تأخذك إلى أعماق الفكر

رواية “أُعجوبة” وامتزاج السِّحر

قراءة انطباعيَّة في رواية "أُعجوبة".

أنا ثرثارٌ للغاية، أستطيع أن أتحدَّث لنصفِ ساعةٍ عن بيضِ أنثى ديناصور الهمنجوصورس -إذا كان يوجد ديناصورٌ بهذا الاسم أصلًا-، أعتقد أنَّها مَلَكةٌ لطيفةٌ تنقذني دائمًا في الامتحانات.
ولكن مع “أعجوبة” اختلف الأمرُ كثيرًا. لم أتمكَّنْ من الكتابةِ عنها، أو حتى مشاركة ملاحظاتي مع أحد الأصدقاء. وكلَّما سألني صديقٌ عنها، اكتفيتُ بتعليقٍ بسيط. ظننتُ أنَّ الأمرَ راجعٌ إلى تقصيرٍ مني؛ لذلك قمتُ بإعادةِ قراءةٍ سريعةٍ للرواية، راجعتُ ملاحظاتي التي كتبتها، وأخذتُ أحاول أنْ أجمعها في شكل مقالٍ لائق؛ ولكن كل ذلك أفضى إلى الفشل.

عندما هدأتُ قليلًا من تأثيرِ الرِّواية، فهمتُ أنني لم أكن مُقصِّرًا على الإطلاق؛ بل ما فعلته “أعجوبة” بي، هو ما يفعله بنا الأدب. ذلك السِّحر الذي يُغشي عقولَنا، فيدمجنا مع ما يُكتَب، دون أنْ نشعر، ودون أنْ نقرر، إنه الأدب الجيِّد يا سادة!
لذلك إنْ كنّا سنتتبع شيئًا في “أعجوبة”، فهو كيف وُجِدَ ذلك السحرُ فيها؟

سحرُ الموضوع:

اختارت “آر جيه بالاسيو” موضوعًا من قلب أيامِنا. لم تُبهرْنا بخيالٍ خصبٍ، أو أبطالٍ خارقين. لم تُصِغْ عوالمَ غربيةً علينا، ولا ألقَتْ بنا وسط صراعاتٍ فلسفيِّة؛ بل بكلِّ هدوءٍ، نظرت إلى ما تنظر إليه أعيننا كلَّ يوم. وتوقفتْ أمام تفاصيلٍ لم نهتمْ أنْ نناقشها من قبل. استخرجتِ الفنَ من داخل التَّشوُّهِ الخلقي، ورأت بقلبِها ما لم تدرِكْهُ عقولُنا يومًا. وعندما كتبتْ، أطلقتْ خيالنا، وحررت إنسانيَّتنا.
فمن مِنّا فكَّر أنْ يتوقفَ أمام طفلٍ مُشوَّهٍ؟ عن نفسي، أنا أهربُ منهم؛ وقد كان هذا أحد أسباب ألمي أثناء قراءةِ الرواية، فقد اكتشفتُ أنَّني -وكلَّ يومٍ- أفعل ما فعله زملاء (أوجست) -بطل الرِّواية- معه.
ومن هنا بدأ سحر هذه الرواية؛ فمن خلال عين “بالاسيو”، تمكننا من رؤية ما لم نلتفت إليه يومًا.
وإنْ كنا تحدثنا عن (أوجست)، لننتقل إلى نوعٍ آخرٍ من السِّحر.

