رواية التحوُّل لفرانز كافكا كما يقرأها نيتشه والمسيح: عندما تتحوَّل العائلة والقارئ

رغم أنّها تعدُّ قصةً طويلة أو روايةً قصيرة، غير أنَّ هذه القطعة الأدبيّة تزخر بأحداث مكثَّفة يمكن أن نجدها في أكثر الروايات طولًا. ولا نعلم إذا ما يجوز نعتها بالرعب فهي لا تقدِّم لنا أشباحًا وإنَّما تفاصيلًا واقعيَّة ونفسيَّة ستُشعِر قارئها بالذعر، فتلتف حبكتها حول عقله لتخنقه بتساؤلات محيِّرة.

فهل تستطيع على سبيل المثال تَحمُّل فكرة الاستيقاظ يومًا متحوِّلًا إلى مخلوقٍ غريب وآخذًا صورة حشرة والشعور بجسدك وهو ينزوي وحيدًا في الغرفة منهكًا ومجروحًا؟. ستلاحظ بأنَّ الجميع يفر منك بعد أن يرمقك بنظرةِ تقزُّز، وربما ينتظرون موتك، بالإضافة إلى عجزك عن المشي كما كنتَ وهذه أبسط عملية يقوم بها البشر. يُقدَّم لك الأكل يوميًا في غرفةٍ تُحبَس فيها كمجرمٍ محكوم عليه بالمؤبَّد مع تدهور حالتك، وجهلك لما سوف يحدث لك في المستقبل القريب. فهل ستنتهي مصيبتكَ على يد الموت أم ترجع مثلما كنتَ آدميًا من جديد؟ أم أنَّك ستعيش بصورةٍٍ جديدة مع أشخاصٍ تثق فيهم من المرجَّح أن يتقبَّلوا ما طرأ عليك؟ .ما هي التغيُّرات التي ستطرأ عليك وهل ستؤثِّر في الآخرين سلبًا أم ايجابًا؟ إنَّ هذا السؤال الأخير هو أهم ما في هذا النص الأدبي الذي سيُسرَد باختصار، ويُلحَق بقراءتين متخيَّلتين لنيتشه والمسيح من منظوريهما الفلسفيّ واللاهوتيّ مع تفكيكِ هذا التحوُّل.

 

في هذه الأسرة المجهدة، المرهقة بالأشغال من ذا الذي كان له الوقت للاهتمام بغريغور؟
-التحوّل،فرانز كافكا

التحوُّل

-البدايات:

استيقظ غريغور يومًا من نومه ليكتشف أنَّه قد صار حشرة، إنَّه إذن في وضعٍ محرج وهو يرى نفسه على شاكلة مخلوقٍ غامض من صنف الحشرات من دون أن يتبخَّر وعيه وذكرياته التي ظلَّت سالمةً مثل الأطعمة المعلَّبة.

التحوُّل هو عنوانٌ لرواية كافكا بترجمةٍ عربية للشاعر إبراهيم وساط الذي رأى أنَّ عنوانه أنسب وأدّق من كلمات أخرى مثل المسخ أو الانمساخ، فغريغور لم تمسخه ساحرةٌ شريرة، ولا لعنة حلَّت عليه، ولا حتى غضب إله عنيف. لقد كان نائمًٍا مثل أيِّ إنسان ليدرك بعد استيقاظه ما حصل له من تبدُّلٍ جسماني. أوليس هذا محض عبثٍ أم حقيقة واقعية علينا الإقرار بها منذ افتتاحية الرواية حتى يتسنَّى لنا بذلك رؤية آثارها الجانبيّة مستقبلًا؟

إعلان

بطنٌ منتفخ بخطوطٍ مقوَّسة وظهرٍ قاسٍ مثل المعدن وقوائم نحيفة لا تكاد تناسب هيكله الجديد. هذا ما صار عليه غريغور، وخلال تلك اللحظات لم يجد أفضل من النوم بوصفه أنسب حلِّ لمأزقه معتقدًا بأنَّ ذلك مجرد تخيِّلات فحسب يرافقها رشح، غير أنَّ الحقيقة هي أنَّ هيئته البشرية قد تغيُّرت بالفعل إلى حشرة، ونتيجة ذلك فلم يعد النوم على الجانب الأيمن يسعفه مثلما رغب فالحشرات لا تنام على جنبها وإذا فعلتْ ذلك فستكون إما في مأزقٍ أو أنَّها نفقت، ولقد مرَّ غريغور في النهاية بالكارثتين نفسهما لسوء حظه.

ورغم إدراكه ما حصل، فنحن نجده منزعجًا، ليس من هيئته الجديدة أو عدم قدرته على النوم وإنَّما من عمله المنهك الذي يتذمَّر منه في صورة تحسبه فيها وكأنَّ منظره لا يهمه على الإطلاق بل يهمنا نحن، نحن من نفكِّر به الآن عوض غريغور نفسه، نحن هو غريغور، الشخصية الأساسية في عملِ كافكا.

يفكِّر غريغور مجددًا حول عمله، الشغل الذي ينسيه وضعيته المأساوية، فقد تعايش معه لخمس سنوات كاملة لم يتغيَّب عنه إطلاقًا وهو التاجر المتنقِّل. وبسبب تفكيره العملي الذي يبعث على العجب في خضم ما يمرُّ به بوسع أيِّ قارئٍ أن يلعن كافكا ويتساءل في صخب “أما يهم هذه الشخصية غير العمل؟”.

بعد لحظات يتفطَّن لصوت المنبِّه فقد فوَّت موعد القطار مرتين، لكنَّها الآن الساعة السابعة إلَّا ربع ولم يغادر مخدعه أيضًا، فيحاول النهوض من السرير غير أنَّ العملية ترهقه. ومع ذلك فنحن نواصل القراءة عن مغامرته مع سريره لأجل النهوض قبل مجيء السابعة والربع، أو وصول أحد موظَّفي العمل ليستفسر عن تفويته القطار، وقد جاء فعلًا في تلك الدقائق مدير الشركة بنفسه، وحينذاك لم يجد غريغور طريقةً أفضل غير الاندفاع بسرعة مرتميًا على الأرض بعد ارتطامه بالسرير وإصابته.

