النازيون والرايخ الثالث: أين الرايخ الأول والثاني؟

دائمًا ما ارتبط لقب “الرايخ الثالث” بألمانيا النازية، حيث تكاد لا تخلو خطابات الزعيم النازي أدولف هتلر من ذكر عظمة الرايخ الثالث، وخطته هي ١٠٠٠ عام يجلس فيها الجنس الآري على قمة العالم، بينما تستعيد ألمانيا عظمتها السابقة، لكن ما هو الرايخ الثالث، والأفضل ما هو الرايخ الأول والثاني؟

لفظ رايخ Reich يعنى إمبراطوريةً أو مملكةً بالألمانية؛ أطلقه النازيون على دولتهم الجديدة كما ادّعوا في إشارةٍ إلى استعادة أمجاد الماضي، وعودة ألمانيا إلى دورها القياديّ والمحوريّ، خاصّةً بعد الهزيمة الكارثية في الحرب العالمية الأولى ١٩١٤:١٩١٨وتحوّل البلاد إلى جمهورية ضعيفة تحت نفوذ الحلفاء، وغرقها في مشاكل وأزماتٍ اقتصادية واجتماعية، وتجريدها من كل حقوقها التاريخية وأراضيها الممتدة بعد معاهدة “فرساي” التي اعتبرها الألمان إهانةً شخصية، واستغلّها النازيّون في شحن الجماهير ضدّ أوروبا.

الرايخ الأول

الرايخ الأول
تشارلز العظيم أو شارلامان

 

تعدّ “الإمبراطورية الرومانية المقدسة” الرايخ الأول أو أوّل إمبراطوريةٍ عظمى في ألمانيا، وهي واحدةٌ من أعظم الممالك في التاريخ الأوروبي. أسسها شارلمان أو “تشارلز العظيم” الملقّب بأبو أوروبا في عام ٨٠٠م؛ حيث حاول شارلمان إعادة إحياء الإمبراطورية الرومانية (الغربية)، والتي سقطت في ٤٧٦م ودخلت أوروبا في حالة فوضى سياسية من بعدها في الثلث الأول من العصور الوسطي، أو ما يسمى تجاوزًا “عصور الظلام”، فأقام شارلمان مملكته وأعاد تصحيح أوضاع الكنيسة الكاثوليكية، وأعطي الفاتيكان سلطةً واسعةً لمحاربة الجهل والفقر؛ رابطًا الكنيسة بالمملكة، وسعى البابا في محاربة أعداءه في إيطاليا تيمّنًا بالإمبراطورية الرومانية القديمة، وفي المقابل أعطاه البابا “ليو الثالث” لقب الإمبراطور الروماني.

امتدّ الرايخ الأول بأبهى حالاته في غرب ووسط أوروبا، في ألمانيا والنمسا وسويسرا وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا والتشيك، واعتمد على نظامٍ يشبه إلى حدٍّ كبير الاتحاد الأوروبي حاليًا؛ حيث كانت الدول تنتمي لنفس السلطة المركزية، لكنّها تتمتّع باستقلالها، على أن يقوم الأمراء والملوك باختيار أو انتخاب الإمبراطور.

لكن بعد وفاة شارلمان في ٨١٤ تقلّد الحكم ابنه لويس، والذي بعد وفاته تقسّمت الامبراطورية بين أبنائه وبدأت في التفكّك إلى إمارتٍ مستقلّة، لأن القوانين وقتها كانت تنص على مشاركة الورثة في المملكة عوضًا عن اختيار ابنٍ واحدٍ للحكم، ومع كل جيل قُسّمت الإمبراطورية من جديدٍ إلى أن تحوّلت إلى دولٍ صغيرة، وأصبح الإمبراطور مجرّد لقبٍ شرفيٍّ بلا سلطة حقيقة، حتى عهد أوتو الأوّل الذي أعاد إحياء الإمبراطورية في ألمانيا ووضع البابا التاج على رأسه في ٩٦٢م، ولم يُستحدَث لقب المقدّس حتى القرن الثاني عشر مع الإمبراطور فريدرك باربوسا الأول.

إعلان

لكنّها استعادت بريقها في بعض الفترات، وضمّت أسبانيا في عهد تشارلز الخامس الذي كان ملكًا لإسبانيا، وانتُخِب إمبراطورٌ رومانيٌّ مقدس، لكن خلال معظم تاريخها اقتصرت على ألمانيا فقط وبعض البلاد المحيطة.

وبعد قرونٍ من الحروب والمشكلات الداخلية والتمرّدات والخلافات مع الكنيسة؛ وقعت الإمبراطورية ضحيةً للضعف والتحلّل حتى سقطت على يد نابليون في ١٨٠٦م، وكان فرانسيس الثاني آخر إمبراطورٍ رومانيٍّ مقدّس.

