تأخذك إلى أعماق الفكر

رمزية طائر البُوم عبر الحضارات القديمة

تعتبر البومة مقدَّسة بالنسبة لآلهة المعرفة الإغريقية أثينا، كما أنها قد صُوّرت على العملة الإغريقية اليونانية كرمز للرفعة والنباهة والرخاء بطبيعة الأمر.

يتمحور رمز البومة في الحضارات القديمة كالمصرية والسلتيك والهندوسية حول حراسة العالم السفلي وحماية الموتى، في ضوء ذلك الرمز نُظر إلى البومة باعتبارها حاكمة الليل وعرّافة الأرواح، وبالتالي أدى سوء تفسير هذه العلاقة الضرورية إلى خلق ارتباطات سلبية ما بين البومة والموت.
ومن الجدير بالذكر أنه قد تم تكريم البومة كحارس للأرواح، الذي ارتقى من عالمٍ إلى آخر، وغالبًا ما تذكر الأسطورة أن البومة تصحب الروح إلى العالم السفلي، آملةً أن تحرر هذه الروح من العالم المادي إلى عالم الأرواح.

بعض المعلومات عن معنى رمز البومة وارتباطاتها بالموت:

تلقيت مئات من الرسائل الإلكترونية من أُناس ذوي نية حسنة يصفون ذعرهم من طائر البوم بعد أن طالعوا في مكانٍ ما عن ارتباط هذا الطائر بالموت، والأسوأ من ذلك أن هؤلاء الناس يصابون بالهلع بعد رؤيتهم لطائر البوم ظنًا منهم أنهم سوف يموتون، وهذا مثالٌ واضحٌ على غلوٍ مفرط وسوء فهمٍ فادحٍ لمعلوماتٍ قاصرة عن طائر البوم.

هنالك الكثير مما يمكننا قوله عن هذا الأمر؛ حيث إنه لا يوجد إجابة حاسمةٌ أو معنىً دقيق متفقٌ عليه لرمز طائر البوم (أو حتى لأي طائر أو حيوانٍ آخر)، لا يوجد شيءٌ كهذا على الإطلاق، وعلينا أن نأخذ بعين الاعتبار من أين ولمن تنشأ هذه المعاني. نشأت التفسيرات القديمة لما يرمز إليه طائر البوم، وبصفةٍ أساسية، في إثر الزمان والمكان والظروف المحيطة بالمصريين القدماء وما تنطوي عليه نظمهم العقائدية، ومن ذلك لنتصور أنه إذا تلقى كاهنٌ رسالة ما من طائر البوم قبل ما يقارب 600 عام قبل الميلاد، فمن المؤكد أنه سيقوم بتفسيرها بشكلٍ مختلفٍ تماماً عن تفسير أمٍ عزباء لطفلين في حاضر عام 2016، وهذا هو تحديدًا التفسير الذي ينبغي علينا اعتماده.

وإذ قدّم لنا أسلافنا أساسًا عظيمًا نستند عليه لفهم ما يرمز له طائر البوم، فإن على الناس في عصرنا الحديث إضافة تصوراتهم وفهمهم الخاص للحصول على تفسيرٍ واقعيٍ لما يرمز له البوم.

إعلان

يُعد ارتباط البومة بالموت ارتباطًا مغلوطًا؛ فالموت، كتعبيرٍ مجازي، يعني وببساطة “الانتقال”، أي ما يمكن تفسيره كمجرد حالة من الطاقة تتحول إلى أخرى، لنتذكر أيضًا أن مصطلح الموت ليس مقصورًا على الجانب المادي وحسب، فنحن نستطيع تجربة الانتقال أو (الموت) فيما يتعلق بـ العواطف، والعقل، والروح، ولقد مررنا جميعاً بمثل هذه حالات من التغيير، خذ على سبيل المثال التغير الذي يطرأ على القلب؛ فما إن تشعر بشعورٍ ما حتى يتملكك شعورٌ آخر.

يقودنا هذا للقول بأن البومة تظهر لنا عندما يكون الموت أو الانتقال قريبًا، كما وستمهد لنا البومة الطريق خلال هذه الانتقالات، ويُعد هذا صحيحٌ وبشكلٍ خاص عندما نتغير في “الظلام” -الظلام المعرفي-، أي عندما نتعامل مع ما هو غير معروفٍ وغير مرئي، فطائر البوم هو بالأحرى سيد المناورات في العالم المجهول، حيث يزدهر في عالم الظل، وعليه فإن طائر البوم يساعدنا على التصرف مع الفضاءات المظلمة والمخيفة.
وإدراك المعنى الرمزي للبومة هو طريقة جيدة للتعامل مع هذه الكائنات الفاتنة، ويتفق بالتالي مع طبيعة البومة كرمز للحكمة.