يدور حوار بين العائلة ومدير الشركة الحاضر، وغريغور وراء باب غرفته من غير أن يُفتَح الباب الذي تعوَّد على قفله كلّ ليلة، فالمشكلة الآن هو غياب غريغور عن العمل، مشكلة تبدو وكأنَّها نكبة وجوديّة متعلِّقة به، فلماذا فوّت موعد قطاره؟ هل هو مريض؟ لما لا يتحدَّث عن السبب؟ ولما لا يفتح الباب لمدير الشركة؟ فضلًا عن بكاء أخته غريتا وذعرها من فكرة طرد شقيقها من عمله، وهي ورطة ستنهك الأسرة التي سوف تكون مرغمة على تسديد الديون لرب عمل غريغور بدلًا عنه فتعيش في ظلٍّ أزمةٍ مالية تقصم ظهور الجميع.

-التحوّل الفعليّ:

تبدو المسألة إذن متعلِّقة بعائلة غريغور أكثر منه. فبعد تأخِّره يقبض المسيِّر على أطراف الحوار ويوجِّه كلمات قاسية له وهو يؤنبِّه على صمته، ثم يتوغَّل في الحديث عن عمله ونشاطه الأخير الذي يصفه بالتقصير والاخفاق وغريغور يصغي بصمت، “هذا العمل اللعين مجددًا”. -نقول نحن والقارئ-.
يدافع هذا الأخير عن نفسه غير أنَّه لا أحد يفهم ما يخرج من فمه بسبب ما صار عليه، فالكلمات تنهمر على نحوٍ مشوَّه وناقص يغرق في الابهام، أما المسيِّر فيخاطب العائلة قائلًا: “لقد كان ذلك صوت حيوان”.

إنَّ حلّ الورطة إذن لن يكون إلَّا باحضار طبيبٍ مثلما اعتقدت الأم، في حين رأى الأب الحازم ضرورة إحضار فاتح أقفال، فالحشرة لا يمكنها فتح الباب كما نعلم وغريغور الآن حشرة، لكنه في الواقع ليس بحشرةٍ عادية ورغم أنَّ قفل الباب مهمة شاقة عليه غير أنّه استطاع فتحه في الأخير بعد أن أذى فكه من دون إحضار الرجلين. فهل حقًا هو حشرة الآن، حشرة تستطيع فتح الأقفال!.

بعد لحظة من خروجه وسط تعجُّب الجميع، خاطب غريغور المسيِّر حول رغبته في اللحاق بالعمل وكأنَّ المشكلة الآن مهنية وهي كذلك عند بطل كافكا. لقد كانت كلماته غير مفهومة مجددًا، ولم يصغي إليه حتى المسيّر الذي فرّ هاربًا، ولا أحد الآن غير غريغور من تدور في ذهنه أفكار العمل. وهكذا وبعد مغادرة الرجل يبقى غريغور مع العائلة التي ذعر أفرادها من تحوُّله المرعب، وأجبروه بعد فترةٍ وجيزة من خروجه على دخول غرفته، وقد تكفَّل الأب بذلك بعدما أذى جسد ابنه وهو يحشره في غرفته.

في الأيام التي لحقت بتحوُّله المفاجئ، لم يكن بوسع أيِّ أحدٍ وقتها التجرأ على دخول غرفة غريغور باستثناء أخته التي اهتمت به وبغرفته مع تغيّر في تصرُّفات العائلة التي أصبحت هادئة على عكس ما كانت عليه من قبل، وقد تغيَّر روتينها وما اعتادت عليه سابقًا من أسلوب في العيش، ولم يغب عن لسان جميع أفرادها موضوع الابن، وأما بالنسبة إلى الخادمة فقد تم تسريحها وجُلِبت خادمة غير مقيمة بسبب مشكلتهم الماديّة ورجوع الأب إلى العمل كعامل في البنك.

ما وقع هو وضعٌ محرج للجميع بداية من الأب ونهايةً عند أصغر فرد وهي غريتا، ويعود السبب إلى أن الأوَّل ما زال مرغمًا على تسديد الدين لرب عمله الذي كان يدين له به بعد إفلاس مؤسَّسة الأسرة منذ خمس سنوات. وإلى حدِّ اللحظة لا يزال الشغل الشاغل لابنه غريغور التفكير في هذا الموضوع.

لقد أصبح يقضي يومه بعدها في الإصغاء إلى عائلته ومراقبة ما يحصل في المنزل. فلا يزال لدى الأب على سبيل المثال مبلغًا مخبأ من السنوات السابقة غير أنَّه متروك للمستقبل فحسب احتياطًا، والحلُّ هو العمل من جديد وتغيير حياتهم من الاقتصاد في النفقة والتخلُّص من الملابس المكلفة والحليّ التي تمتَّعت بها نساء البيت.
ونتيجةً لكلّ ما سبق، لاحظ غريغور تغيُّر ميوله نحو الطعام بما في ذلك ذوقه الذي بات يفضِّل الأطعمة الفاسدة، وهَجَر الحليب الذي طالما أحبُّه، مع اشتهاء وتوقٍ غريب لطعام مجهول ظلَّ يلازمه، ناهيك عن المتعة التي يجدها في تسلُّق الجدران وتحكُّمه بجسده الحشري لكن مع خفوت نظره، فما الذي تغيَّر فيه عدا هذه المسائل التافهة. لا شيء!. هل نحن البشر مُصمَّمون حقًا لفقدان انسانيتنا بمجرَّد اختلافنا عن الآخر ظاهريًا؟.

كانت أخت غريغور هي المسؤولة عنه رغم اشمئزازها منه فلم يكن في وسعها حتى النظر إليه، أما هو فقد أدرك الأمر ولذلك نراه باستمرار يخبِّئ نفسه تحت الأريكة وهذا نوعٌ من الاحتماء بها أيضًا لأجل الشعور بالأمان. وفي أحد الأيام ارتبك غريغور مما فعلته أخته حين قرَّرت تفريغ غرفته من الأثاث حتى يتسَّنى له تسلّق الجدران بارتياح وقتها. غير أنَّ الحقيقة ما هي في نظره إلَّا انتهاكًا له ولتاريخه البشريّ. فهل يستطيع أن يفقد غريغور إنسانيته وهو يرى غرفته تُفرَغ من أثاثه، ماضيه الذي كان يعيش معه داخل الغرفة منذ أيام دراسته؟

وبسبب هذا التهديد وفي حركة سريعة ستتيح له التشبُّث بجزءٍ من ذكرياته وهويته لم يجد غريغور حلَّا غير الالتصاق بإطار صورة معلَّقة على الحائط بصفتها الغرضٍ الأخير المتبقِّي في الغرفة حتى لا تأخذه شقيقته. لقد كان يومًا صعبًا عليه وما جعله شاقًا عليه أكثر لسوء حظَّه هو تعرُّضه فيه إلى عنف سببه والده نتيجةَ تركه لغرفته بعد اقتحام الأخت والأم لها، فقد رماه الأب بحباتٍ من التفاح ظلت إحداها مغروسة في جسده وهو يشاهده خارج ملجأه.