وصفها الفيلسوف الفرنسي الساخر فولتي أنها “ليست مقدسةً ولا رومانيّةً ولا حتى إمبراطورية“.

 

الرايخ الثاني

خلال القرن التاسع عشر كانت المدن والإمارات الألمانية في حالة تفكّكٍ وضعف، كلٌّ يبحث عن مصالحه الخاصة، عدا ربّما المدن الشمالية التي اتحدت تحت حكم ملكٍ واحدٍ ورئيس الوزراء أو المستشار، فيما عُرف بدولة بروسيا “Prussia” والتي كانت حجر الأساس في تكوين الإمبراطورية الألمانية.

الرايخ الأول
أوتو فون بيسمارك

 

بين أعوام ١٨٦٤: ١٨٧١ نجحت بروسيا في الانتصار في ثلاثة حروبٍ طاحنة ضدّ كلًا من جيرانها الدنمارك والنمسا وفرنسا، مما فرض حقيقة أنها قوةٌ عظمى، وأثار الرهبة في نفوس الإمارات الجنوبية الرافضة للاتحاد، وبدأ مستشار بروسيا اوتو فون بيزمارك “Otto Von Bismark” في القيام بمجهوداتٍ سياسيةٍ مضنيةٍ لتشجيع الاتحاد، تحت ستارة القوة العسكرية، والقيام بما أسماه ثورةً سياسيةً في المنطقة المشتعلة، حيث قال: “إن الثورة قادمة لا محالة، لذا من الأفضل أن نقوم بها بدلا من المعاناة بسببها لاحقا”.

القيصر فيلهام الأول

 

وفي ١٨٧١م وافق الأمراء الجنوبيّون على مضض، وأُعلِنت الإمبراطورية  الألمانية الموحّدة تحت حكم  فيلهلم الأول “Wilhelm I” قيصر ألمانيا الجديد وملك بروسيا السابق، على أن يستمر بيسمارك في منصبه كمستشار الإمبراطورية.

بعدها تغيّرت موازين القوى في أوروبا، وبرزت ألمانيا كدولةٍ صناعيةٍ كبرى تنافس بريطانيا وروسيا وأمريكا، وبدأت مخاوف الدول الأوروبية من أن تكون الوحدة مجرّد بدايةٍ لطموحات ألمانيا التوسّعية، رغم مساعي المستشار بيسمارك في طمأنة الجميع وجهوده الحثيثة لحفظ السلام، وإقامة معاهدات واتفاقيات مع كبرى دول أوروبا.

القيصر فيلهام الثاني

 

لكن بعد إقالته من منصبه في ١٨٩٠، بعد تولّي القيصر الشاب فيلهام الثاني الذي كان طموحًا لأبعد الحدود، والذي عارض السياسة الخارجية الحذرة، وأراد من ألمانيا أن تنتهج سياساتٍ استعماريةٍ كما كانت تفعل بريطانيا وفرنسا منذ عقود، بالإضافة إلى بناء بحريةٍ قويةٍ يمكن أن تضاهي البريطانيين، كذلك شجع القيصر الاستعمار في أفريقيا وآسيا لتلك المناطق التي لم تكن بالفعل مستعمراتٍ لقوى أوروبيةٍ أخرى؛ كما كان سجله وحشيًا بشكل مشهورٍ، وقد مهّد الطريق للإبادة الجماعية لبعض القبائل الافريقية. بدا جليًا أن الحرب قادمةٌ في أوروبا لا محالة؛ بسبب التنافس بين القوى العالمية وصراعات السيطرة.

وقد حدث بالفعل في الحرب العالمية الأولى في ١٩١٨، والتي شهدت هزيمة وسقوط الرايخ الثاني، وانتهاء حكم القيصر بعد ثورةٍ شعبية، وقيام جمهورية ألمانية ديمقراطية لكنها كانت غارقًة في الأزمات والمشكلات الاقتصادية حتى ١٩٣٣م وصعود النازيين للسلطة؛ حينها أصبح أدولف هتلر مستشارًا بعد انتخاباتٍ حرّة، ثمّ حوّل نفسه إلى فيوهرر أو قائدٍ ديكتاتوريّ، وأسس الرايخ الثالث الذي كان من المفترض أن يمتد ألف عامٍ أخرى، لكنه سقط بعد اثني عشر فقط، مع نهاية الحرب العالمية الثانية في ١٩٤٥.

نرشح لك: ألمانيا.. إمبراطورية المصادفة

مصادر 
-How did the Holy Roman Empire Form? | Animated History-What was the Holy Roman Empire?-The German Empire-Imperial Germany 1871-1918 (The Short Oxford History of Germany).

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: عمرو عدوي

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

اترك تعليقا