قائمة سريعة تحمل المعاني الرمزية لطائر البوم:

  •  الحكمة
  •  الغموض
  •  الموت
  •  الفطنة
  •  التصوف
  •  الحماية
  •  الأسرار

اعتبر الأمريكيون الأصليون طائر البوم رمزًا للحكمة والبصيرة وحاميًا للمعرفة المقدسة، ويعود سبب ذلك في الغالب إلى حقيقة أن البوم متنبئٌ بأحوال الطقس، ناهيك عن قدرته على الرؤية في الظلام؛ القدرة الأسطورية في عالم الأمريكيين الأصليين، وتُستدعى هذه الخاصية خلال الاحتفالات عند حاجتهم إلى استحضار وحيٍ للوصول إلى تفسيرٍ ما لأمرٍ مجهول لديهم. على نحوٍ مشابه فقد صورت ثقافة سكان أستراليا الأصليين وثقافة غرب أفريقيا طائر البوم على أنه رسولٌ للأسرار، قريبٌ من المشعوذين، ورفيقٌ للعرافين والمتصوفين والأشخاص القادرين على منح بركة الشفاء.

وخلال العصور الوسطى في أوروبا الغربية انتشرت أسطورة تدّعي أن طيور البوم قد كانت في الواقع مشعوذات (ساحرات) متنكرين في هيئة بوم، وتعتبر البومة حتي هذا اليوم كائن مرتبط بالسحرة (روحٌ حيوانية مرتبطة بشخصٍ روحاني يجمع بينهما علاقة وتواصل فريد). ينشط مخلوق البومة في الليل؛ ولذلك من المهم ملاحظة ارتباط رمزية المخلوقات الليلية، وذلك لأن النزعات الليلية لها معانٍ فلسفيةٍ محددة، وللحصول على تفسيرٍ أوسع وأشمل بإمكانك مزج المعاني الرمزية الليلية التالية مع ما تحمله البومةُ من معانٍ.

رمزية الحيوانات الليلية تشتمل على:

  •  الأحلام
  •  الظلال
  • العوالم الغيبية
  • المعرفة الخفية
  • الإدراك النفسي

بالتواصل مع البومة عن قُرب في بيئتها الخاصة وإتباعًا لطريقتها في العيش فإن ذلك سيساعدنا على كشف الرسائل التي تحملها لنا، لماذا؟ ذلك ببساطة لأن طيور البوم وغيرها من المخلوقات في عالم الحيوان ما هي إلا طاقةٌ نقيّة، جاءت إلينا من عالمٍ يتصف بالكمال؛ يتواصلون بصوتٍ مُوحد، يتحدثون لغة الشجر، والرياح، والقمر، والسماء…إلخ.
معرفة عادات البومة هي طريقةٌ رائعةٌ لتعلم لغتها وفهم صوتها بشكلٍ أكثر وضوحًا، بهمسها الرقيق في آذاننا الروحية.

بينما من المؤكد أن رسائل طائر البوم والمعنى الرمزي خلفه ليس دائمًا بهذه السهولة لتُفسَّر، فإن ما ترمز إليه الحيوانات عائدٌ إلى الشخص المعني بالأمر، يعني هذا أن البومة ستحمل رسائلاً لك مختلفة عن تلك التي تحملها لي، علاوةً على ذلك فإن رسائل البومة ستبدو مختلفةً تبعًا لمن وأين ومتى سيجرى تسليمها، فأفضل ما يمكننا فعله إذًا هو الأخذ بما قرأناه هنا، والقيام بالمزيد من البحث، ومن ثم تفسير ما قد تحمله لك البومة على نحوٍ شخصي.

في الختام، أعلم عزيزي القارئ أنك وإنما تكوّن ما يشبه الشراكة مع طائر البوم، وعليكما أنتما الاثنان أن تخلقا المعنى والتفسير خلال التقائِكُما في رحلة الحياةِ هذه.

للاطّلاع على أساطير آخرى عن الطيور:  أسطورة العنقاء

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: ليلى سلامة

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

تدقيق علمي: رولا عادل رشوان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.