استُبدِلت الخادمة بخادمة أخرى أكثر تسلُّطًا وحدَّة، واكتشفت غريغور في غرفته حيث صار ساكنًا أكثر وقابعًا في مكانه بسبب جروحه، فاستمَّرت في ازعاجه بدخولها غرفته كلً يوم وتوجيه كلماتٍ مهينة إليه، مثل مناداته بالحشرة في قولها  الآتي: “اقترب قليلا يا خنفس الروث”. فقد عاملته هذه المرأة ببساطة بوصفه حشرة.

-النهايات:

لا أقصد من هذا العنوان الفرعي القول بأنَّ التحوَّل سيختفي، لأنَّه في الحقيقة تحوُّل آخر يبشِّر بأوضاع جديدة سيعيشها كل فرد في العائلة بما في ذلك غريغور، وكل هذا بسبب واقعة حدثت مع غريتا، تلك الشقيقة التي أحبها وكان يخطِّط لأجل إلحاقها بأحد المعاهد الموسيقية لعزف الكمان مثلما تمنَّت. لقد قرَّرت غريتا العمل كبائعةٍ مع والدتها التي أصبحت تخيط الملابس. وهو الشيء الذي جعلها يومًا بعد يوم تهمل وتتجاهل وجوده بل ويصيبها الضجر من رؤيته. وما فاقم الوضع أكثر هو قدوم مستأجرين بطبعٍ كريه عوملوا وكأنَّهم من علية القوم.، فتحوَّلت غرفته إلى مكان يرمى فيه الأثاث القديم أو غير المستعمل في غرف المستأجرين من دون أن يكتشفوا غريغور. لقد تعرَّض هذا الأخير إلى الهجر وهي عملية قاسية لم تتجاهل معاملة غرفته بالقدر نفسه والتي هي جزء منه.

وحلَّ اليوم الذي انطلق فيه صوت كمان في البيت للمرة الأولى مصدره غريتا وموسيقاها التي أعجبت المستأجرين مؤقَّتا فسرعان ما شعروا بالملل عكس غريغور الذي كان سعيدًا بها حتى النهاية.. النهاية التي تجعل غريغور يغادر غرفته، ويتقدَّم إلى غرفة الجلوس ليصغي أكثر لعزف أخته غير أنَّ رؤيته صدمت المستأجرين الذين قرَّروا الذهاب وعدم دفع المال لقاء بقاءهم في البيت، والشكوى بعائلتهم بدل ذلك.

لقد أفسد غريغور كل شيء بعدما كان الوضع فاسدًا مسبقًا، قالت الأخت مكتفية “أنا لا أريد أمام هذا الوحش أن أتلفَّظ باسم أخي لذا أكتفي بأن أقول علينا التخلُّص”.
لم تعثر الأسرة إذن على أيّ حلِّ لائق باستثناء تكرار كلمات تعبِّر عن تمنياتها في أن يدرك غريغور لما يقولونه وما يعانون منه بسببه. فعائلته لم تعلم أنَّ ابنها يفهم كلماتهم بالفعل، وقد فعل واستوعب أنَّه ما من حل إلَّا بموته لإنقاذهم ونيل رضاهم. وعلاوة على ذلك فقد بات جسده هزيلًا ومريضًا، والجروح تشتدُّ عليه أيضًا، وقد عاد في تلك الليلة إلى مكانه بعد أن أنهكه الزحف والدوران مرات عديدة في سبيل دخول الغرفة التي سارعت شقيقته إلى قفل بابها بعنف شديد، وهو الصوت الأخير الذي سمعه غريغور قبل وفاته، أي بابًا يُغلَق بشدَّة حيث يُظهر غضبًا مسلّطا عليه مع جوعٍ يلاصِق جسده، ورغم الألم شعر غريغور بالارتياح وهناك لفظ آخر أنفاسه بعد أن قتلته الموسيقى.

“تعالوا لتروا ما وقع ، لقد نفق، إنّه هناك على الأرض نافق تمامًا”.  ما سبق ذكره هو أولى كلمات الصباح من خادمة المنزل، فباستطاعتها أخيرًا أن ترتاح، في الوقت الذي شكر أفراد العائلة الربَ وهم يرسمون اشارة الصليب وكأنّهم تخلّصوا من شيطان كان يرمي لعناته عليهم، قبل أن يجتمعوا في أحد الغرف ويذرفوا الدموع على ابنهم في صراعٍ نفسي يبدو عليه التناقض لكنه في الحقيقة منسجم مع وضعهم، ثم يخرجون في نزهة. ففي تلك النزهة ظلَّ الوالدان يرمقان ابنتهما غريتا التي تكبر يومًا بعد وتزداد نشاطًا وحيويةً، بنظرات إعجاب، لقد تمثَّلت صورتها في ذهنهما يوصلها شابة قد وصلت إلى عمر الزواج الذين هم في حاجة إليه، وهذا يعني رجل يساعد عائلتها كما كان غريغور يفعل فهي البطل الجديد!.

هناك من لم يوفَّق في الحياة: في قلبه دودة سامة تنخره، فليعمل إذًا على أن يكون أكثر توفيقًا في مماته.
-فريدريك نيتشه (1)

نيتشه يقرأ كافكا

كان بِوِدنا أن يقرأ نيتشه رواية التحوُّل التي ألِّفت تقريبًا قبل سنة 1913 ونُشرت سنة 1915م] لولا أنّ الحياة لم تفارقه، وهذا ما يجعلنا نرغب بأن نجعل من نيتشه قارئًا لكافكا عبر الخيال.

بوسعنا بناءً على ذلك تصوُّر نيتشه وعدَّة تساؤلات تحاصر جسده. فهل يمكن على سبيل المثال لمحبة الأم أن تتعلَّق بمجرد شكلٍ خارجيّ أم هي أعمق من مجرد غريزة بيولوجية أو عاطفة اجتماعية حتمية؟ أي أمومة مطلقة تتحدَّى كل الأشكال المشوَّّهة وتدوس على كلِّ تنميط للمظهر الإنسانيّ وسلطة مفاهيميّة تتحكَّم في تعاملنا مع الغير. هذا إذا اتفقنا في المقام الأوَّل حول حقيقة ما يدعى بالأمومة.

