسعاف أسرته كما كان يفعل دوما متناسيًا حالة شكله وجراحه حتى لحظة موته.
لن يعبأ المسيح بالأبوة البشرية أساسًا فهو الله الظاهر في الجسد المولود من امرأة لا من أب، وأنّ الأب الحقيقي والكامل هو الله فقط.
كما بوسعه كذلك تقدير ما كانت تبذله غريتا وهو يراها تخدم أخاها مثل والدته مريم أو مريم المجدلية مع مريم أخت لعازر وأختها مرثا.
لكنه ربما سيتذكر تذمرها منه أو وصفه بالوحش وصفقها الباب بعنف ويردد مكررًا كلماته التي قيلت يومًا على الجبل: “أما أنا فأقول أنّ كل من يغضب على أخيه باطلًا، يكون مستوجب الحكم”. (23)
إنّ الأخوة التي ذكرها المسيح بكافة أشكالها حتى عديمة النسّب، فهل سيرى أنّ غضب غريتا، الأخت الحقيقية بالدم، له ما يُبرره، أم أنّه قد بُني على باطل؟ كون أخاها لم يفعل شيء غير الاستيقاظ على هيئة حشرة في أحد الصباحات.
أو هل سيتجسّد له حين يصل إلى خذلان شقيقها، يهوذا الإسخريوطي؟ تلميذ المسيح الذي خذله وسلّمه إلى الجنود، (24) أم أقول الرسول بطرس الذي ادعى عدم معرفته بمعلّمه خوفا من اعتقاله. (25) -سرعان ما ندم هذا الأخير من شدة حبه الصادق للمسيح يتعقبه ويرجع لدعوته- إنّي من دون شك لا أرى في غريتا غير يهوذا آخر في جسد امرأة وربما هذا ما سيراه المسيح، لقد تركه الجميع بمن فيهم شقيقته الوحيدة.
ربما كذلك سيقول المسيح أنّ غريغور لم يمت كما تخيلوا بل سيقوم في اليوم الثالث ويصعد على يمين الآب مثله حتى وقت الدينونة، وسيعجبه لو كان قد استخدم بعض كلمات كافكا في عظة الجبل. سيتهيأ للمسيح عودة آدم آخر جديد، آدم الذي تناول التفاحة التي منحتها له حواء وعوقب. نجد روحه الخاطئة دخلت غريغور الذي انغرست الفاكهة في جسده الجريح بعد هروبه من أخته ووالدته. وحتى المسيح كان آدم جديد يخطط لمسح آثار خطيئة آدم الأول.
سيقول المسيح وهو يرى غريغور الصامت الهادئ والمطيع وهو يتناول الأطعمة الفاسدة أنّه “ليس ما يدخل الفم ما ينجس الإنسان بل ما يخرج من الفم… ما يخرج من الفم فمن القلب يصدر وذاك ما ينجس الإنسان لأنّ من القلب تخرج أفكار شريرة… هذه هي التي تنجس الإنسان”. (26)
المسيح الذي كان يترك نفسه لساعات جائعًا وعطشًا ولا يملأ بطنه بكل ما يشتهي الإنسان، (27) بل يعيش مكتفيًا، مهتمًا بأحوال اليهود والأمم وتلامذته، المسيح الذي صام عن الطعام في التجربة، (28) والمتجول الذي كان بإمكانه أن يحول الحجارة إلى خبز ويضاعف الطعام لنفسه فقط لكنه لم يفعل “فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”، كما قال. (29)
ألم يكن غريغور مثله يأكل قليلًا ويترك أيضًا نفسه للجوع مفكرًا في أمر أسرته أكثر من ذاته. فهو قد نفق وهو جائع لذلك الطعام الذي كان يجهل كنهه وكان يتوق إليه، طعام أو رمز أراد كافكا أرساله إلى لاوعي كل قارئ منا.
أما المسيح فمات وهو عطشان، (30) عطشان إلى الماء بجسده الملتهب الذي يؤكد جراحه واحتراقه ذبيحة لأجل عبيده، وعطشان روحيًا إلى خلاص البشر وقبولهم به. (31)
لقد كان الجليليّ يعلم أنّهم لن يسقوه ماءً، فهو القائل في المزمور حين كان يهوي: “وفي عطشي يسقونني خلًا”. (32) ومات من دون شرب الماء كما لم يأكل غريغور طعامه الغامض ذاك، غريغور الذي احتقروه بوصفه حشرة ونفروا منه بل تعرض لعنف وأذى، أما كان المسيح مثله وهو القائل في المزمور قبل تجسّده: “أما أنا فدودة لا إنسان، عار عند البشر ومُحتَقر عند الشعب”. (33) فكلاهما ماتا وهما يريدان شيئا بعد أن نالا سخطً واحتقارا من الناس الذين أرادوا وكتبوا لهم الموت.
