تأخذك إلى أعماق الفكر

حرية مصادرة التعبير والقانون الأعور

من العقل نبدأ ومن الفهم نحاول أن نجيب على التساؤلات التي قد تطرأ علينا، لكل إنسان البيئة التي نشأ فيها والأفكار التي تغذى عليها والرأي الذي كوّنه والفكرة التي من المفترض أنه أخضعها للتجريب أو التقليب أو الفهم العميق  لتتحول لرأي قوي لابد من الدفاع عنه، ثم يبدأ في اتخاذ الحرية ستارًا أو نافذة أيهما أنسب لطبيعة الفكرة للتعبير عنها.. ومن هنا يبدأ فصل جديد في الحكاية.

هل الدين مادة للرأي والتعبير؟

الدين عقيدة بمعنى أنه شيء وقر في القلب ويخضع للتصديق أو التكذيب، أي حينما تأتي إليك ديانة أو عقيدة سماوية أو وضعية، عليك أن تصدق أو تكذب فحسب، أن تتفق أو تختلف فحسب، أن تقول لا يناسبني هذا الفكر فحسب. عند هذه النقطة لابد أن يتوقف الرأي. وهنا يأتي الفرق بين الرأي والتعبير، من حق كل إنسان له عقل ومدركات، له مدخلات ومعطيات أن يتوصل للبرهان أو النتيجة أو القرار تبعًا لخطواته في الفكر أو ما لديه من معلومات، ولكن التعبير ليس حقًا للجميع، الرأي يخصّك أما التعبير يخص أناس من حولك، إذ يجوز تقييده بشروط معينة، وفي ظروف معينة، بقصد تحقيق أهداف معينة، لأن الحق في حرية التعبير عن الرأي تتعلق بالآخرين، أفراد كانوا أم جماعات، حكومات كانت أم دولا، وهذه الفئات لها الحق في التعبير عن رأيها أيضًا، ومادام الأمر كذلك؛ فإنه ينبغي أن يٌقيد حق التعبير عن الرأي من أجل المحافظة على سلامة حقوق التعبير عند جميع الناس بلا استثناء.

من هذا المنطلق؛ أباحت المواثيق والاتفاقات الدولية تقييد الحق في حرية التعبير لحماية مصالح إنسانية واجتماعية وسياسية وأمنية ودولية مختلفة، لكن يمكن القول بأن سلطة تقييد الحق في حرية التعبير ليست مطلقة، بل مقيدة هي الأخرى بمجموعة من الضوابط التي يتعين توافرها، لكي يكون القيد الوارد على حرية التعبير مشروعًا خاليًا من وجود تعسف ينال من جوهرها.

وجاءت بالنص: لكلِّ شخص حقُّ التمتُّع بحرِّية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأيَّة وسيلة ودونما اعتبار للحدود.

مادة حرية التعبير في المدارس الفرنسية:

حينما يبدأ المعلم في تعليم الطلاب أن حرية التعبير تعني الحق في الإساءة، وأن البطل هو الذي قاوم الجميع في سبيل ازدراء وسب، لا فكر واضح أو قواعد منطقية توصّل إليها وعلينا جميعًا أن نحترم حريته ورأيه، هنا تصبح مادة التعبير مادة تضليل، مادة حشو لأفكار بعينها وكراهية بعينها، وحينما يأتي اسم فولتير في هذه المادة عن مسرحيته التي تحوى على إساءة دون الإشارة إلى نهاية اعترافاته حول هذه المسرحية التي أوضح فيها أنه لجأ لإسقاط الخلل في المجتمع أو الدين في مجتمعه على “شماعة” دين آخر لا يعلم عنه شيء، سوى اسم! حينئذ سيكون الانتقاد مبررًا، وصورة الكراهية مع الجهل متكاملة بالتأكيد!

إعلان

لكن لم يشر المعلم لما صحّحه فولتير عن مسرحيته، التصحيح ليس جزءًا من مادة حرية التعبير بالتأكيد.

القانون الأعور والعدل الأعرج:

حينما تعد الإساءة للأقليات في فرنسا حرية تعبير وتعتبر معاداة السامية قضية يعاقب عليها القانون، هذا يعني أن ميزان العدل مختل وأن حامله أعور العين وليس معصوب العينين كالصورة الشهيرة عن حاملي القانون التي تشير إلى النزاهة وعدم التحيز، لكن التحيز موجود، فعلًا ولفظًا، فلا يكف الرئيس الفرنسي عن ادعاء أنه لا يهاجم الإسلام بل يهاجم التطرف، ولكنه لا يستنكف أن يستخدم الإرهاب الإسلامي في خطاباته التي تعبر عن حرية الرأي أيضًا!

المعاداة كأداة لكسب الأصوات:

نقلًا عن بي بي سي وبحسب إحصائيات الاتحاد الأوروبي لعام 2019، فإن المسلمين هم ثالث أكبر كتلة في فرنسا من حيث المعتقد الديني، المسلمون في أوروبا يعيشون بين خطابين متطرفين، هما اليمين المتطرف والتيارات المسلمة المتشددة. وللخطابين نفس الهدف، وهو عزل المسلمين في أوروبا عن المجتمع الغربي. وللأسف وقعت النخب السياسية في فخ تبني مفردات الخطاب اليميني، في محاولة لكسب الأصوات، أي هجوم التطرف أو حماية الأقليات كلاهما وجهان لعملة واحدة هي تحقيق المصالح وليس التغني باسم حرية الرأي والتعبير.

الانعزالية الإسلامية والنظام الموازي:

حينما أشار الرئيس الفرنسي إلى أن الإسلام يعيش في نظام مواز لأنه لا يتفاعل مع الليبرالية والعلمانية، هل يعد هذا أيضًا من حرية الرأي؟ بمعنى إذا كان للشخص الحرية في اعتناق الأفكار والعقائد واتباع قوانين ونظم هذه العقائد هل يُتهم بعدها أنه في عالم مواز لأنه يرفض ما يرفضه معتقده هذا الذي له الحرية في اعتناقه؟ يرفض نظام فكري أو يرفض نوع طعام أو ملبس يخالف عقيدته، هل الحرية مجزأة والدين قابل للترقيع كي يناسب الحرية التي يدعون إليها؟ هل الدين هو مجرد اسم أو وصف أو صورة دون تطبيق؟ وهنا يظهر المزيد من التناقض حول الدعوى لحرية الاعتقاد ثم اتهامك بأنك انعزالي لأنك لا تتبع ما يخالف عقيدتك في نظام أو فكر المختلف عنك!

في النهاية كلما كانت القضايا ضبابية كلما عبّرنا عنها بالشبه ودافعنا عنها بالضعف وقد تشوشنا الألفاظ لكن الأفعال تفضح، هنا يتجلى كل يوم الدعاوى التي تأتي إلينا، وكل ما هو مختل وغير متوازن، وكل ما يعبر عن مصادرة للرأي، وإسقاط للماضي على الحاضر، وإحراز المزيد من المصالح ولو على حساب مشاعر المليارات في جهة من الأرض، لأنهم أقليات في جهة أخرى منها، وكلما كان الصوت أعلى والمنطق غائب والصمت هو سيد الموقف من الحكومات الإسلامية، ظهر دور الأفراد ومقاطعة الشعوب بينهما صوت الأزهر الشريف، أمّا باقي الدول في ثباتها تعج بأحلام الحرية وتعبد الروابط الاقتصادية.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: اسماء

تدقيق لغوي: حسن أحمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.