وكيف نشرح الإنسان أمزيج من مادة بشريّة وذات لا يمكن فصلهما أم كل الإنسانية تكمن في الأنا نفسها حتى لو أصبحنا على شاكلة حيوانات وعفاريت ألف ليلة؟. هذا إذا اعتبرنا أنَّ وجود «الذات» من أساسه حقيقي وهو ما ينكره نيتشه، على الأقل مثلما قدِّمت في عصره. فما هو الحب حقًا؟ الحب الذي لم نجده في هذه الرواية نقيًّا مثله مثل الأمومة، فهو عاطفة ملوثٌة وناقصة تفضِّل الراحة والجاه والشكليات. أما الأبوّة التي تحتَّل مرتبةً أقل من الأمومة ولا أوّد إهانتها فهي الأخرى في شكلها الجديد في التحوُّل أكثر صرامة وقساوة، ولنتحدَّث عن الأخوَّة التي تتأرجح دوما بين دفَّتين، تتناقض وتمزِّق نفسها ووجودها كآخر حدث عظيم. فالأخت لا تريد أن تنطق اسم أخيها أمام الوحش بلسانها متقمِّصة بذلك روحها مع روحيْ الأم والأب، وذلك في جملة واحدة تنذر باكتفائهما من غريغور بل وبموت غريغور وبقاءه بصفته مجرَّد وحش قابع في غرفته يحمل اسمه، إلى جانب إنكار كونه “هو” مع علمهم بأنّه هو/هو.

ربما سيستبدل نيتشه مقولته “موت الإله“. وينادي بموت غريغور، نعم لقد قتلوه بنكرانه وإزاحته عنهم ومعاملته كشيءٍ منحرفٍ عن الطبيعة البشرية، وفي النهاية سيموت غريغور لتحيا عائلته.

وحتى اللّغة ستستحوذ على اهتمام نيتشه هنا، هذا الأخير الذي رآها دومًا ترافق السلطة التي تتحكَّم بها وبنا. وتكرّس لثنائيات الخير والشر، وتحقير الآخر، وإلباس المرء شخصية تتماشى مع وطنه وهويّته. سيسعد محطِّم الأصنام من دون شكّ وهو يرى في غريغور كائنًا لا يقدر على التعبير بها والتكلِّم مع عائلته التي هي بدورها تظنّه قد أضحى غير مدرك لمعنى أيِّ حرف من كلماتهم. لا توجد معرفة، لا يوجد اتصال فلا يوجد أي زيف إذن.

انتبهنا كذلك إلى أنّه ما من إرادة هنا. ولا حتى إرادة حرَّة رفضها نيتشه وتصوَّرها على أنها مجرًد كذبة ومبرِّر لمعاقبة الإنسان على ما اختار. فرغم ما حاولت الأسرة بذله في سبيل الاستمرار في الحياة بعد هذا التحوُّل غير أنَّ شيئًا أعظم من الإرادة استمات في قهرها؛ فالحياة تجبرنا على فعل أشياء من دون إرادتنا، إنّ كافكا يُنكِّل بالإرادة إذن وبكل قيّم الأسرة التي تدعي الصدق والإنسانيّة.

ومن المحتمل أنَّ نيتشه سيلاحظ غرائز العائلة وهي تتصارع من دون إمكانية تصالحها حيث تغلب واحدة على أخرى، لتُحقِّق إرادة الاقتدار التي تجسِّد الصحة والنمو متخلّصةً بذلك من غريغور الذي كان أيام مجده أشبه بتابعٍ وعبد يخدم سادته -والديه-. غير أنَّه الآن وإضافة إلى ضعفه في الماضي فهو أضعف، كما أنَّه قد صار منبوذًا، بصرف النظر عن أخلاقه التي لا تزال نفسها أخلاق العبيد الارتكاسيّة.

وأما عن مرض غريغور والجروح التي بجسده، فسيدركها الفيلسوف الألمانيّ الذي اعتاد أن يشكو من آلام جسديّة عديدة وأمراض أرهقته، فكم رفض نيتشه قابلية أن يكون عالة على الآخرين مثله مثل غريغور فهو يقول: تلك الصرامة مع النفس التي جعلتني أرفض أن أكون مكفولًا ومخدومًا ومطبَبًا. (2) ومن المرجَّح أنه سيشفق على غريغور مع أنَّه احتقر “الشفقة” وزعم أنَّها من أخلاق العبيد.

لقد اعتاد غريغور على تناول الطعام مثل أيّ شخص سليم غير أنّ نظامه الغذائيّ قد تغيّر بعد تحوُّله، أضف إلى ذلك صومه عن الطعام وترْك نفسه للجوع مرات عديدة، وقد اهتمت الرواية بموضوع الطعام ومَعدة غريغور بصفة بالغة. بينما تحدَّث نيتشه عن التغذية في كتابها الأخير، وما يُحِبُّ من الطعام، لقد ذكر أنه اعتاد على تناول الطعام بشكل غير صحيّ لسنوات قبل استبدال عاداته الغذائيّة بأخرى وابتعاده عن عدَّة مأكولاتٍ وأطعمةٍ.

ومما لا ريب فيه هو أنَّ حب غريغور للعمل سببه خدمة أسرته التي يحبها رغم نفوره منه ومن رب عمله والأشخاص الذين يقابلهم في خضم ممارسته للعمل فكل هذا محتَّم عليه، غير أنّه رضي بالركض وراءه، وعبر الركض وراء العمل هذا ما يفعله في الحقيقة مع عائلته التي هو مجرَّد عبدٍ لهم. إنَّه الإنتاج العمليّ الذي أفرزته الحداثة والذس احتقره نيتشه وانتقده بشراسة، يقول: “نطري على الشاب الذي هلك في التفاني في عمله ونتألم له، (..) وهكذا فإنَّنا لا نأسف لهلاك ذلك الشاب أسفًا لحياته، بل لأنَّ أداة طيعة لا تتدَّخر نفسها (..) قد خسرها المجتمع من خلال ذلك الهلاك”. (3) ويكتب كذلك عن إيثار النفس الذي نجده في شخص غريغور: “إنَّ حب ذوي القربى والعيش من أجل خدمة الآخرين… إنها الحالة الاستثنائية الوحيدة التي انتصرُ فيها خلافًا للقاعدة ولقناعاتي إلى الغرائز الغيرانية إنّها هنا تخدم إيثار النفس”. (4)