توفي غريغور بعد أن أراد ذلك كحِلّ لمساعدة أسرته في الساعة الثالثة صباحا بعد أن “استمر في حال من السكينة إلى أن أعلنت ساعة البرج الثالثة ثم هوى رأسه رغما عنه ومن منخريه انطلق في وهن آخر أنفاسه”. (34) أما السيد المسيح فتوفي أثناء الساعة الثالثة* ظهرًا (35) و“قال: قد أكمل”. كما سكب المسيح لنفسه الموت بإراداته بعد أن “نكس رأسه” و“سلَّم الروح” (36)
مقابل المسيح الكلمة الخالق والناطق العاقل، سنجد غريغور الأخرس لكن العاقل على الأقل، فليس لغريغور كلمات كي يفهمه البشر، فحتى كلامه وإشاراته غير مفهومة للحشرات مثله ربما، إنّه يفتقد إلى الكلمات الحكيمة أو حتى الكلمات السخيفة لكن على الأقل سيجد المسيح وعيه وصمته كنزًا يسمح له بدخول الملكوت.
سيتذكر ربما ما ورد في سفر أيوب بأنّه يا “ليتكم تصمتون صمتا فيكون ذلك لكم حكمة”. (37) فكم من مرة صمت المسيح والعذراء لما رأوا في ذلك كل الحكمة “فالقديسون الذين أتقنوا الصمت ومنهم العذراء، صمتوا مع أنّ كلامهم منفعة ونحن كثيرا ما نتكلم ولا منفعة من كلامنا بل قد يعثر وقد يضر”. (38)
ثم ألم يقل الوحي بلسان بولس الناطق به: “لأنّه مكتوب سأبيد حكمة الحكماء وأرفض فهم الفهماء”. (39) أو قوله أيضا: “وأنا لما أتيت لكم أيها الاخوة أتيت ليس بسموِّ الكلام والحكمة، كلامي وكرازتي لم يكونا لكلام الخدمة الإنسانيّة المُقنِع بل ببرهان الروح والقوة”. (40)
كما أنّ غريغور يصغي للأسرة دوما والإصغاء وليس السمع فحسب شيء طلبه المسيح وكان يمتهنه “فمن له أذنان للسمع فليسمع”. (41) فهو نفسه الذي قال: من أجل هذا أكلمهم بأمثال إلا أنّهم مبصرين لا يبصرون وسامعون لا يسمعون. (42)
لم تسمع أسرة غريغور له ولا حتى أبصرته وهي تبصره، وهذا ما كان يحدث مع المسيح “فقلب هذا الشعب قد غلظ وآذانهم قد ثقل سماعها وغمضوا عيونهم لئلا يبصروا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم”. (43)
هل كان غريغور محبا للمال؟ لم يحب غريغور المال إلا في كونه يساعد أسرته، أما المسيح فلربما سنجده يلوم نمط حياة هذه العائلة البرجوازيّة ويعيب عليها حب المادة، فهو الإله الإنسان الذي عاش متواضعا مكتفيا بما لديه وهو نفسه القائل “لا يقدر أيّ أحد أن يخدم سيديّن لأنّه إما أن يبغض الواحد ويبغض الآخر، أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر، لا تقدرون أن تخدموا الله والمال”. (44)
وهو القنوع الذي سيقول: “لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وتشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون أليست الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس… لا تهتموا قائلين: ماذا نأكل، ماذا نشرب أو ماذا نلبس. فهذه كلها تطلبها الأمم …” (45)
وعلى كل حال ثمة مسيح آخر في النهاية سيبدو غنيّا ربما ويتجسد بهيئة امرأة، وهي العزيزة غريتا، البطل القادم للعائلة الذي سيجلب لها الثروة عن طريق عقد زواج، ولا أظن أنّ المسيح سيقبل بهذه النهاية فغريتا هي يهوذا مثلما أدرك، كما لا يجب على المسيح أن يكون امرأة حسبه حتى لو رأى في الحشرة مسيحا غيره لكن امرأة مسيح!
من دون شك كان على المسيح بسبب هذا القيام بمهمة نسخ إنجيل جديد من وحي كافكا ووضع عنوان يدعى “انجيل التحول” مع بعض التعديلات التي تختص بالنهاية.
ورغم النهايات التي دائما تأتي عكس آمالنا فإنّ الرواية كانت ستعجبه وكان سينصح بها ربما. أو ليس غريغور هو مسيح آخر؟
بطل ومخلِّص العائلة الذي قدم كل شيء بما فيه قبول مصيره البشع لأجل عائلته، أما كان هذا شيء سيعجب المسيح ويقرأ قصته على جبل الزيتون كما فعل مع عظته.
صدقوني إذن واقرأوا هذا الرعب العبثي لتعرفوا فمن له عينان للقراءة فليقرأ، قالها المسيح يوما لكن لغير المتعلمين الذين يسمعون فقط وفيهم القليل من يقرأ أما أنتم فتعرفون ومن لا يعرف ومن لا يرى فلا بأس أن يسمع.

