تأخذك إلى أعماق الفكر

المهاجرون يستمرون في الحصول على جائزة نوبل: ما الذي يجعل الولايات المتحدة الأمريكية سباقة في هذا المجال؟

مع حلول الحدث السنويِّ الأكثر ترقُّبًا من قِبَل هواة العلوم في أنحاء العالم، ففي يوم الاثنين تم الإعلان عن أوّل الفائزينَ بجائزة نوبل لهذا العام، سأقول لكم سرًّا: لم أكن أعرفُ من كان سيفوز بالجائزة، لكنّ سببًا دفعني لأكون مقتنعًا بأن واحدًا من الفائزين على الأقل سيكون مُهاجِرًا؛ فمِن 209 فائزًا بجائزة نوبل للفيزياء حتى الآن، فإنّنا نجد 54 منهم في الأصل مهاجرين، أي ما يفوق 25% من الفائزين. وأنا متأكد من أنّك ستجد صعوبةً كبيرةً في إيجاد نسبة من المهاجرين تقارب هذه النسبة في أي مجالٍ آخر، حتى ولو كانَ كرة القدم.

في هذه السنة، فاز جيمس بيبل بنصف جائزة نوبل للفيزياء من خلال بناء نموذج رياضي لفهم مكاننا في الكون، مع كلٍّ من ميشيل مايور وديدير كيولوز لاكتشافهم لأوّل كوكبٍ شبيهٍ بالأرض خارجَ مجموعتنا الشمسية. ما يهمّنا حقًّا هنا هو أنَّ بيبل وُلِد في كندا، ولكنّه قد هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد حصولِه على البكالوريوس؛ ثمّ حصل على الدكتوراة من جامعة برنستون الامريكية. نفسُ الأمر يمكن ذكرُه بخصوص ستانلي ويتنجهام، الذي فاز بنوبل للكيمياء هذا العام، مع كل من أكيرا يوشينو و جون جوودايناف، لإنجازاتهم العظيمةِ في تطوير بطّاريات اللّيثيوم. وُلِد ستانلي في إنجلترا، وحصل على الدكتوراة من جامعة أُكسفورد العريقة، وهوَ يعمل حاليًّا ومنذُ سنة 1984 في جامعة بينغمتون في نيويورك.

ولَكنْ، قبل أنْ نتعمّق في هذا الأمر، إنَّ من الواجِب أن نقوم بتعريف المهاجرِ، وخاصّةً في مجال العلوم؛ حيث قلَّما نجد عالمًا يبقى في مكانٍ واحد طوال حياته. ومن أجل توضيحٍ أكثرَ لما نقصدُه في هذا المقال، فالمُهاجر هو شخصٌ مات أو يعيش في بلدٍ ليس بِبلده الأمِّ الّذي وُلِد فيه.

لو بحثنا قليلًا، فإنّنا سنجد أنّ الدولةَ الّتي تحوي أكبر عددٍ من المُهاجرين الذين فازوا بجائزة نوبل عامةً، وبجائزة نوبل في الفيزياء خاصّةً، هي الولايات المتحدة الأمريكية؛ فمن خلال الإنفوجرافيك التّالي، الّذي يوضّحُ استقطاب الدول المُختلفة للعلماء الذين سيفوزون مُستقبلًا بجائزة نوبل، نجدُ أنّ الولايات المتحدة الأمريكية قد استقطبت 30 من العلماء الّذينَ فازوا بجائزة نوبل في الفيزياء، بينما هُنالك عالمان اثنان فقط أمريكيّا الأصل قد تركا الولايات المتحدة وهاجرا إلى الدنمارك و أستراليا، حيث فازا بجائزة نوبل هناك.

نجد أيضا أن فرنسا هي ثاني الدول الأكثر استقطابًا لهذه العقول، فقد استقطبت 6 علماء فازوا بجائزة نوبل في الفيزياء، بينهم مغربي الأصل “سيرج أروش” الذي فاز بنوبل سنة 2012، و الجزائري الأصل “كلود كوهين تانودجي” الذي فاز بنوبل الفيزياء سنة 1997.

كما نجد دولًا أخرى مثل بريطانيا و سويسرا و ألمانيا، لكن يمكن أن نقول أنها خسرت بعض العقول العظيمة أيضا، خاصة ألمانيا التي هاجر أغلب علمائها إلى أمريكا، أثناء الحرب العالمية الثانية هروبًا من قمع القوات النازية للعلماء اليهود، أو بعد الحرب في محاولة للهروب من المشاكل الألمانية في ذلك الوقت مثل “هيربرت كرومر” الذي فاز بنوبل للفيزياء سنة 2000.