سيتذكَّر نيتشه شقيقته إليزابيث التي اعتنت به خلال الأيام الأخيرة في حياته حين أصبح عليلًا ومريضًا، وإقدامها على تعديل كتاباته فنتج عن الأمر تقديمه كـ  عرابٍ للنازيّة وملهم لأتباعها. وهذا ما يتيح لنيتشه الشعور بأنَّ غريغور قد خاض الصعاب التي خاضها هو، فها هي شقيقة غريغور التي رعته في البداية قد خذلته متخلِّية بذلك عنه، فهل نيتشه هو غريغور أيضًا؟. نيتشه الذي اعتبر منذ أيام طفولته طفلًا حسن السلوك، ومطيعًا للجميع وللقوانين بشكل مذهل وكأنّه رجل بالغ. الطفل الصغير الذي تمنحه والدته قصاصةً ورقية بأهم القواعد التي ينبغي فعلها وعدم فعلها مثل رسالتها هذه: “احرص على أخذ مظلتك في حال أمطرت… وإذا حصل وتبلَّلت، قم بتبديل ملابسك فور عودتك إلى المنزل” وفيما بلي أيضا: “احمل هذه الصفحة معك وضعها في مكتبك واقرأها بين حين لآخر.. هذه هي قواعد السلوك”. (5) وقد بقي كذلك حتى عند كبره مثلما تفصح عنه كتاباته عن نفسه، ألا توجد احتمالية إذن في أن يشبه غريغور الوديع والمطيع لعائلته؟

ولأنَّ العالم دومًا ما يحملنا على الايمان بالتناقضات، فعلى الرغم من حب غريغور لشقيقته غير أنّ الملاحظ هو أنَّ أسرته قد قامت قوائمها على تسلّط الذكر ومركزه المهم في العائلة منذ أولى الخطوات التي خطاها رب الأسرة. فهل ما ذُكر آنفًا سيعجب نيتشه الذي يوصم أحيانّا بالميسوجينيّة؟ سواء رأينا ذلك سوء فهم أم حقيقة. أم أنّه مجددًا سيقف ضد هذه العائلة ويصيح: لا أحد منكم يفهم فلسفتي أيّها الحمقى.
أمَّا في ما يتعلَّق بشخصية الأب الذي صُوِّر بمنظرٍ قاسٍ وخصَّصت الرواية كلمات معتبرة لأجل الحديث عن تعبه وإرهاقه ومعاناته بسبب الذي حدث، فنؤكِّد عن يقين أنَّ نيتشه سيشفق على هذا الرجل الصارم وهو يقرأ معاناته، وهو الفيلسوف والشاعر الذي كان يحب والده ويحترمه لدرجة لا يمكن تصوُّرها على حساب والدته وأخته مثلما يظهر في كتابه الأخير.

لقد عشق غريغور الموسيقى، ومثله نيتشه الذي عُرِف عنه أنَّه كان موسيقيًا أيضًا، ناهيك عن أنَّه كتب عنها واعتبرها خلاصًا للانسان فهل موسيقى غريتا خلَّصت أخاها من المعاناة؟.
في النهاية لا يجب علينا قراءة نيتشه أو أفكار ما بعد الحداثة وهو عرَّابها إذا كنا نود تحطيم القيّم السائدة، فـ قراءة واحدة لرواية كافكا ستجعلنا نهزأ بكل ما قدَم لنا بل ونشكّك ونتخوَّف من عائلاتنا ومن أجسادنا أيضًا. سيفتح نيتشه فاهًا ويقول عن كافكا: لقد تغلَّب عليّ اللعين. لقد دمَّر البشر، ليس القيم فحسب.

ادخلوا من الباب الضيق، لأنّه واسع ورحب الطريق الذي يؤدي إلى الهلاك.
-يسوع المسيح (6)

المسيح يقرأ كافكا

المسيح، الرجل السماويّ الذي تحدَّاه الملحد الأرضيّ -نيتشه- ، لَكَم وددنا لو قرأ هذه الرواية باللغة العبرية أو الآرامية ولما لا تكون اليونانيّة فالرب يعرف جميع اللغات. غير أنَّه اليوم قد مضى على صلبه أكثر من 2000 سنة، وبات فوق على يمين الأب، فهل باستطاعة السماء أن تقرأ الكتب كما يفعل سكان الأرض؟

لقد حلّ المسيح بيننا وهو الكلمة مولودًا من مريم العذراء، في جسدٍ كُتِب له فقط، لكن ليس جسده الحقيقيّ رغم امتلاكه له. ولعلَّ هذا ما نراه مع غريغور فرغم أنَّه لم يولد بمظهر حشرة إلَّا أنَّ طبيعته الحقيقية هي بشرية. بينما حقيقة المسيح إلهية فهو لا ينتعل أي جسد مدنَّس، لكن على الأقل سيستطيع تقدير شعور غريغور وما تعرَّض له في محنته تلك.

لم يعبأ المسيح بجسده البشري الضعيف وتواضعه الذي أنزله إلينا متخليًا عن مجده، فقد أخذ صورة إنسان وهو الإله، وقد حافظ رغم ذلك على طبيعته اللاهوتيّة وقدرته، فاللاهوت يعمل فيه مثلما يشتغل وعي غريغور البشريّ في جسده الجديد.

سنفترض أنَّ المسيح امتهن مهمة النجارة مثل والده على عكس غريغور الذي يُعتَبر بائعًا. إنَّ المسيح متنقِّل ينشر كلمته ومعجزاته مجانًا بينما يبيع غريغور السلع متجوّلّاً لأجل أسرته.
سنزعم أيضًا أنَّه لو حضر المسيح بيننا لنصح كل يهوديّ وأمميّ، عاقلًا أو مجنونًا بقراءة رواية التحوّل أو سماعها على الأقل. فلا أحد يحبك حقًا سوى الله، هذا ما سيقوله، أما غريغور فهو مخلِّص العائلة والشخص الذي سيرى فيه المسيح شيئًا من اللاهوت يعمل فيه ولا يمكن بتاتًا أن يكون منا نحن الخطاة الناقصين؛ “فالجميع زاغوا وفسدوا”. (7)

سيتغاضى المسيح أثناء مطالعته لكافكا عن ارتجاج القيَّم وتدميره للأمومة وسيهم بالقول أنَّ الحب المطلق فقط نابع من الله، ولا أحد يستطيع تحمُّل التعب ومسؤولية شخص آخر غيره هو، فلا بأس بما فعلته العائلة فأفرادها ما هم إلَّا بشر جاؤوا من آدم فساده فيهم وفسادهم فيه. والمسيح نزل من السماء من فرط محبته وسعيه للمصالحة بيننا وبينه. ومع وجود الجسد الذي احتُجِز فيه، فقد ظلَّ يواصل نشر كلمته ورسالته بل هو الكلمة والإنجيل الحقيقي الذي له قَدَمان. لم يكترث المسيح لشيء، وهو الأمر نفسه الذي فعله غريغور في محاولةٍ لإسعاف أسرته مثلما اعتاد أن يفعل دومًا متناسيًا حالة شكله وجراحه حتى لحظة موته.