تقززنا من هذا الشيء أو ذاك، ليس سوى تحويلٍ لوجهة تقززنا من أنفسنا.
-ايميل سيوران (46)

التحولات

التحول الجسديّ: ما من شيء في غريغور تحول إلا شكله الجديد لكن ليس هذا فقط فللأمر تبعات أخرى تتعلق بهذا الشكل وكنتيجة أيضا لمعاملة الأسرة له كمجرد حشرة، لقد بقي إدراك ووعي غريغور ذاته، لكنه صار يحب الطعام الفاسد كمثال، كما وجد متعة في تسلّق الجدران والقفز على الأثاث، أما نومه ووضعيته فقد اختلفا، كما كان يصدر فحيحه على العدو أو الشخص مثل أفعى أو انزعاجه وشعوره بالتهديد عند دخول شخص ما غرفته وعبثه فيها، تلك الغرفة التي كانت مملكته وكل ما يملك. فهل يمكن أن نقول أنّ غريغور تحوّل حقا إلى حشره فهو لا يزال ذو فكر وإدراك بشري لا يتغيّر، ولا يزال يحب عائلته ويحاول نيل رضاها كما أنّه يحب الموسيقى فهل للحشرات ذوق موسيقي؟
التحوّل العائليّ: يقول المترجم والنقاد بتحول العائلة. (47) ويمكن أن يقول أيّ قارئ ذلك قبل قراءة التعقيب بتحوّلها. فنحن نضع أيدينا على هذا الشأن من بداية فقرات كافكا بعد ما حصل لشخصيته، فغريغور لم يتغير باستثناء شكله أو ذوقه وطرق استمتاعه بيومه، ما تغيّر على وجه الحقيقة هو عائلته التي لم تستطع تقبله، لم يعد غريغور في نظرها انسانا بل حشرة، إنّه ليس غريغور الإبن الذي عرفوه بتاتا وبذلك فمن البديهي أن تتحول العائلة نفسيّا وعاطفيّا نحوه، وأوّل تحول للعائلة كما ترى هو الأب الذي عامله بقسوة منذ اليوم الأوّل الذي رآه فيه، ثم كان تحول قضائهم ليومهم وروتينهم ذلك.
كما أننا نرى أمومة متغيرة وناقصة حتى لو كانت حزينة لما آل عليها والأبوة التي يراها العديد أنّها أضعف من الأمومة تصبح أضعف وأضعف فهي قاسية حد تعنيف البطل أم اقول ونقول كلنا: الحشرة؟.

إعلان

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: سارة عمري

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: رنا داود

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.