إعلان

طبعا فهذا “الإنفوجرافيك” ليس مثاليًّا لإعطاء نظرة شاملة لحجم العقول المهاجرة في العالم و خاصة نحو أمريكا، فقد تم ذكر أولئك الذين حصلوا على نوبل في الفيزياء بعد رحيلهم إلى أمريكا، لكن ماذا عن أولئك الذين حصلوا على نوبل في بلدانهم الأصلية، ثم بعدها انتقلوا إلى أمريكا مثل العالم الإيطالي “إنريكو فيرمي”؟
كل هذه المعطيات، ما هي إلا دليل على قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على استقطاب العقول الأجنبية الضخمة، فما السر وراء هذا الأمر؟

السباق نحو الأفضل؟

المهاجرون الفائزون بنوبل منذ سنة 2000: 33 من أصل 85 فائزًا أمريكيًّا  كان مهاجرًا.
نسبة المهاجرين الفائزين بنوبل منذ سنة 2000:
39%.

أول أمريكي فاز بجائزة نوبل للعلوم كان “ألبرت ميكلسون”، وذلك في سنة 1907م من خلال أبحاثه في قياس سرعة الضوء، هاجر أبويه من بولندا (بروسيا سابقًا) إلى أمريكا عندما كان عمره سنتين. إضافة إلى “ميكلسون” كان هناك العديد ثم العديد من المهاجرين الأكفاء، فإذا قارنَّا عدد جوائز نوبل التي تم منحها منذ بدايتها سنة 1901، أي 911 شخصًا أو مؤسسة فازوا بالجائزة، نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية فازت ب 350 جائزة، أكثر من 100 من هؤلاء الفائزين ولدوا خارج الولايات المتحدة الأمريكية.

كيمياء طب فيزياء
المهاجرون: 11 فائزا. المهاجرون: 10 فائزين. المهاجرين: 12 فائزا.
المولودون: 18 فائزا. المولودون: 16 فائزا. المولودون: 18 فائزا.
 نسبة المهاجرين: 33%.  نسبة المهاجرين: 38%.  نسبة المهاجرين: 40%.

هناك عوامل عدة تجعل الدراسة و البحث العلمي في الولايات المتحدة الأمريكية عامل جذب للمهاجرين، مثل المنح الجامعية الضخمة و التجهيزات العظيمة. لكن هناك دول كثيرة تحاول إنتاج نفس التجربة الأمريكية في استقطاب المهاجرين مثل سنغافورة و كوريا الجنوبية و حتى السعودية التي استثمرت الكثير في تجهيز جامعاتها، بدءًا من استقطاب العلماء من أنحاء العالم إلى إعطائهم تعويضات مالية جد مغرية. لكن ككل الأحلام و القصص الجميلة، لا يمكن أن يكون المال وحده كافيا. فالجامعات الأمريكية لديها كاريزما غريبة في استقطاب المواهب الخارجية الأفضل في العالم.
يمكن أن نفسر هذا الأمر أكثر من خلال ما وصفه الدكتور أحمد زويل صاحب جائزة نوبل للكيمياء سنة 1999 حينما كان يكتب عن رحلته من بلده الأم مصر إلى أمريكا، بأنه كان شديد التأثر بجميع الجامعات الأمريكية التي كان جزءا منها مثل جامعة بنسليفانيا حينما كان طالبا، أو باحثا في جامعة كاليفورنيا و بيركلي،  أو أستاذا في معهد كاليفورنيا.
«أتت أسرتي العلمية من جميع أنحاء العالم, و كان الأعضاء من خلفيات و ثقافات و قدرات مختلفة. يوفر التنوع في هذا “العالم الصغير” الذي عملت فيه يوميا، البيئة الأكثر تحفيزا، إضافة إلى العديد من التحديات، و الكثير من التفاؤل.»

لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى.

البحث العلمي هو مثل أي مؤسسة أو شركة عالمية ضخمة، إن استقطبت العاملين الأكفاء من أنحاء العالم، تزداد قيمة الأسهم، الاسثتمار الضخم في الرؤوس العلمية هو ما يجعل أي دولة عظيمة.
قد أبالغ في الأمر عندما أقول أنه إذا كنت باحثا في إحدى الجامعات الأمريكية، فستكون لديك فرصة لا بأس بها في الحصول على جائزة نوبل، فما يجعل من أمريكا قوة علمية عظمى لا يتمثل فقط في تجهيزاتها الضخمة، بل أيضا في الاستقطاب الضخم للعقول.
و إنه لمن المثير في الأمر و في سياق المحادثات الحالية حول الهجرة في أمريكا -ومفهوم أن المهاجرين بطريقة ما قد يحبطون الطريق نحو عظمة أمريكا الذي يدعو إليه الرئيس ترامب- أن نشير إلى مقدار النجاح الذي حققته أمريكا في حصولها على جوائز نوبل بسبب المهاجرين، و يبدو أن مؤيدي ترامب في الولايات المتحدة قلقون من أن هذا العناق الخارجي يجعل أمريكا أقل عظمة.
حسنا و كما تشهد جوائز نوبل, فانهم بالتأكيد على خطأ.

المصادر: هنا, هنا, هنا.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: محمد الغنفري

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.