ولن يعبأ المسيح بالأبوة البشرية أساسًا فهو الإله الظاهر في الجسد المولود من امرأة لا من أب، فـ الأب الحقيقي والكامل هو الإله فقط. أضف إلى ما سبق أنَّ بوسعه تقدير ما بذلته غريتا من خدمات وهو يراها تخدم أخاها مثل والدته مريم أو مريم المجدلية مع مريم أخت لعازر وأختها مرثا، غير أنَّه سيتذكَّر تذمُّرها منه أو وصفه بالوحش وصفقها الباب بعنف فيردِّد مكرِّرًا كلماته التي قيلت يومًا على الجبل: “أما أنا فأقول أنّ كل من يغضب على أخيه باطلًا، يكون مستوجب الحكم”. (8)

لقد قدَّس المسيح الأخوَّة التي ذكرها بكافة أشكالها حتى عديمة النسّب، فهل سيرى أنَّ غضب غريتا، الأخت الحقيقية بالدم، له ما يُبرِّره، أم أنّه قد بُني على باطل؟ فأخاها لم يقترف شيئًا يدعو إلى السخط غير الاستيقاظ على هيئةِ حشرة في أحد الصباحات. أو هل سيستحضر صورةَ يهوذا الإسخريوطي حين يقرأ عن خذلانها لشقيقها؟ يهوذا تلميذ المسيح الذي خذله وسلَّمه إلى الجنود، أم نقول الرسول بطرس الذي ادعى عدم معرفته بمعلّمه خوفًا من اعتقاله. والذي سرعان ما ندم هذا الأخير من شدِّة حبه الصادق للمسيح يتعقَّبه ويرجع لدعوته. إنَّنا من دون شكٍّ لا نرى في غريتا غير يهوذا آخر في جسد امرأة وربما هذا ما سيراه المسيح، فقد تخلَّى عنه الجميع بمن فيهم شقيقته الوحيدة.

ربما سيعلن المسيح أيضًا أنَّ غريغور لم يمت مثلما تخيَّلوا بل سيقوم في اليوم الثالث ويصعد على يمين الآب مثله حتى وقت الدينونة، وسيعجبه لو استخدم بعض كلمات كافكا في عظة الجبل. سيستعد المسيح لعودة آدم آخر جديد، آدم الذي تناول التفاحة وعوقب بقسوة فحُرِم من الخلود، سنجد روحه الخاطئة قد حلَّت في غريغور الذي انغرست الفاكهة في جسده الجريح بعد هروبه من أخته ووالدته. وحتى المسيح كان آدم جديد يخطِّط لمسح آثار خطيئة آدم الأول.
سيصرِّح المسيح وهو يرى غريغور الصامت الهادئ والمطيع وهو يتناول الأطعمة الفاسدة بأنَّ “ليس ما يدخل الفم ما ينجس الإنسان بل ما يخرج من الفم… ما يخرج من الفم فمن القلب يصدر وذاك ما ينجس الإنسان لأنّ من القلب تخرج أفكار شريرة… هذه هي التي تنجس الإنسان”. (9)

المسيح الذي يترك نفسه لساعات جائعًا وعطشًا ولا يملأ بطنه بكل ما يشتهي الإنسان مثلما يذكر الإنجيل، ويسير طويلًا مع تلامذته حتى يحتلهم الجوع والجموع ورائهم لأيام تلتمس الشفاء منه و حتى الطعام، فهو يدعو الى حياة الروح والقلب وليس الطعام، ويعاتب الأغنياء والمترفين. إنَّه يعيش مكتفيًا، ومهتمًا بأحوال اليهود والأمم وتلامذته، فهو الرجل الإله الذي صام عن الطعام في التجربة، والراهب المتجوِّل الذي بوسعه تحويل الحجارةِ إلى خبزٍ ومضاعفة الطعام لنفسه لكنه مع ذلك لم يفعل فالخبز وحده لا يحيي الانسان حسبما ذكر يومًا.

ألم يكن غريغور مثله يأكل قليلًا ويترك أيضًا نفسه للجوع مفكِّرًا في أمر أسرته أكثر من ذاته؟ فهو قد نفق وهو جائع يتوق إلى بذلك إلى الطعام الذي كان يجهل كنهه. أما المسيح فقد مات عطشان من دون أن يشرب ماءً مثلما لم يأكل غريغور طعامه الغامض ذاك، غريغور الذي احتقروه بوصفه حشرة ونفروا منه بل وتعرَّض لعنف وأذى بسببهم، أليس المسيح مثله وهو القائل في المزمور قبل تجسّده: “أما أنا فدودة لا إنسان، عار عند البشر ومُحتَقر عند الشعب”. (10) فكلاهما فارقا الحياة وهما يريدان مجدًا بعد أن نالا سخطً واحتقارا من الناس الذين أرادوا وكتبوا لهم الموت.
توفي غريغور بعد أن فضَّل ذلك كـ حَلٍّ لمساعدة أسرته في الساعة الثالثة صباحا بعد أن “استمر في حال من السكينة إلى أن أعلنت ساعة البرج الثالثة ثم هوى رأسه رغما عنه ومن منخريه انطلق في وهن آخر أنفاسه”.  أما السيد المسيح فتوفي أثناء الساعة الثالثة* ظهرًا  وقال “قد أكمل”. (11)

مقابل المسيح الكلمة الخالق والناطق العاقل، سنعثر على غريغور الأخرس لكن العاقل على الأقل، فليس لغريغور كلمات كي يفهمه البشر، فـ كلامه وإشاراته غير مفهومة للحشرات مثله ربما، إنّه يفتقد إلى الكلمات الحكيمة أو حتى السخيفة إلَّا أنَّه على الأقل سيجد المسيح في وعيه وصمته كنزًا يسمح له بدخول الملكوت.