سحرُ اختيار الأبطال والسَّرد:

بطلُ هذه الرواية هو (أوجست): طفلٌ مولودٌ بتشوُّهٍ خلقيٍّ عسيرٍ، تخاف عليه أمُّه من الالتحاقِ بالمدرسة، وما قد ينتج عن ذلك من مواجهاتٍ مع واقعٍ سيِّءٍ، لا يحترم أمثالَ (أوجست).
في المدرسةِ، يواجه (أوجست) العديد من الأزمات. ويصطدم بالعديدِ من الشخصيات، يرى الحياةَ بلا أيِّ مُجمِّلاتٍ، ويضطرُّ للتعاملِ مع ضعفِه وتشوُّهِه.
وهنا يكمن السِّحر؛ فشخصيّات هذه الرِّواية كلها منقولةً من واقعنا. لن تحدِّثك الرِّوايةُ عن ملائكةٍ تتعامل ببساطةٍ مع المُشوَّهين، ولن تجعلَ من كلِّ الناسِ شياطينَ؛ بل ستنقل الواقعَ كما نعاشِره ونحياه، وستتعامل بحياديَّةٍ مع الجميع.

إعلان

أغلب أبطال هذه الرِّواية من الأطفال، كما أنَّ تقنيَّةَ السَّرد المستخدمة هنا هي “البانوراما الروائيَّة”. لك يا صديقي أنْ تتخيلَ متعة سردٍ يتبادل الأطفال زِمامه. سردٌ حيويٌّ، مليءٌ بالتفاصيلِ العذبةِ الرقيقة، متفجِّرٌ بالبساطة، وغارقٌ في اللُّطف. ويُحسبُ للكاتبةِ سرعةُ إيقاعِ هذه الرِّواية بدون إفساد البناء أو إهمال التَّفاصيل.

سحرُ الحياة:

أعتقد أنَّ ألطف ما في هذه الرِّواية هو طريقة تقديمها للحياة. ففي “أُعجوبة” لم أجدْ صورةً ورديَّةً للحياة، بل وجدتُ حياةً قاسيةً غير عادلةٍ كتلك التي أُومِن أنَّنا نحياها. لم يُجَمَّل الواقعُ ولا رُفعت شعاراتٌ لا معنًا لها؛ بل عشتُ كلَّ تفاصيلِ معاناةِ (أوجست). عاشرتُ ذلَّ أنْ ينبذَك النَّاس، أنْ يبتعدوا عنك كأنَّك الطاعونُ، وأنْ يحرقوك بنظراتهم كأنَّك مخلوقٌ فضائي. رأيت (جوليان) وهو يُطالبُ التلاميذ بالابتعاد عن (أوجست)، وخُذِلت مع (أوجست) عندما علِم أنّ (فيا) -أخته- لا تريد أنْ يراهُ أصدقاءها.
ولكنْ وسطَ كل ذلك، رأيتُ الحياةَ وهي تُنفِّذُ ما تعلمناه عنها، تُقدِّم لـِ(أوجست) الصداقة والعائلة كمعينين على تشوُّهه وقسوةِ أيَّامِه، وجدتها تُكافئ من يحاول، وتسخر من مَنْ يدَّعي فهمها.

لقد رأيتُ في هذه الرِّواية السحرَ الأعظم، الحب بمختلفِ صوره؛ حب والدي (أوجست) الجبَّار، الذي استطاع أنْ يُعينَه على مواصلة الطريق، وتَحمُّل صعوبة ما يراه في مدرسته. حبُّ (جاك) لـِ(أوجست)، الذي دفعه لمعارضةِ الكل لأجله، وحبُّ “سمر”، الذي جعلها ترى في (أوجست) ما لم يرَه الآخرون.
وفي النهاية، حبُّ (أوجست) لنفسه، تقبُّله لها على كلِّ ما فيها من تشوُّهٍ، اختراقه للمجتمع وإصراره على النجاح.

إنَّها الحياة، بكلِّ ما فيها من وقوعٍ وقيام، تشوهٍ وجمال، كُرهٍ وحب، سعي ونجاح.

نهايةً، “أعجوبة” روايةٌ ساحرة. اسعَ لها يا صديقي، اقرأها في هدوءٍ، وفَتِّش فيها عن نفسك، تمتع بسحرها، ودعها تُخرِج ما فيكَ من إنسانيَّة.

تم تحويل الرواية إلى فيلم سينمائي في عام 2017 باسم Wonder

فريق الإعداد

إعداد: چوي عادل

تدقيق لغوي: مرح عقل

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...