سيتذكَّر المسيح ما ورد في سفر أيوب بأنّه يا “ليتكم تصمتون صمتا فيكون ذلك لكم حكمة”. (12) فكم من مرَّةٍ صمت هو والعذراء لما اكتشفوا في ذلك كل الحكمة.
ثم ألم يقل الوحي بلسان بولس الناطق به: “لأنّه مكتوب سأبيد حكمة الحكماء وأرفض فهم الفهماء”. (13) أو قوله أيضا: “وأنا لما أتيت لكم أيها الاخوة أتيت ليس بسموِّ الكلام والحكمة، كلامي وكرازتي لم يكونا لكلام الخدمة الإنسانيّة المُقنِع بل ببرهان الروح والقوة”. (14)

وعلاوة على ذلك، فغريغور يصغي للأسرة على الدوام، والإصغاء وليس السمع فحسب تصرُّف طلبه المسيح وكان يمتهنه “فمن له أذنان للسمع فليسمع”. (15) فهو ذاته الذي صرَّح: من أجل هذا أكلمهم بأمثال إلا أنّهم مبصرين لا يبصرون وسامعون لا يسمعون. (16)
لم تصغي أسرة غريغور له ولا حتى أبصرته وهي تبصره، وهذا ما وقع مع المسيح “فقلب هذا الشعب قد غلظ وآذانهم قد ثقل سماعها وغمضوا عيونهم لئلا يبصروا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم”. (17)

هل طمع غريغور في المال؟ لم يقدِّر غريغور المال إلَّا لكونه وسيلة تساعد أسرته، في الوقت الذي سنرى فيه المسيح يلوم نمط حياة هذه العائلة البرجوازيّة الصغيرة ويعيب عليها حب المادة، فهو الإله الإنسان الذي عاش متواضعًا مكتفيًا بما لديه وهو نفسه القائل “لا يقدر أيّ أحد أن يخدم سيديّن لأنّه إما أن يبغض الواحد ويبغض الآخر، أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر، لا تقدرون أن تخدموا الله والمال”. (18)

وهو القنوع الذي سيقول: “لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وتشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون أليست الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس… لا تهتموا قائلين: ماذا نأكل، ماذا نشرب أو ماذا نلبس. فهذه كلها تطلبها الأمم …” (19)
وعلى كل حال ثمة مسيح آخر في النهاية سيظهر عليه الغنى ويتجسَّد بهيئة امرأة، وهي العزيزة غريتا، البطل القادم للعائلة الذي سيجلب لها الثروة عن طريق عقد زواج، ولا نظن أنّ المسيح سيقبل بهذه النهاية فغريتا هي يهوذا مثلما أدرك، كما لا يجب على «المسيح» أن يكون امرأة حسبه حتى لو رأى في الحشرة مسيحًا غيره لكن «امرأة مسيح»!

من دون شكٍّ توجَّب على المسيح بسبب ما سبق، القيام بمهمة نسخ إنجيل جديد من وحي كافكا، ووضع عنوان يدعى “انجيل التحوُّل” مع بعض التعديلات التي تختص بالنهاية. ورغم النهايات التي دائمًا ما تأتي عكس آمالنا فإنَّ الرواية كانت ستعجبه وكان سينصح بها ربما. أو ليس غريغور هو مسيح آخر؟. بطل ومخلِّص العائلة الذي قدَّم كل شيء بما فيه قبول مصيره البشع لأجل عائلته، ألن يعجب هذا المسيح ويقرأ قصته على جبل الزيتون مثلما فعل مع عظته؟.

فليقرأ كل واحد منكم هذا الرعب العبثي لتعرفوا فمن له عينان للقراءة فليقرأ، قالها المسيح يومًا لكن لغير المتعلِّمين الذين يسمعون فحسب ولا تقرأ إلَّا قلَّتهم أما أنتم فتعرفون ومن لا يعرف ومن لا يرى فلا بأس أن يسمع.

تقزُّزنا من هذا الشيء أو ذاك، ليس سوى تحويلٍ لوجهة تقززنا من أنفسنا.
-ايميل سيوران (20)

التحوُّلات

التحوُّل الجسديّ:

ما من شيء في غريغور تحوَّل إلَّا شكله الجديد، وليس هذا فحسب، فللأمر تبعات أخرى تقترن بهذا الشكل وكنتيجة أيضًا لمعاملة الأسرة له بوصفه مجرَّد حشرة. ولقد بقي إدراك غريغور بنفسه وبمحيطه الخارجي إلى أن صار يحب الطعام الفاسد، ويجد متعةً في تسلُّق الجدران والقفز على الأثاث، في الوقت الذي تغيَّرت طريقة ووضعيات نومه، زِد على ذلك أنه تعوَّد على اصدار فحيح على العدو أو الشخص مثل أفعى عندما ينزعج ويشعر بالتهديد بسبب دخول شخص ما غرفته وعبثه فيها، تلك الغرفة التي كانت مملكته وكل ما يملك.

فهل بوسعنا الادعَّاء بأنَّ غريغور تحوَّل بالفعل إلى حشرة فهو لا يزال يملك وعيه البشري، ولا يزال يحب عمله وعائلته التي يحاول نيل رضاها ويتذوَّق الموسيقى أيضًا فهل للحشرات ذوق جمالي؟

التحوّل العائليّ:

يؤكِّد المترجم والشاعر مبارك وساط بتحوُّل العائلة. (21) ويستطيع أن يدعِّي أيّ قارئ ذلك قبل قراءة التعقيب بتحوّلها. فنحن نضع أيدينا على هذا الشأن من بداية فقرات كافكا بعد الأحداث التي جرت لشخصيته الأساسية، فغريغور لم يتغيَّر باستثناء شكله أو ذوقه وطرق استمتاعه بيومه، وما تغيَّر على وجه الحقيقة هو عائلته التي لم تستطع تقبُّله، فهو لم يعد في نظرها انسانًا بل حشرة، إنّه ليس غريغور الإبن الذي عرفوه بتاتًا ولهذا فمن البديهي أن تتحوَّل العائلة نفسيًا نحوه، وأوَّل تحوُّل للعائلة هو تحوُّل الأب الذي عامله بقسوة منذ اليوم الأوّل الذي رآه فيه، ثم تحوَّل حياتهم.

ناهيك عن أنَّنا نلاحظ أمومة متغيَّرة وناقصة حتى لو اتصَّفت بالحزن بسبب ما آل عليها الإبن. والأبوة التي يراها العديد أنّها أضعف من الأمومة تصبح أضعف وأضعف وكذلك أكثر قسوة.

التحوُّل العمليّ:

تدور الكثير من أفكار الرواية حول العمل منذ الصفحات الأولى فلا شيء يهم غريغور غير عمله وعائلته، لقد اعتُبِر البطل الذي يُؤَمِّن لعائلته العيش الكريم لكنّه اليوم قد صار عكس ذلك، أما العائلة فأمرها لا يختلف عنه لأنَّ شؤون العمل والمال تنال حصةً كبيرةً من اهتمامها أكثر منه، فالأبناء مرتبطين بالعمل بطريقة مغالية. وهذا ما يجعله تحوُّل عمليّ أي إجتماعي واقتصادي، بدءًا من غريغور الذي فقد منصبه في التجارة ثم العائلة التي سلك كل فرد فيها طريقًا عمليًا جديدًا.

إنَّ الجميع هنا آلات تشتغل في هذه المجتمعات الحداثية لتستهلك وتعيش كما يجب. وغني عن الذكر الاشارة إلى أنانيّة العائلة التي نشعر بها عند نهاية الرواية حين تُترجم شخصية الأخت إلى بطلة جديدة تمارس إحدى المهن أو تجلب زوجًا يشاركها البطولة ويحل محل غريغور، إنَّها  عائلة رأسماليّة وبرجوازيّة، ولما لا تكون بروليتارتيّة بعد تحوُّلها الاجتماعي وكدح أفرادها المضني؟.

تحوُّل القارئ:

إلى جانب ما ذكرنا من التحوُّلات فكافكا أيضا يمنحك تجربة من التحوُّل وهو تحوُّل القارئ حسب رؤيتنا، فهذا الأخير يلبس عدة أمزجة بدءًا من حالة غريغور الجسديّة المستجدة في ثوب حشرة إلى وعيه وذاته الإنسانيّة، مع سلوكاته الجديدة عليه، فهل سيعامل القارئ غريغور الآن كحشرة أم كإنسان أو كمخلوقٍ هجين؟

إنَّ هناك قلْبا يحدث في ذهن القارئ سببه ملازمة غريغور لعائلته التي لم تستطع التخلِّي عنه وفي الوقت نفسه لا تريده. فتبدُّل مشاعرهم اتجاهه من قرفٍ وسخطٍ يجبر القارئ على التحوُّل في محاولةٍ منه للبحث عن أعماق غريغور وما طرأ عليه أكثر منه هو الذي يهتم بعمله فقط، وربما سيتقمَّص شخصية غريغور أو يشعر بما يشعره، فعلى سبيل المثال أثناء شتم الخادمة لغريغور بخنفس الروث هل بِوسع القارئ حينها الشعور بالإهانة بدل غريغور وهو يقرأ كلماتها، بل ربما سيكون حنقه عليها أكثر من غريغور نفسه الذي لا يعبأ بها غير انزعاجه من تعكيرها لصفو يومه.

والسؤال الأهم أيضًا هل سيفكِّر القارئ أن غريغور يمثلِّه؟ تلك التبعية للأسرة والانشغال بالعمل حد نسيان جسده، أو سيعثر في هموم ومصائب غريغور من دون وجود أي شخص يفهمه على تشابهٍ معه؟ هل أنت أيّها القارئ مجرَّد غريغور آخر؟.

خاتمة

نود أن نختتم المقال بالإشارة إلى ما قدمه بعض النقاد أو الباحثين حول التفسيرات النفسيّة لهذه الرواية المذكورة في هذه النسخة من الترجمة، وكذلك ترجمة إبراهيم وطفي، بعنوان الانمساخ، ومنها اعتقاد البعض تزامن فترة كتابة كافكا لروايته وعلاقاته المتوتِّرة مع والده الذي اعتاد على معاملته بقسوة، ما حرّضه في أحد الأيام على دعوته بالطفيليّ، والطفيليّ هي حشرة تتغذَّى على الدم، ولربما من هذه الكلمة ومعاملة الأب استلهم الابن روايته.
ونذكر أيضا لمزيد من التفسيرات ما قيل عنه وهو يقرأ روايته هاته لأصدقائه ضاحكًا! الشيء الذي جعل البعض يشرح الأمر بأنّ أسلوبه الساخر مجرَّد محاولة تغطية وفصل بينه وبين غريغور الذي يجسِّده بالفعل.

ولذا نحن نتساءل مجددًا، هل غريغور هو مجرَّد كافكا داخل كتاب؟ وهل شخصية الأب هي شخصية روائيّة تضاهي شخصية والده الواقعيّة؟ وهل كان غريغور مثل الطفيليّ الذي يمتص طاقة عائلته بسبب تحوُّله؟ أم أنَّ أنَّها مجرَّد أسئلة مثقلة بتكهنَّات خيالية ليس لها أيّ دليل؟.
أسئلة لن نجد لها أجوبة ما لم نسافر عبر الزمن ونجالس كافكا وهو على منضدته يؤلِّف عمله السوداوي، ونحدِّق إليه نراقب كلَّ حركة يفعلها وكل صوت يُصدر منه ونفَس يلفظه من صدره مثلما كان يحدث مع حشرته في التحوُّل.

 

المصادر:
1 - فريدريك نيتشه، هكذا تحدث زرادشت، ترجمة: علي مصباح، منشورات الجمل، ص:143.
2 - فريدريك نيتشه، هذا هو الانسان، ترجمة:علي مصباح، منشورات الجمل، ص:18.
3 - فريدريك نيتشه، العلم المرح، ترجمة:علي مصباح، منشورات الجمل، ص:21.
4 - فريدريك نيتشه، هذا هو الانسان، مصدر سابق، ص:58.
5 - دانيال بلو، تشكّل فريدريك نيتشه، ترجمة:محمد الفشتكي، دار الرافدين، ص:61 ،62، 75.
6 - انجيل متى [7 :13]
7 - سفر المزامير [14 :3]
8 - انجيل متى [5 :22]
9 - المصدر السابق [ 15 :11-17-18-19]
10 - سفر المزامير [ 22 :6]
11 - فينا يخص وفاة المسيح فـ انظر:  
   - انجيل متى [27 :46 - 50 ]
   - انجيل مرقس [15 :34 - 37]
   - انجيل لوقا [23 :44-46]
   يذكر فيها (و على الساعة التاسعة...) 
    وهي الساعة الثالثة حتى السادسة حسب التوقيت الذي كان سائدا.
 - وفيما يخص آخر كلمات المسيح وما فعله فـ انظر:
    - انجيل يوحنا [19: 30]
12 - سفر أيوب [13 :5].
13 - كورثنوس، الرسالة الأولى [1 :19]
14 - نفس المصدر السابق [1:2-4]
15 - انجيل متى [11 :15]
16 - نفس المصدر السابق [13: 13]
17 - نفس المصدر السابق [ 13 :15]
18 - نفس المصادر السابق [6 :24]
19 - نفس المصدر السابق [6 :25 - 31]
20 - المياه كلها بلون الغرق، منشورات الجمل، ايميل سيوران، ص:74.
21 - التحوّل، منشورات الجمل، فرانز كافكا، ص:96، 97.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: سارة عمري

تدقيق لغوي: رنا داود

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

اترك تعليقا